كان العام 2000، وكنت أعمل في واحدة من أوائل وكالات الأخبار الإلكترونية في مكاتبها في العاصمة الأردنية عمان، ومن قسم الصحافة الساخرة في الوكالة كنت أسعى حثيثا لأتثبت في قسم السياسة وغرفة الأخبار، التي كنت أعمل فيها أيضا، وقد كانت الإنتفاضة الفلسطينية عنوان الأخبار كلها.
وفي خضم خلية عمل مجنونة يطلب مني رئيس التحرير آنذاك الزميل رمزي خوري رسميا التوجه صباح اليوم التالي إلى أحد فنادق عمان لإجراء حوار حصري للوكالة مع الفنان العربي نور الشريف!!
ضايقني الطلب، فأنا أسعى بجهد لأكون في الأخبار، وتكليف رمزي يوحي بتوجهات أخرى بعيدة عن طموحاتي، وحين حاولت مجادلته بقولي إنني أحب نور الشريف، لكن الأخبار الفنية بمجملها هي من نوعية «ما هو لونك المفضل وأكلتك المفضلة؟» وأنا لا أحب الخوض في تلك السطحية الساذجة. أجابني رمزي بدهاء: ومن قال لك إن حوار نور الشريف فني؟ ومع إشارة تطمين منه أن الحوار سيكون فوق ما أتصور مع شخصية مثل نور الشريف قبلت بالتكليف.
صباح اليوم التالي، كنت في «لوبي» الفندق المتواضع في عمان، وكان لدى الأستاذ علم بوجودي، فما أن نزل حتى سأل عني بكل تواضع وأدب، فالتقيته وأنا مرتبك، فأزاح الارتباك بسؤاله لي إن كنت أفطرت، وطبعا دعاني إلى تناول الفطور معه في مطعم الفندق، ليبدأ الحوار مع النجم الخارج لتوه من شخصية ابن رشد، وقد جسدها في فيلم يوسف شاهين «المصير»، وكانت اللحية لا تزال على حالها «الأندلسية» وكذلك الحالة الذهنية، مما جعلني أدخل في عوالم من الحوار مع رجل موسوعي بدأ حديثه يومها بحديث الساعة وكان عن «العولمة» ليخوض فيها مواضيع الثقافة والأدب والسياسة والاقتصاد والفن والسينما والإعلام لينتهي كما بدأ بالعولمة، وكنا غادرنا المطعم إلى اللوبي وبعد كثير من القهوة والشاي كان الحوار الذي امتد لثلاث ساعات.. أجمل حوارات العمر والمهنة.
نعم، نور الشريف، خسارة فادحة جدا.. أمام ما نشهده من فن تجهيلي وفنانين جاهلين. ولروحه الرحمة ولأهله كما لنا العزاء برحيله.
وشكرا متأخرة للمعلم رمزي خوري.
شعراء الصدفة
وفي الحديث عن الفن المحترم الذي لا يموت بموت أصحابه، وضمن سياق حالة فانتازية شخصية لدي، فإنني حين أقرأ شيئا من الشعر القديم من الجاهلي حتى العباسي المتأخر، أو أشاهد برنامجا مثل «على خطى العرب» يتحدث عن عنترة العبسي مثلا ويتتبع خطاه، أجدني أفكر في عبقرية الرحابنة وأي خدمة قدمها أخوان قادمان من أنطلياس في جبل لبنان لشاعر عربي قديم اسمه عنترة، فوضعا كلماته بعد تزويقها بالموسيقى في حنجرة فيروز الملائكية، فتعود الحياة لقصة حبه على تلك الأعرابية عبلة، ويعرف الجميع حتى اليوم أنه تذكرها والرماح نواهل منه، والسيوف تقطر من دمه.
أو كيف استطاع الأخوان من أنطلياس، أن يعيدا الإعتبار لأبي نواس، وقد تكالب عليه المؤرخون ذوو الأجندات السياسية في عصره وبعد عصره، لتهميشه واغتيال شخصيته، فيجدان لشعره الرقيق الجميل العاطفي متسعا لدى فيروز لتصدح به لنعرف أن حامل الهوى تَعِبُ.
هذا بالضبط، مكمن الفرق والمفارقة بين فنان مثقف يقرأ بلا ملل ولا تعب، وبين فناني الصدفة والعلاقات العامة ممن انتكبنا بهم في أيامنا.
ومن هنا، أيضا نفهم كيف يمكن أن تصل فنون الدعاية الحديثة إلى الشعر نفسه، ليصبح الشعر علاقات عامة «وخاصة أيضا» ويصبح لدينا شعراء و شاعرات الصدفة، فتخلى لهم المسارح ويجمعون التصفيق كما يجمعون «اللايكات» على صفحات الـ»فيسبوك».
الصياغات التلفزيونية الثلاث
طبعا، أنا من ضحايا التلفزيون الأردني الرسمي، كمتلق دفع رسم الدينار طوال عمره، وتلقى ما يقل عن النصف دينار قيمة إعلامية.
وحين ترد الأخبار عن وجود نية (رسمية أيضا!) لتأسيس محطة تلفزيون الخدمة الرسمية، بما يشبه الخدمة الإعلامية التي تقدمها «بي بي سي» أو الـ»دويتشة فيله»، فإنني أنفعل مبتهجا أول الأمر، متخيلا خدمة حقيقية تمثل الدولة لا الحكومات، والدولة هنا تعني جميع المكونات بالمطلق، إلا أنني حين أتذكر تفاصيل آلية العمل الإعلامي في الأردن، والمرجعيات ثم الأسماء التي تتحكم بالماكينة، أصاب بالإحباط الشديد على تجربة أجدني أحكم عليها بالفشل فورا إذا لم تتغير المعطيات التقليدية من حولها.
ذات زيارة ملكية في الخارج، كنت ضيفا على أحد المدراء العديدين في التلفزيون الأردني، وكنت في غرفة الأخبار اتابع دقائق ما قبل نشرة الثامنة والتحضيرات المحمومة، التي لم تكن محمومة أبدا، فالنشرة باردة وعادية، والخبر الرئيس حول الزيارة الملكية في الخارج، كان فقط محط اهتمام المدراء الذين كان يحمل كل منهم فاكس الصياغة المفترضة من مرجعية ما.
وأمام ثلاث صياغات كانت الحيرة تلف الإدارة، أي منها يجب اعتماده بدون إغضاب المرجعية الأخرى، وبدقيقة تم توليف نشرة من الصياغات الثلاث لا تقدم ولا تؤخر، مثلها مثل الصياغات الثلاث نفسها.
من أجل خدمة تلفزيونية بمستوى الدولة، يجب قص كل الحبال الوريدية مع المرجعيات التي تعتبر نفسها حواضن شرعية، ومن ثم إطفاء «الفرن الحراري» ذي الوهج الأمني المشع، لضمان نجاح التجربة واستمرارها.
لسنا بحاجة إلى تلفزيون «مواز» .. بتكلفة أعلى. لعبة «الموازي» فقدت نكهتها.
٭ إعلامي أردني يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة