تركيا في عين العاصفة

حجم الخط
0

وفقاً لما أوردته صحيفة «أوزغور غوندم» المعروفة بولائها لحزب العمال الكردستاني، تم ارتكاب مجزرة في بلدة وارطو، قبل أسبوع من اليوم، في ظل منع التجول الذي فرضه الوالي بناءً على اتفاق بين قوات الحكومة ومسلحي «الكردستاني» الذين انسحبوا من البلدة المنكوبة. لم تعرف تفاصيل دقيقة عن هذه المجزرة، بما في ذلك عدد ضحاياها، بسبب قطع الكهرباء والاتصالات عن البلدة المنكوبة ومنع دخول نواب المنطقة في البرلمان إليها.
تتواتر أخبار مماثلة من مختلف مدن وبلدات شرق الأناضول وجنوبها الشرقي حيث الكثافة السكانية الكردية والحاضنة الاجتماعية لحزب العمال الكردستاني الذي يتعرض لأكبر حملة عسكرية من قبل القوات الحكومية منذ عقد التسعينات، سواء داخل البلاد أو في جبال قنديل شمال العراق حيث تتمركز قيادته الميدانية ومعسكرات تدريب مسلحيه.
في مواجهة هذه الحملة الكبيرة، أعلنت قيادة kck (منظومة المجتمع الديمقراطي ـ المظلة الاقليمية الموحدة التي تنضوي تحتها فروع «الكردستاني» في كل دولة) تأييدها لإعلانات «الإدارة الذاتية الديموقراطية» التي أطلقها قادة محليون لـ»حزب الأقاليم الديمقراطي» في عدد من بلدات المنطقة، على غرار كانتونات «الإدارة الذاتية» التي أعلنها حزب الاتحاد الديمقراطي pyd في سوريا.
تأتي هذه التطورات الدراماتيكية في ظل فشل رئيس الوزراء المكلف أحمد داوود أوغلو في تشكيل حكومة ائتلافية تملأ الفراغ السياسي القائم، واتجاه الرياح نحو انتخابات مبكرة يريدها رئيس الجمهورية أردوغان «تصحيحاً لخطأ» ارتكبه الشعب في السابع من حزيران حين سحب تفويضه من حزب العدالة والتنمية بالتفرد بالحكم، للمرة الأولى منذ ثلاثة عشر عاماً من هذا الاحتكار. هذا ما يمكن استنتاجه من سلوك الطاقم الحاكم (أردوغان وحكومة داوود أوغلو) منذ انتهاء الانتخابات العامة قبل شهرين ونيف، وكأن هذه الانتخابات لم تجر قط. تركيا تحكم اليوم بحكومة تصريف أعمال مستقيلة تتخذ قرارات مصيرية كالتوافق مع الأمريكيين في الحرب على داعش وفتح القواعد العسكرية أمام استخدام طائرات الحلفاء، وإنهاء عملية الحل السلمي مع الكرد داخل البلاد وإطلاق حرب ضد العمال الكردستاني بعد وقف إطلاق نار استمر لمدة عامين.
كل يوم هناك هجمات من «الكردستاني» على الشرطة والدرك في مختلف المدن، وكل يوم هناك إعلان «مناطق أمنية خاصة» في مدن وبلدات المناطق الكردية وإعلان حظر التجول فيها، وكأن حال الطوارئ والأحكام العرفية عادت إلى تلك المناطق عملياً، وإن لم يكن رسمياً، بعد عشرين سنة من رفعها، واعتقالات يومية لكوادر حزب الشعوب الديمقراطي الممثل في البرلمان بثمانين نائباً. كل هذه الاجراءات الاستثنائية تتخذها حكومة تصريف أعمال منقوصة الشرعية تجاهلت الإرادة الشعبية التي صوتت قبل شهرين لإنهاء تفرد «العدالة والتنمية» بالحكم، كما صوتت ضد تفرد أردوغان بالسلطة المطلقة في نظام رئاسي.
في زيارة قام بها إلى مسقط رأسه مدينة «ريزة» على شاطئ البحر الأسود، قال أردوغان، بلا أدنى حرج، إن النظام السياسي قد تغير بالفعل، ومطلوب الآن وضع الإطار الدستوري لهذا التغيير! أي أنه يمارس عملياً سلطات رئيس الدولة في نظام رئاسي، ويريد من الشعب انتخاب حكومة تغير الدستور بما يناسب هذا التغيير العملي. تعرض أردوغان لهجوم عنيف بسبب هذا التصريح، فوصفه كل من دولت بهتشلي وكمال كلجدار أوغلو، رئيسا الحزبين المعارضين القومي والعلماني على التوالي، بالعمل الانقلابي. وشاركهما في هذا الوصف كثير من صناع الرأي العام في الإعلام التركي.
وتقوم خطة أردوغان على إزالة أسباب فشل الحزب الحاكم في الانتخابات العامة في الحصول على غالبية مطلقة، ليعود إلى التفرد في تشكيل الحكومة، ويكون أول عمل لهذه الحكومة تغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسي. وما هي أسباب الفشل؟ السبب الأول والأهم إنما هو تمكن حزب الشعوب الديمقراطي من تجاوز حاجز العشرة في المئة ودخول نوابه البرلمان. ولولا ذلك لذهبت نصف مقاعد هذا الحزب، على الأقل، إلى حزب العدالة والتنمية. تقوم الخطة إذن على إعادة حزب الشعوب الديمقراطي إلى تحت حاجز العشرة في المئة وعدم تمكينه من دخول البرلمان.
يقول الباحث روشن تشكر إن هذه الخطة هي من البساطة إلى درجة لا يمكن تصديقها. ولكن هذه هي الخطة، وهي تعمل جيداً من وجهة نظر أردوغان وجماعته من الموالين. لا يهم إذا كان ثمن نجاحها إشعال حرب دامية مع العمال الكردستاني لا تستثني حاضنته الشعبية، ولا يهم إذا كان ثمنها تعليق سلطات البرلمان المنتخب وإضاعة الوقت في مشاورات ائتلافية يعرف الجميع أنها غير جادة (قال رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلجدار أوغلو، بعد أسبوعين من المفاوضات مع الحزب الحاكم: لم يعرضوا علينا حكومة ائتلافية، بل حكومة مؤقتة لمدة محدودة مهمتها الإعداد لانتخابات مبكرة). ولا يهم إذا كان الثمن تدهوراً في مؤشرات الاقتصاد أبرزها هبوط حاد وقياسي في قيمة الليرة التركية أمام الدولار والعملات الصعبة الأخرى.
ويتوقع سليمان يشار، المختص بالشؤون الاقتصادية في يومية «طرف» المعارضة تراجعاً في قيمة الدخل القومي، بنهاية هذا العام، إلى نحو 700 مليار دولار، مقابل 800 مليار في العام 2014، و822 ملياراً في العام 2013. بموازاة ذلك تراجع نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي من عشرة آلاف و800 دولار (2013) إلى عشرة آلاف و400 دولار (2014) إلى عشرة آلاف و150 دولارا في الربع الأول من العام الحالي. وبأخذ الهبوط الأخير في قيمة الليرة أمام الدولار، يقدر يشار متوسط الدخل الفردي لهذا العام بقيمته الحقيقية 8769 دولاراً.
ما الذي يمكن توقعه من انتخابات تجرى في ظل هذه الأوضاع المضطربة؟ تتباين التقديرات حول نتائج محتملة لهذه الانتخابات المبكرة. لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن اجراء الانتخابات في ظل ما يشبه حال الطوارئ القائمة في قسم من البلاد؟

٭ كاتب سوري

بكر صدقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية