محمد رفيق إن الاحتفال بالذكرى الثانية، ل’ الربيع العربي ‘، بعد المخاض الذي شهدته الجغرافيا المغاربية، وطال الخليج العربي بشكل محدود، وأطل المولود إلى الوجود، غامض الملامح، حيث لازال يبحث عن هوية وتسمية، وأضحت المفاهيم ملتبسة، خاصة أن الأمور مازالت تراوح مكانها بعد سنتين، والربيع الموعود أصبح يراود الخريف على نفسه، في ظل تفاعل الأحداث، ارتباطا بالسياقات الجغرافية والسياسية للمناطق التي تعيش التجربة، وهو ما يؤسس لسؤال مشروع، حول المفهوم من منطلق تقييم التجربة، في إطار مقاربة فكرية ونقدية، في ظل الغموض ومتاهة الرؤيا، بعد التباس ‘الربيع العربي’ مع مفهوم ‘الثورة ‘، في الحقل السياسي العربي، مع التغييرات التي شهدها العالم العربي مند سنة 2011، رغم أن الثورة كمفهوم تحيل على تغيير جذري، في الوقت الذي انطلق ‘الربيع العربي’، من أرضية حراك اجتماعي، عبارة عن انتفاضة جماهيرية شعبية وشبابية بالدرجة الأولى، تنامت بشكل تدريجي في سقف المطالب، من الأبعاد الإصلاحية والاجتماعية والخدماتية، إلى المطالبة بالتغيير السياسي، بإسقاط أنظمة عتيدة، بعد تعاملها بيد من حديد، مع الحركة الاحتجاجية المغاربية والعربية، ما سرع وثيرة التغيير، خاصة مع كثرة ضحايا هذه الأنطمة، ووسع قاعدة الاحتجاج في ميادين التحرير، ورفع شعارات جريئة، طالبت برحيل هذه الأنظمة السياسية التوتاليتارية والاستبدادية، ساعد في ذلك تطور التقانة الإعلامية الجديدة. انتهى بإسقاط الجهات القائمة على التدبير السياسي لهذه الدول العربية، وحسم الأمور مع أزلام أنظمة عتيدة في الاستبداد، ولم تسقط بنيات النظام السياسي، مع العلم أن الفئات الشابة التي قادت الحراك الاجتماعي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والانتفاضة الشعبية، سهل مأمورية التحاق إطارات حزبية ومؤسسات سياسية، أغلبها تآكل واهترأ، وبعضها كان مهمشا، رغم أن الطابع العام المميز لها، يؤطرها في خانة تأثيث الفضاء السياسي جماليا، والاستفادة من ريع ماء السلطة القائمة للأجهزة الحاكمة، والإسهام في تمديد المسافة العمرية للقائمين على تدبير هياكل النظام السياسي العربي بشكل عام.الحصيلة على مستوى المفهوم، أن الثورة تحققت لغويا، وتمظهرت سياسا في الوجدان العربي، من خلال رحيل عدة النظام السياسي في شكلها الشخصاني، والتي كانت تدبر الحكم في الأقطار المغاربية والعربية، التي طالها التغيير، مع العلم أن الرجة أو الانتفاضة الاجتماعية والسياسية، غابت عنها القاعدة الشبابية، على مستوى الإشراك السياسي في تدبير الشأن العام، ما بعد إسقاط الأنظمة الشمولية، بحكم غياب التموقع السياسي والحزبي التأطيري، وانقضت الأحزاب والحركات التقليدية، والهيآت الإسلاموية، التي كانت محظورة على التجلي في الخارطة السياسية للدول التي شملها التغيير، بكل من مصر وتونس وليبيا …، واستفادت من هذه الأجواء في المغرب في علاقة بلعبة الانتخابات، وساعد هذه الأحزاب والحركات، فشل التجارب العلمانية والليبرالية في التدبير السياسي للشأن العام، وفشل الإصلاح والتنمية، ومعه المشاريع الديموقراطية الوهمية، وتكريس الحزب الوحيد، رغم التعدد الشكلي الظاهر في الواجهة، الذي كانت تسانده أغلب الأحزاب بما في ذلك اليسارية المعارضة، وبجميع ألوان الطيف السياسي، لتكون النتيجة غياب البديل الديمقراطي، والتغيير لجهاز يعوضه جهاز آخر إسلاموي، ويجعل من الحراك العربي مع الربيع العربي، يغيب مفهوم الثورة، ويحصرها في انتفاضة ورجة شعبية، تدرجت من الإصلاح إلى إسقاط، وترحيل أزلام الفساد المجسدة في حكام هذه الدول التي طالها التغيير، وبقاء آليات النظام السياسي على حاله، بل وبعض مكوناته السابقة.بعد سنتين على التغيير، وبعد صعود التيارات الإسلاموية إلى تدبير آليات الحكم، أصبحت الفرصة مواتية للتقييم، بعد أن فشل التيارات الحزبية والقومية والاشتراكية والليبرالية، في تنزيل المشاريع التي كانت تنظر لها، على أرضية الواقع، والتبشير بالأوهام فقط، لمدة تزيد عن نصف قرن من الحكم. في ظل هذا الحراك العربي، وما آلت إليه نتائجه، وبعد وأد الثورة والتباس أدوات بناء ربيعها، كما أن الشعارات التي حملتها ميادين التحرير، أصبحت مجرد أوهام، خاصة بعد أن استفادت أحزاب سياسية كانت خارج اللعبة السياسية، من هذا الزخم، وقادتها الأحداث إلى سدة الحكم، يطرح سؤال المسار الذي تسير في اتجاهه هذه ‘الثورة ‘، وهل يمكن الحديث عن أفق سياسي واضح المعالم؟ بعد هذه المسافة الزمنية (سنتان) من التجريب، في تدبير الحركات والأحزاب الإسلاموية للشأن العام، بكل من مصر وتونس وليبيا، والوضع في اليمن، وطبيعة الأسئلة التي طرحتها على مستوى الإصلاح، والتركيز على أمور جانبية، بعيدة عن المحوري المطلوب، وكأن لاشيء لم يتغير، أسئلة من قبيل الأرضية الدستورية والانتخابات والسجال الذي لف الموضوع، في الوقت الذي تم تغييب أسئلة هيكلية، ومعه مشاريع إصلاحية حقيقية، تعكس مطالب الشعب، وانفتح الساسة الجدد على التخوين، وتصدير الصراع إلى واجهة جديدة، لها علاقة بالأنظمة السابقة، وتمرير خطابات حول المرجيات الدينية، وإعادة سؤال العلاقة بين الدين والدولة، والدولة والدين، وكأن أدلجة الدولة الدينية، تستجيب لطبيعة المرحلة، وأضحى الدفع بسؤال الصراع مع الحاكمين الجدد، مسألة محاربة للثورة، ومعها الإسلام.العودة للواقع في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، التي تشهد فيها الأمة العربية، مخاضا عسيرا، مادامت أسباب الرجة قائمة، ويمكن أن تعصف بكل شيء، وتعود بالأمة القهقرى، لذلك لازال ميادين التحرير متقدة، في محاولة لتحصين التغيير، الذي جاء به الربيع العربي، خاصة أن بوادر الاستبداد، أضحت تلوح في الأفق، بعد اغتيال النقابي التونسي شكري عياد.والأسئلة الزائفة في المنطلقات من أجل الإصلاح، تؤكد أن النتائج ستكون كذلك، ‘فالسؤال المزيف يستدعي جوابا زائفا’، والحديث عن المرجعية الدينية للدولة، حديث فضفاض، فالجابري، يعتبر أن سؤال هل الإسلام دين أم دولة ؟، ما يطرح قسمة عقلية محصورة، بين أن الإسلام دين لا دولة، أو هو دين ودولة، أو الإسلام دولة لا دين، يرى الجابري أن الاحتمال غير وارد، لأن الإسلام في أرضيته دين، خاصة أن الأسئلة غامضة لا علاقة لها بالواقع، تعبر عن فكر حالم أو فكر مجرد، ميتافيزيقي، والدولة الدينية لم تتحقق مند ظهور الإسلام.إن الوعي الصحيح لحقيقة الواقع، يقتضي البحث عن حل للأزمة بشكل عقلاني، لا التمركز حول الذات من أجل إنتاج خطاب أحادي، والتقوقع حول الزائف وكأنه الصحيح، خاصة أن الغرب دخل على الخط، لوأد وإفشال نتائج الحراك العربي في المهد، وتحويل الوجهة إلى سياقات جزئية جانبية، فنعوم تشومسكي، يرى أن أميركا دخلت خط الربيع العربي، الذي فاجأها، لإفشال المشروع الديمقراطي في المنطقة، ولاشك أن الرهانات كبيرة لتحقيق الانتقال إلى الديمقراطية والإصلاح السياسي المطلوب، فالحاجة ماسة إلى الحوار والديمقراطية، فالمفكر المغربي أنور عبد المجيد، يرى أن أزمة العرب الحقيقية، هي غياب العقل الديمقراطي الذي يتقبل التعدد والانفتاح، لذلك يتضح أن تخصيب الأرضية السياسية ينطلق من الديمقراطية ومعها الحوار، الذي يجب تنزيله منزلة الحقيقة، لأن الحقيق الحوارية، لدى طه عبد الرحمان، من منطلق أن الوصول إلى الحق ليس واحدا لا ثاني له، .. لأنه يتغير ويتحدد، وأن تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة ينتهي إلى تقلص شقة الخلاف بينهم،والحوار يسهم في توسيع العقل وتعميق مداركه، وليس النظر من جانب واحد كالنظر من جانبين .لتتضح بذلك أن أزمة الأنظمة السياسية العربية، بعد الحراك العربي، هي مسألة الديمقراطية والحوار، وتجاوز الفكر الشوفيني الأحادي في إدراك الحقيقة، كلما تعلق الأمر بالسلطة وتدبير الشأن العام، ومتى تم إدراك القيمة الحقيقية، لهذه الثنائية، واستبعاد أمر امتلاك الحقيقة دون الآخر، والانفتاح على الرأي المتعدد وفكر الاختلاف، يمكن تأسيس ثقافة ديمقراطية حقيقية، ولكن هذه المفاهيم تبقى دون جدوى إذا تم تغييب الواجهة الثقافية في علاقتها بدور المثقف، فالجابري، يرى أن تجديد أية ثقافة، لا يمكن إلا بتجديد وتحديث آلياتها وبنياتها من الداخل، في علاقة تجسيرية بين الماضي والحاضر لاستشراف المستقبل، فدور المثقف جلي في هذا السياق، لأن غياب المرجعية الفكرية والثقافية، في تأطير المؤسسة الحزبية، تسبب في كارثة سياسية، وأفشل المشاريع الديمقراطية، وجعل الأحزاب مجرد دكاكين انتخابية موسمية، افتقدت للقوة الاقتراحية والنقدية والمعارضة، وثقافة الممانعة، في الوقت الذي ظلت فيه التيارات السلفية، خارج اللعبة، وتمارس مبدأ التقية، وتوظيف الخطاب الروحي، إلى أن جاءت كبديل بعد التغيير الربيعي، لذلك فللمثقف دور في ما كان عليه الوضع سابقا، مند نصف قرن، وما هو عليه الآن، في بلورة خطاب واضح المعالم، يفصح عن مثقف عضوي له طابع الخصوصية في الجغرافيا العربية، ويطرح الأسئلة التي تفرضها المرحلة، وما يعني ذلك من انفتاح كافة التوجهات الفكرية والثقافية والسياسية، بما ذلك، مكونات الأجهزة الحاكمة، التي تتوخى البعد الإصلاحي التنموي الواقعي، في إطار ما سماه الجابري بالكثلة التاريخية، التي يمكن أن تستوعب جميع هذه الطروحات، إذا كانت لغة الوطن والمواطنة هي السائد، ولاشك أن طلك سيفرز جبهات معارضة، إلا أن ذلك لا يمنع من تدبير الاختلاف بين هذا الكل، في مقاربة الواقع العربي وتشريحه بدقة، للبحث عن مشروع ديمقراطي، يساعد على تجاوز ترسبات تصف قرن من الدغمائية والضبابية، التي رانت على الوجدان العربي وعلى كل بنياته.بالنسبة لعبد الله العروي، بفكره الأنواري، يرى أن الحداثة في المجتمعات العربية، لا يمكن أن تتحقق دون أن نحسم مع مجموعة من المفاهيم والمؤسسات، تتجسد في الفقيه والمخزن، والزاوية والقبيلة، لازالت حاضرة على أرضية الواقع، ويرى أحمد سعيد (أدونيس)، أن الأمور الجوهرية تتعلق بتحرير المجتمع من العبودية الدينية، فالأهم هو ليس تغيير السلطة، ولكن تغيير المجتمع،، لأن السلطة القائمة أو المعارضة، لا تمثل هذه الحرية في تجسدها الحقيقي، ولايمكن الحديث عن أي ثورة دون فصل الدين عن السلطة والثقافة، والغرب ينظر إلى العالم العربي كمجال استراتيجي، لا كمجال ديمقراطي، لأن همه هو المصالح وليس اليمقراطية. لذلك فإن الشاعر والكاتب محمد بنيس، يرى أن الحداثة العربية معطوبة، معتبرا أن الربيع العربي مجرد أكذوبة، والمتغير الجديد بصعود التيارات الإسلامية لتدبير الشأن العام، غير مفاجئ، ولا يمثل حالة ارتدادية، ولكنه تراكم زمكاني أدى إلى النتائج الحالية، والسبب هو تدهور المشروع الحداثي العربي، وفشله في الوصول إلى الشعب، في ظل حالة الارتكاس الثقافي، وغياب المشاريع التي تترجم نوايا الدولة الحديثة، الخارجة عن نظم القبيلة والأطر التقليدية، بعد فشل مقولات الحداثة مع التجارب التي مر بها الفضاء الثقافي العربي، بعد تجريب أشكال سياسية متعددة، انتقل فيها المثقف بين عدة نظم سياسية، دون تحقيق المطلوب، وهو ما أفرز النتائج الحالية.لذلك يبرز دور الواجهة الثقافية ووظيفة المثقف، في بلورة قواعد التغيير والإصلاح والحداثة، وبناء مشروع ذاتي يستحضر خصوصية المنطقة العربية، وآليات قراءة الواقع، لطرح الأسئلة الحقيقية. شاعر وكاتب من المغربqmdqpt