في ذكرى رحيله العاشرة.. جمال الدين بن الشيخ ونقد الاستشراق الأدبي

حجم الخط
0

في مجال نقد الاستشراق، عرف إدوارد سعيد أكثر من غيره من كتاب العربية، الذين اختبروا «الفضاء الثالث» بتعبير هومي بابا، لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية.
لكن كاتبًا لا يقلُّ قيمة واعتباريّةً عن إدوارد، وهو جمال الدين بن الشيخ (1930ــ 2005) الذي دخل عمله هو الآخر في سياق المشروع التنويري والحواري، منذ ما يقرب من أربعة عقود، في الوصل ما بين القادم منه وإليه من فضاءين وثقافتين ورؤيتين للعالم، مع كان يفرضه عليه من معرفةٍ بآداب الضيافة وحسن الجوار، بعيداً عن الانغلاق على الهويّة أو الإحساس بالدُّونية أو التنصُّل من مسؤوليته كمُثقّف تشغله قضايا إشكالية تخُصّ نوعية عمله وراهنيته، إلى حد أن صار سفير ثقافته الاعتباري ومرجعها الموثوق به لدى من كانوا يجهلون بها أو يدسون عليها الأغاليط في فرنسا، التي نزل بها مُهاجراً في بحر الستينيات من القرن العشرين، وما أدراك ما فرنسا وقتئذ.

نقد الاستشراق الأدبي

أوجد جمال الدين بن الشيخ لنفسه موطئ قدم في الوسط الثقافي الفرنسي، بعد أن صار باحثاً وكاتباً أكاديميّاً مرموقاً بين المركز الوطني للبحث العلمي وجامعة باريس (VIII, IV) حتى سنة تقاعده عام 1997؛ فمثّل، بحقّ، ثقافة كانت مهجورة أو منظوراً إليها من خلال الكليشيهات، التي كان يُشيعها خطابٌ كولونيالي واستشراقي مُغْرق في مركزيّته ومُغْرض في رؤيته للآخر. ولعل أهمّ هذه الكليشيهات كانت تقدم من نصوص العصر الوسيط، سواء تعلق الأمر بالشعر القديم، والسرد العجائبي والمقدس، أو بالتأويل الإسلامي لموضوعات من طبيعة خاصة ونوعية.
من فتنة الشعر العربي القديم إلى القول الآسر في ألف ليلة وليلة، مروراً بالضفاف الخصيبة التي تسكنها الشعرية العربية وروحانيّة الإسلام، قدّم جمال الدين بن الشيخ عملاً مميَّزأً ولافتاً، فتح فيه تراث العرب الأدبي والثّقافي على أسئلة المنْهج الحديث، وواجب المعرفة وموردها الفلسفي والجمالي المعاصر، بغاية تهويته وإدماجه في سيرورة القراءة والتأويل التي تخرجه من شرنقة المنع والتقديس، وتُحرّره من إسار الرؤية الاستشراقية المغرضة. وهكذا، سوف يخلص ابن الشيخ الجزائري المولود في مرس السلطان، أحد أشهر أحياء الدار البيضاء المغربية، للعمل على قضايا مُركّبة ونصوص إشكالية، وتفكيكها بعد إعادتها إلى ضوء المعرفة، وتخليصها من «استراتيجية الهيمنة» في سياق العلاقة المختلّة بين الذات الغربية وموضوعاتها الوافدة من الشرق أساساً، بما فيه موضوع الأدب الذي تخصص فيه ولم تنفصل قراءته له عن انشغاله بأسئلة التحديث في الفكر والتاريخ والمجتمع، من خلال مواقف ومبادئ لم تتزحزح، قيد أنملة، عن الحق في الاختلاف الجمالي والسوسيوثقافي، وهو الذي صرّح بملْء فيه: «أنا، المُهاجر المغاربيّ العاشق لفرنسا»، في وقت كانت موجة العنصرية ومعاداة الأصول المغاربية للمهاجرين خاصة، والإسلام عامّة، تطفو على سطح ثقافة تشبّع منها بقيم الحرية والمساواة والأخوة، وأتاح له فضاؤها السفر، بحُرّية، في اختياراته ورهاناته. وقد سُئل جمال الدين بن الشيخ: «لماذا لا يعود إلى بلده الجزائر؟ أجاب بأنّهُ لا يمكنه ذلك لأنّ في الْجزائر ليس بمقدوره أنْ يُنْتج مثلما الحال في فرنسا. وكان قد اختار منفاه الاختياري احتجاجاً على القيود المفروضة على الحريات من طرف نظام هواري بومدين. الاغتراب، لكن الحرية.

المسألة الشعرية

شكّل الشعر العربي، بالنسبة إلى جمال الدين بن الشيخ، صلة الوصل الأولى لخوض البحث في الثقافة العربية، ومرجع ذلك إلى عدة أسباب منها، أنّ خطاب الشعر كانت له أسبقية داخلها لاعتبارات فكرية وجمالية. فتوجَّه، في بداية عمله النقدي، إلى الاهتمام بخمريات أبي نواس وأشعار المتنبي بحثاً وترجمة، مثْلما خصّ الإنْسيكلوبيديا العالمية بدراسة لماحة حول «الغنائيّة في الشعر العربي» تكشف فجاجة التصوُّر الذي يختزل تاريخ هذا الشعر في أنّه «شعْرٌ غِنائيٌّ» كما كرّستْ ذلك الدراسات الاستشراقية، رافضاً أن يخضعه للتمرْكُز حول الذات الغربية، ولسلطة التسمية فيها، ضمن الاهتمام الأوروبي بالتعرف على آخرهم «الشعريّ» في الثقافات الوافدة عليه من الشرق (العربية، الفارسية، الصينية واليابانية تحديداً). كان العبور إلى البناء النصي في تأمُّل الغنائيّة العربية حاسماً في تحليل ابن الشيخ، حيث يتعاضد البحث في شكل القصيدة وتركيبها الأغراضي مع البحث في لغتها ومراجعها بين الواقع والكتابة، اللسان والفرد، وما يترتب على ذلك من إنشاء الرُّؤْية الغنائية للعالم بحسب الذوات الشاعرة في غير عصر معطى.
وفي الإنْسيكلوبيديا نفسها، ترجم لعدد من الشعراء القدماء (عدي بن زيد، أبو محجن الثقفي، جرير، الفرزدق، حسان بن ثابت، الحطيئة، الوليد، امرؤ القيس، الكميت، كثيّر بن عزة، لبيد، الطرماح، زهير، أبو نواس، أبو تمام، المتنبي)، والمحدثين (أدونيس، صلاح عبدالصبور)، وعلماء البلاغة والنقد (ابن رشيق، الجاحظ، إبن خلدون)؛ مثلما سلط الضوء على فن المقامة، وتاريخ الأدب العربي، والآداب المغاربية.
بيد أن العمل الذي يُقدّم درس جمال الدين بن الشيخ في الحرص على استقصاء المنهج والمعرفة، وعدم المهادنة مع استرسال الجهل والحَجْب والنسيان في موضوع الشعر العربي ومهيمناته النصية والجمالية كان، بلا شكّ، كتابه ذائع الصيت «الشعرية العربية»، الذي عَمِل، بوصفه مشروع قراءة نقدية نادرة، على تفكيك مقولات الاستشراق الغربي عامة، والفرنسي تحديداً، حيث ينتهج فيه قطيعةً مع التصوُّرات والأدوات الكلاسيكية في مقاربة التراث الشعري العربي إبان العصر الوسيط، بهدف الوقوف على ما يؤسّسُ طبيعة هذا الشعر ونظامه عبر رؤية منهجية نافذة لا تهادن، في جهازها المفاهيمي ولغتها الواصفة، سلطة الْحِجاب التي تغذّتْ على بعض النزعات المعتبرة عِلْماً. وفي مقدمة الكتاب يُذكّرُنا «بأنّ وضع الشعر قد تحدَّد في قلب تفكير من طبيعة إبستيمولوجيّة»، وهو ما جعل منه لحظات قوية يستقصي فيها بقدر ما يستكشف سبل المتخيل الرفيع والتقنية المستندة إلى عمل المعرفة وواجبها الذي يستدعي مُقوّمات العصر الثقافية برُمَّتها. ومن المُؤْسف، حقّاً، أن تظل مثل هذه القراءة المشروع مهجورة في تاريخ ثقافتنا الشعرية المعاصرة منذ أن صدرت لأوّل مرة عن منشورات الأنثروبوس الفرنسية عام 1975، في وقْتٍ كان للدراسات الأدبية المُحتمية بالإيديولوجيا ونظريات الظروف الخارجية المسترسلة في عمى السائد النقدي، السُّلْطان الأقوى على خطاب الشعر ونقده وتداوله، ولم يكُنْ لكثيرٍ منها واجب المعرفة واسْتقصاء المنهج الحديث؛ ولولا الترجمة، الجيدة في بابها، التي رعتها دار توبقال المغربية لاستمرّ منفى ابن الشيخ داخل اللغة العربية التي أحبَّها وأحبّ فكرها وآدابها.

الترجمة وتحرير المعنى

استحقّ مشروع الترجمة في فكر ابن الشيخ وعمله الأكاديمي منزلةً خاصّة، وهو الذي كان يعتبر الترجمة عاملاً مهمّاً في الحوار بين الشرق والغرب، وقد ترجم في هذا الإطار خمريات أبي نواس، وأشعار المتنبي، ومقاطع مهمة من مقدّمة ابن خلْدون، وقصة الإسراء والمعراج مُحقّقة ومُسْتقاة من عددٍ مهمّ من المصادر تحت عنوانه الأصلي «الحلم الوهاج والحديث الهياج بمعجزة الإسراء والمعراج»، وفيه نجد عملاً متكاملاً عن هذه الرحلة النبوية ترجمةً وتعليقاً ومُقارنةً بين الروايات المختلفة بخصوصها، مُبْرزاً قوة سردها ومُتخيّله، في تماس مع الرؤية التي كوَّنها عن الإسلام وروحانيّته وروحه السمحة ضدًّا على نزعة الاستبداد والتسلُّط. كما شكّلت الترجمة الكاملة لكتاب «ألف ليلة وليلة»، رفقة صديقه المستشرق أنْدري ميكيل، أحد مشاريعه الرئيسية، وقد صارت لها حظوة المرجع الأكثر اكتمالاً وصدقيّةً منذ الترجمة الأولى التي أنجزها الفرنسي أنطوان غالان في القرن الثامن عشر للميلاد، بعد أن استغرق في إنجازها سنوات من الصبر والأناة كانت توازيها بحوث وحلقات دراسية حول الحكايات نفسها في «الكوليج دوفرانس» حيث أنشأ تجمُّعاً للبحث في هذه الحكايات بوصفها تضم عيون السرد العربي العجائبي، وترتقي إلى أعظم وأجمل الأعمال الأساسية التي خلَّدتْها الثقافة الإنسانية وآدابها عبر تاريخها الطويل. لهذا، كان عمله على الكتاب مُضاعفاً: يترجمه، ويتحرّى أكبر درجات المصداقيّة والأمانة في نقله إلى لغة من طبيعة ثقافيّة مُغايرة، عدا أنّه- وهو الأهمّ- يزيح الرُؤْية الاستشراقية التي استثارها سحر الليالي. فهو يُبيّن- مثلما قال أندريه ميكيل في المقدمة- مدى الثراء المذهل للثقافة العربية والإسلامية في مرحلة تاريخية معينة من تنوّعها وقدرتها على استيعاب الثقافات الأخرى والتفاعل معها.
بهذا المعنى، يعتبر مشروع الترجمة لدى ابن الشيخ مشروع تحرير معنى الثقافة العربية المضيء والمختلف، فلم ينفصل مسعاه عن: ردّ فعل على حالة الجمود والفقر الإبداعي التي أخذ يعيشها العرب إلى اليوم، بقدر ما هو ردّ فعل على الأفكار المسبقة التي يحملها الغرب عنهم.

مثقّفًا وشاعرًا

كان جمال الدين بن الشيخ كمثقف عربيّ ومسلم، صادق الانتماء لجذور ثقافته ومهمومًا بحاضرها، ولكم كان مشدودًا بوجدانه إلى ما كان يقع من حوادث ومآسٍ في البلاد العربية، وقد عبّر عنه في كثير من مقالاته التي تُظهره صاحب مواقف وآراء شجاعة ومبادئ أخلاقية وسياسية حازمة من قضايا فلسطين، والصراع العربي الإسرائيلي، ومشكلات التحديث والديمقراطية، والتطرف الديني، والعنصريّة، والاستبداد السياسي وغيرها مما شغل فكره في هذه المقالات التي كتبها عبر مرحلة زمنية تمتدُّ لما يقرب من أربعة عقود، وجمعها في «كتابات سياسيّة» (2001).
وخلف شخصية الأكاديميّ والمثقف التي شغلتها قضايا المعرفة والعصر، شق ابن الشيخ طريقاً أخرى تضيء عبر الكلمات العالم الموازي، السحري والحرّ لذاتٍ قلقة وحالمة تتكلّم سيرتها وتنشدُّ إلى معين أسرارها في تجربة الوجود. ولم يكن الشعر، بالنسبة إليه، سوى «حركة لمقاومة الوجود، وليس تعليقاً على اللحظة، ولا صدىً لما هو عُرْضةٌ للتّلف. إنّه يُنْشئ الديمومة التي تتأبى على التجزيء، فلا يكون ضوضاء بالجملة أو هروباً نحو تجريد. وإنه ينخرط في الحقائق الأكثر سرّيةً»، مثلما يُذكّرُنا في تصدير كتابه «الشُّروخ الخصيبة للْقصيدة» الذي ضمّ عيون آرائه وتصوُّراته عن الشعر وغير الشعر، في الكتابة والحياة. وحتى هذه الساعة، بعد عشر سنوات من رحيله، لا زال جمال الدين بن الشيخ منفيّاً داخل ثقافته العربية التي دافع عنها، وصوته بالكاد يُسمع وسط ضجيج الكورال، فأنّى لفكره النقدي ومجهوده التنويري في نقد الذات والآخر أن يصل إلينا ويبرق في ليل وجودنا.

كاتب مغربي

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية