«حُرمة» اليمني علي المقري… بين هاجس السحر وشعرية الرواية

حجم الخط
0

صدرت رواية «حُرمة»، للروائي علي المقري، عن دار الساقي 2012. ومن وقتها وهي مثار جدل بسبب موضوعها عن الكبت الجنسي في مجتمع مغلق. سيتناول هذا المقال جانبا آخر في الرواية، وهو موقعها من الحقيقة والخيال والهاجس الشعري، الذي يعتبر ملح الرواية وسكرها. والمقصود بالهاجس الشعري مفهوم معين للجمال «وانفجار لما هو خارق، ولحظة سامية من الحياة، وانفعال مركز ومفاجأة ساحرة»، كما عبر كونديرا. واللغة عنصر أساسي في تحقق شعرية الرواية، لكنها تتحقق أيضاً بالخلق الروائي المشروط عند د. هـ. لورنس، بعدم انحياز الكاتب لميوله الخاصة أو تعديله الميزان: «إما في جانب الحب، الحب الخالص، وإما في جانب الحرية الإباحية». وبسبب نقص شعرية الرواية اعتبرها أندريه بريتون «جنسا أدبيا هابطا … ولا شعرية بامتياز». وهو رأي لا يخلو من صحة في كثير من الروايات.
والحكاية عنصر آخر يشكل شعرية الرواية فـ»كل رواية عظيمة هي حكاية من حكايات الجنيات» بتعبير نابوكوف. فالحكايات السحرية تمنحنا القوة والقدرة على تجاوز قيود واقعنا، «ولذا فإنها بطريقة ما تمنحنا الحرية التي يحرمنا الواقع منها. ففي كل الأعمال الأدبية العظيمة، مهما كان واقعها مريراً، ثمة تمسك بالحياة وتوكيد يقف على الضد من سرعة زوال تلك الحياة، ويمثل تحدياً جوهرياً لها. ويكمن هذا التمسك بالحياة في الأسلوب الذي يتبعه الكاتب في السيطرة على الواقع، عبر إعادة سرده له بطريقته الخاصة، وبهذا يخلق عالماً جديداً مبتكراً».
وتدافع وجهة نظر أخرى عن افتقار الرواية اليمنية للخيال بمعناه السحري والشعري، فترى أن الخيال خليق بأن يمنحنا المتعة الكافية فيسلبنا كل تعاطف مع الضحية، ويلهينا عنها وعن واقعها المؤلم. أوضح مثال على ذلك رائعة نابوكوف «لوليتا». أنصار هذا الرأي يحذرون من خطورة العالم المبتكر الذي يحيلنا إلى ازدواجية في الشخصية وطغيان العالم المبتكر على عالم الواقع. وهذا رأي لا ينظر إلى أن «كمال الشكل وجماليات اللغة يتمردان على قبح ورداءة الموضوع. ولذا نجد أنفسنا نحب مدام بوفاري… ونقرأ رواية لوليتا بنهم، فيما تنفطر قلوبنا على بطلتها المبتذلة الصغيرة اليتيمة التي يملؤها التحدي والشاعرية». بالإمكان التحايل على الواقع والخيال بكتابة رواية واقعية وسحرية في آن. فما نبحث عنه في الأدب ليس هو الواقع ولا هو الخيال تماماً، وإنما هو الاحتفاء بإظهار الحقيقة، كما عبّرت آذر نفيسي التي اعتبرت أن رواية «لوليتا» هي أقرب الأعمال التي تعكس واقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذا ما لم تنجح فيه رواية «حُرمة»، ليس بسبب واقعيتها، وإنما لافتقارها لعناصر الشعرية، وهو ما أدى لعدم تعاطف القارئ مع حرمة ولولا.
تعاطف القارئ مع الشخصيات هو جوهر الرواية، وهذا لا يحدث من دون لغة شعرية وحكاية سحرية وخلق روائي تمتزج فيه أرواح الشخصيات بروح القارئ. أياً كان ذلك القارئ: الذي يلجأ للخيال هروباً من الواقع، أو الذي يبحث عن الحقيقة في الأدب. من يقف مع المجتمع وتقاليده ونظرته الدونية للمرأة، أو الذي يؤيد المساواة ويعتبر «حُرمة» ضحية المجتمع. وقد يُعلل غياب التعاطف بالتلقي السلبي من قبل أغلب الجمهور وتركيزهم على بعض المقاطع الجنسية في الرواية. لكن هذا التلقي يعود بدرجة رئيسية إلى ضعف الشخصيات وغلبة الموضوع على بقية عناصر الرواية، وهو ما أدى إلى اعتبار البعض شخصية «حُرمة» دخيلة على نسيج المجتمع اليمني.
في حوار أجرته صحيفة «عكاظ» مع المقري قال إن «الرواية التي لا تكتب بهاجس شعري هي رواية ميتة». وهاجس «حُرمة»، كما لاحظت الكاتبة التونسية ابتسام القشوري، كان مكرساً للمضمون أكثر منه للشعر. والسبب في ذلك أن المقري «كان مهووساً بإيصال فكرة نقد المجتمع وموقع المرأة فيه»، لذلك جاءت لغة الرواية «بعيدة عن التورية والمجاز فكانت لغة مباشرة توصلك للهدف من دون عناء». وما قالته القشوري يعيدنا إلى ميزان لورنس في الخلق الروائي.
أرى أن كتابة المقري عن الجنس من منظور مباشر يحقق للكاتب رغبتين: إعادة تشكيل الواقع، وإشباع هاجس الكتابة عن موضوع مثير، أي عن ضرورة الكتابة وعن إغوائها في الوقت نفسه. فحياة الكاتب قائمة على محاولة تحقيق أمنيتين: أن يكتب ذلك الكتاب الذي لم يكتبه، وذلك الكتاب الذي سبقه إليه غيره. مثلما ألهمت رواية «منزل العذراوات النائمات» ماركيز فكتب «ذكرى غانياتي الحزينات»، ومثلما تمنى همنغواي «أن يكتب قصة عن كل شيء عرفه وقصة عن كل شيء يعرفه». ربما كانت أمنية المقري أن يكتب رواية موضوعها الجنس الجريء. وهو قد فتح أبواباً جريئة في روايتين سابقتين، «طعم أسود رائحة سوداء» عن طبقة المهمشين السود، و»اليهودي الحالي» عن العلاقة الشائكة بين المسلمين واليهود في اليمن، لكن طغيان الموضوع على شعرية الرواية أفقدها سحرها المطلوب لإعادة تشكيل الواقع.
«ذكرى غانياتي الحزينات» محاولة أصيلة لإغواء الكتابة تجد ما يبررها في الفكرة الخام لرائعة كواباتا وتسمح بكتابتها من عدة أوجه، منها رواية لم تكتب بعد من منظور العذراوات أنفسهن كساردات لا كنائمات. كذلك يمكن إعادة كتابة «لوليتا» من منظور مشاعرها هي لا من جهة مغتصبها هومبرت. ورواية «حُرمة» هي إحدى هذه المحاولات. فكتابة الرواية تجربة فريدة وإن تناولت فكرة مطروقة. ووجود تشابه قد يكون مدعاة للمقارنة، لكن ليس على النقد المقارن أن يهدر العمل كله. ولعل في هذا رداً على النقد الذي وصف رواية ماركيز بأنها «لم تكن أكثر من كتابة «شيخة» لروائي عظيم، كان من الممكن أن لا يكتبها»، لأنها «صدى باهت لصوت أصيل هي رواية الياباني العظيم ياسوناري كواباتا «منزل العذراوات النائمات»، تمنى ماركيز لو أنه كتبها»، فكانت، كما وصفها الناقد نفسه، «خدش في تاريخ ماركيز الإبداعي» لأنها «فكرة لم تكن فكرته، ومعالجة لم تكن معالجته». هناك من يقيم حداً فاصلاً بين الحياة والخيال معللاً أنه «في نقطة ما على الكاتب الاختيار بين الحياة والخيال، فكلاهما قريبان من بعض، لكنهما لا يتلامسان أبداً، لأنهما أمران مختلفان جدا». وقد انحاز المقري للواقع محاولاً توسيع ضيقه بهاجس شعري في فقرات محدودة، واستعان بأبيات من قصيدة «سلو قلبي» ليعبر من جهة عن جدال سردي بين الروح والجسد، ومن جهة أخرى محاولة لشعرنة نص يخلو من الشعرية. وهناك من يحتج بالبيئة والفنون والموسيقى والثقافة ودورها في تشكيل رواية الواقعية السحرية، فالبيئة العربية تعطي الكاتب الواقعية وتحرمه من السحر. وهذا رأي مردود عليه من خلال روايات كثيرة أهمها رواية مهدي حيدر «عالم صدام حسين» وروايات الأفغاني خالد حسيني وأخرى أفريقية وصلت إلى العالمية برمل وأكواخ وحكايات سحرية ولغة شعرية وشخصيات مفعمة بالحياة.
التعبيرات الجنسية في رواية المقري حالت دون وصول شخصيتي حُرمة ولولا لفئة من القراء المتزمتين. الأهم أن الجسر اللغوي الذي عبرت عليه تلك الشخصيات لم يكن مقنعاً لكثير من القراء. فتعاطف القارئ أو رفضه للشخصيات الروائية ليس له علاقة بوجودها في الواقع. فالخلق الروائي الذي يمنح الشخوص روحاً يتقبلها القارئ حتى لو لم تكن موجودة في واقعه. والسرد الروائي، كما عبر سعيد بن كراد نقلاً عن أمبرتو إيكو، «يستطيع تحويل عوالم تخييلية إلى حقائق لا يشكك فيها أحد». وذهب إيكو إلى أن كثيرا من الشخصيات الروائية أصبحت «آلية من آليات تقويم الفعل الواقعي، لقد تحولت إلى نموذج للذم أو نموذج للاقتداء، أو نموذج لتفسير جزء من السلوك الإنساني». لهذا السبب ينظر خُمس أطفال بريطانيا إلى شخصية شرلوك هولمز باعتباره شخصية واقعية «في حين يصنفون تشرشل ضمن شخصيات التخييل».
أخيراً يقول الروائي أشرف الخمايسي أن «الخيال ابن الحرية ولن يكون هناك خيال في كتابة أدب استعبدته الثوابت، ويعجز عن توجيه الأسئلة الإنسانية التي تصطدم بفقه الآباء الدينيين، ويجبن عن اختراق حجاب فضائلي فرض باسم التقاليد. أدب يسالم مجتمعا منفصما يغطي رأسه ويعري مؤخرته». وما يُحمد في أدب المقري أنه لا يسالم ولا تستعبده الثوابت والتقاليد، لكن هاجس اختيار المواضيع المسكوت عنها يطغى على هاجس السحر في رواياته وفي أغلب الروايات اليمنية.

كاتب وناقد يمني

رياض حمَّادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية