شباب العرب وخرفهم!

حجم الخط
0

للأمم دورة حياة كسائر الكائنات الحيّة، تشبو وتنتعش في أوقات العافية وتترهّل وتنكمش في حالات الكهولة والمرض. إنّنا لا نجلد الذات عندما نتخيّر للأمّة العربيّة الإسلاميّة العافية والشباب، وننتقد الجهل ونحارب الخَرف وندافع الإنحطاط ونقاومه بالبعد عن الإستعباد والإستئثار والظلاميّة؛ واهيٍ كل من يحتجّ بجلد الذات ويدّعي أنّها من باب التفرقة، إنّما هم المنتفعين من التآكل لهذه الأمّة، دعاة التصبير على الفقر، للحفاظ على غناهم، ودعاة التبشير على الوداعة في الدين، لتأصيل زيغهم وانحرافاتهم، ودعاة الترهيب الزائف من نار جهنّم، للفرح بجهنّم الأرض التي تُدخل الجنّة.إنّ دليل الطريق الذي استأجره الرسول الكريم، صلّى الله عليه وسلّم، في هجرته إلى المدينة لم يكن مسلماً مؤمناً برسالته، يقيس بها المسلمون الجدد استعانتهم بالكفّار في نصرة الدين. صحّت الإستعانة وبطل وخاب النصير في القياس؛ ولعل في هذه العبرة من السيرة الشريفة، تكون الشفاء والبراء من أعظم العلل التي أراد المسلمون الجدد، القياس بها لزيغ أبصار المؤمنون الجدد في أيام الإنحطاط الجديدة على هذه الأمّة المباركة.لم يكن دليل الطريق المبعوث الشخصي لأبو لهب أو من أهمّ مستشاري أبو جهل، أو مفروزاً من لجنة أصدقاء المؤمنون الجدد حينئذ، المضطهدين في مكّة، لم يكن بقيادة الوليد ابن المغيرة أو غيره من الذين لم يألوا فناً من فنون العذاب إلاّ وأذاقوه لهم، بل كان دليل الطريق من عوام الكفّار بعيداً عن صراحة العداء للدين الجديد حينها، البعيد عن مباشرته. ما أعظمها من رحمة من الله أن يجعل صفوة أنبيائه صلّى الله عليه وسلّم أن يستعين بكافر على طريق نصرة هذا الدين العظيم، وما أبلغها من عِبرة في السيرة الشريفة للتمييز بين كافر المعتقد وبين كافر التطبيق، أي بين من ‘لكم دينكم ولي دين’ وبين من ‘وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ورباط الخيل’. وما أبيَنه من درس من دروس المنهج السوي لإظهار ضلالة التوجيه والإرشاد الجديد في أيامنا المعاصرة، وكأنّنا نستأجر أبو لهب دليلاً عل طريق إحياء ما نؤزّ به أزّاً من دين، وأصدق الأدلّة على هذه الضلالة، إصطفاف أدعياء الدين الجديد وأبو لهب والزبانية أجمعين صفّاً واحداً متآخين في الضلالة تحت مسمّى محاربة الإرهاب، وهو ضلع من أضلاع هذا الدين الجديد المعاصر!خاب وخسئوا من يحاولون أن يطبعوا على الدين الإسلامي السَمح والسَهل أفهاماً معقّدة وشائكة، تتشتّت فيها القِبلة ويُحار بالعدو، يوماً هذا ويوماً ذاك، ويهيجوا الناس بهذه الأفهام الباطلة، بعضهم يقاتلوا بعضهم، وجميعهم يبشّرون بزمن الصحوة. ولعلّها صحوة بالفعل، ولكنّها أقرب ما تكون من صحوة البدانة في الجسم على السلامة في العقل، أو صحوة الذهب الأسود على كلّ ما لمع وتلألأ من التراث والمألوف. لقد وسع هذا الدين أعرابيّ الصحراء الخالية وفتح به بلاد السند والهند، ولقد وسع هذا الدين العلماء والمفكرين وألّفوا فيه وصنّفوا وفتحوا به عقولاً وأذهاناً وأفئدة، ولكنّه أبى واستعصى أن يسع بدانة الجشع والتسلّط والتخلّف لهؤلاء الشرذمة من أدعياء التصحيح والتصويب، فأسالوا دم البعثي والعلوي والقبطي والدرزي والسنّي والشيعي بغير وجه حق، فقط لأنّ دمائهم حمراء، وليقدّس ويسود دمهم الأزرق، المربوط بالسماء الزرقاء، على زعمهم، الدم العُلويّ المقدّس.لا عزاء لمن أباحوا قتل أنفسهم مرّتين، واحدة عندما ضُلّلوا، وأخرى عندما استهجنوا الضلالة وأيّدوها. الهوّة كبيرة بين الجوع الذي يُصبر عليه، والتجويع الذي يُنكر من كل سَوي، والفقر الذي هو بقدر الله، والتفقير الذي هو من شِيم اللئام، والتواضع الذي هو أصل الدين، والوداعة التي هي صُنع الخسيس عند الحاجة، والقوّة التي هي العزّة، والإستقواء الذي هو الذل. كلّ الدماء حمراء سائلة وإنّمــــا أكرمــــها على الله أتقاها بالقول والعمل، وأقربها إلى الله أحسنها نيّة وخلقاً ومعاملة، وأحبّها لله أنفعها للناس.طلال محمود شعبان qmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية