نحن الكائنات التي أهدرت جمالها من أجل ثغاء خرافها!

حجم الخط
0

كذبة الهوية في الفن وشقاؤها:فاروق يوسفألا يزال هناك مَن يفكر بالهوية الوطنية والقومية للفن؟ لو قلنا ‘الهوية’ وصمتنا لكان سؤالنا ساذجا. فالفن، مثل أي فعل (حيوي) إنساني يفقد الكثير من قيمته (قدرته على البقاء والإقناع والتأثير) ومصداقيته إن افتقر إلى هويته الشخصية أو تفادى المرور بها. ما نفعله يشبهنا. يتقدمنا ويقدمنا إلى الآخرين. تتعثر به أقدامنا ويتعثر بنا خياله. غير أن ذلك السؤال يكون محرجا وثقيلا حين نضيف إلى الهوية الصفتين التجريديتين اللاحقتين. ولأن العرب قد أهدروا سنوات عزيزة من عمرهم المعاصر وهم يلهثون بين دروب متاهة ذلك السؤال، من غير أن يمسكوا برأس الخيط فقد وجدتُ، من جهتي ان استمرار الكثيرين (فنانين ونقادا وجامعيين وأصحاب قاعات) في تسلية ألسنتهم بتلك (العلكة) ما هو إلا نوع من الهروب من مواجهة حقائق كثيرة تتعلق بأحوال الفن العربي المعاصر. في مقدمتها السؤال الذي يتعلق بقيمة ما ينجزه الفنان العربي اليوم ومدى انسجام ذلك المنجز مع المزاج الثقافي العالمي المعاصر. سأذهب إلى النهاية وأقول ‘ما من مصطلح (واقعة) في تاريخ الفن أسمها الهوية الوطنية والقومية في الفن’ هل كان ليوناردو ومايكل انجيلو ورافائييل ايطاليين قبل ولادة ايطاليا؟ هل كان رامبرنت وفنسنت وموندريان وكارل آبل هولنديين؟ هل كان فيلاسكز وغويا وميرو وبيكاسو إسبانيين؟ هل كان تومبلي وسيرا أمريكيين؟ هل كان زاووكي صينيا؟ هل كان تومبي تشيليا؟ يمكننا الاستمرار في تداول أسئلة من هذا النوع إلى ما لا نهاية. الكذبة التي انطلت علينا، على فنانينا، على مفكرينا، على أصحاب قاعات العرض وعلى مدراء المتاحف لم يقل بها أحد في الغرب، لذلك تخلو منها المعاجم الفنية وكتب تاريخ الفن. هناك هوية يستلهمها الفنان من تربيته الفنية. سيكون علينا حينها أن نتحدث عن هوية عصر. كأن نقول الفن الهلنستي، الفن الاسلامي، الفن البيزنطي، فن الركوكو والباروك، الفن السومري أو أن نخص بحديثنا مدرسة أو أسلوبا أوتيارا فنيا بالحديث كأن نقول الفن التكعيبي أو الدادائي أو المستقبلي أو التجريدي أو التعبيري. ولكن أيعني هذا أن علينا أن ننكر وجود فن ياباني أو صيني أو هندي في التاريخ؟ علينا هنا أن ننظر بتريث إلى الثقافات التي نشأت في اطار نوع لافت من العزلة عن العالم الخارجي. لقد انتجت تلك الثقافات آثارا فنية تشبهها وتذكر بها، لكن في حدود زمن العزلة الذي صار اليوم جزءا من الماضي، وهي (تلك الثقافات طبعا) غير ملزمة الآن بالعودة إلى ذلك الزمن. الصينيون واليابنيون والهنود اليوم هم فاتحون في مجال الفنون الجديدة، التي اخترعها الغرب ولا يزال يشكل فضاءها التخيلي ويحرسه. إن تكن اليوم يابانيا أوصينيا فذلك لا يعني أن تتخصص في رسم العصافير والزهور ومنظر الشمس عند الغروب في قمة جبل بعينه. اما بالنسبة لعدد كبير من رسامينا فلا يزال معنى أن يكون الرسام عربيا يتلخص في قيامه باستنساخ الأشكال التي انجزها الرسام يحيى بن محمود الواسطي في القرن الثالث عشر ميلادي. كان ذلك الرسام عراقيا، من جهة عائلته وولادته والمكان الذي عاش فيه ولكنه لم يكن فنانا عراقيا، بالمعنى الذي تنطبق عليه صفات الفنان المحلي. كان الواسطي إبن مرحلته التاريخية التي امتزجت فيها التأثيرات القادمة من مختلف انحاء الأرض لتشكل قاعدة لقيام فهم اسلامي لفن التزويق. عبقرية الواسطي تكمن في انه كان الخلاصة لكل ما انتهى إليه من محاولات قادمة من الصين والهند وايران وآسيا الوسطى. مع الواسطي اتسعت رقعة الخيال الجمالي لتشمل الرسم اضافة إلى فني الخط والزخرفة. سأذكر هنا أن أعظم فناني الخط العربي كانوا من الفرس والأتراك. لن تربك هذه الحقيقة التاريخية أحدا. في الفن ما من أحد مدين لأحد. الجمال يعدي. علينا أن نعترف هنا أن الرسام في العالم العربي قد أخطأ حين حاول أن يقتفي أثر أجداده. لم يكن أولئك الأجداد المتخيلون سوى أشباح، يمرون بكل النوافذ من غير أن يتعرفوا على أحفادهم من بين النائمين. من غير أن يميزوا أحفادهم عن الآخرين. شيء من أرث الواسطي يمكن أن يكون ملكا للإسباني بيكاسو مثلما يمكن أن يكون ملكا للعراقي جواد سليم. وهكذا نكون قد إكتشفنا هويتنا في المكان الذي لم يعد حكرا علينا. لنتخيل أن أمريكيا يمنعك من الاسترسال في التأثر بتجربة الرسام وليام دي كوننغ (هولندي الأصل، أمريكي الجنسية). لن يكون عليك سوى أن تضحك وتنعت ذلك الشخص بالجنون. زها حديد، المعمارية المجددة التي يفخر الكثيرون بعراقيتها، هل هي عراقية حقا في فنها؟ سيكون السؤال سخيفا بالنسبة لزها نفسها قبل أن يكون مضحكا بالنسبة لمتابعي فنها. اعتقد أن علينا أن نكف عن استرخاص أحوالنا الفنية. علينا أن نلتفت إلى ما جوهري. إلى الفن، باعتباره جوهر حياة تتجاوزسبل العيش المباشر إلى المعاني الخالدة التي ابتكرت من أجلها فكرة الحياة. لقد حطم الحزبيون (العقائديون) حياتنا. علينا أن نصدق أنهم وقفوا بيننا وبين الفن، ما يمكن أن يقدمه الفن لنا من وسائل للخلاص. وقفوا بيننا وبين الجمال. لم يكن اهتمامهم بهويتنا إلا من أجل تغييبنا. سؤال هويتنا لابد أن يذهب إلى ‘مَن نحن؟’ لذلك كان عليهم أن يقترحوا الجواب الذي من شأنه أن يمحو أي أثر لوجودنا أحياء. نحن خدم للسلالة الخالدة. لسنا سوى بقايا. الفتات الذي يحاول أن يستجمع نفسه من خلال الذكرى. كان علينا أن نعيد انتاج الماضي لنتأكد من أننا لانزال على قيد الحياة. نحن كائنات شبحية لا أثر لخطواتها على الأرض. فعلنا الوحيد يكمن في ما نتذكره. كما أرى الآن متأخرا فإن كل ما فعله الرسامون العرب من أجل تكريس المعنى التصويري لهويتنا كان يصب في المكان الذي تغيب فيه هويتنا الحقيقية. لقد افقدتنا تلك المحاولات الشكلية والتقنية حساسية الشعور بإنسانيتنا، كائنات تطل من نوافذ بيوتها على حياة معاصرة، لم يعش الواسطي شيئا من لذائذها الجمالية. لقد خسرنا بسبب ذلك البحث العبثي عن الهوية الوطنية والقومية للفن حياتين في الوقت نفسه: حياة كان من الممكن أن نعيشها بشكل مباشر وأخرى كان من الممكن أن يقترحها الفن علينا. الآن لم يبق من تلك الهوية شيء بين أيدينا.الكذبة التي انطلت علينا تركت فراغا كبيرا وهربت. يقف فننا اليوم من غير هوية تقدمه إلى الآخرين وتتقدمه. هذا يعني أننا نفتقر إلى الهوية التي تقولنا وتفصح عن النوع الإنساني الذي ننتسب إليه. بالنسبة للكثيرين لا يزال في إمكانهم أن يقيموا في الخرافة. الوهم الذي أنعش بطبوله مفردات أبجديتهم المنقرضة. هذه هي صورتنا. صحيح أنها لا تشبه ما يظهر في المرآة، غير أن ما يظهر في المرآة سيكون شبيها بها عما قريب. شيء من خداع الذات والاحتيال على الطبيعة.مَن نحن؟ وهو سؤال تمتزج من خلاله الأبخرة والأصوات والألوان والأشباح والرؤى والحكايات والأرواح والأغاني والنظرات والخسارات وشهقات الخلق وحسرات الحبر ورماد الهزائم وطبول الأعراس الريفية وثغاء الخراف الضالة وانكسارات الضوء على الكثبان الرملية. نحن في المكان الذي ينتج كائنات مختلفة، كان عليها حتما أن تقول كلاما مختلفا، كلاما يتقدمها ويقدمها إلى الآخر المختلف ولن يكون وسيلة لإعادتها إلى قفص عزلتها. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية