تنهمر الأخبار المتعلقة باللاجئين إلى أوروبا على مدار اليوم والساعة، وتعيد وسائل الإعلام الغربية، وخصوصاً الشعبية واليمينية منها، صياغة هذه الأخبار والتعليق عليها بطريقة تسعى بشكل مقصود ومبرمج لشيطنة حركة النزوح الإنسانية الكبرى هذه، قافزة على جذورها العميقة، ومخفية دور أوروبا ونظم السيطرة العالمية بأسباب نشوئها واستمرارها.
تتجاهل هذه الأخبار، السياق التاريخي للنزوح، ولكون العالم الحديث تشكل عبر هجرات واسعة لكافة الشعوب وبينها الأوروبية منها كالإيطاليين والسويديين والإيرلنديين واليونانيين والألمان والبولونيين وغيرهم إلى قارات العالم المكتشفة في أمريكا وأستراليا ونيوزيلندا، وقد تعرض الملايين منهم لأشكال متعددة من الاضطهاد والاستغلال والتنميطات العنصرية ممن سبقهم في استعمار تلك البلدان قبل أن يستقروا في أوطانهم الجديدة ويساهموا في تنوعها وثرائها المادي واللغوي والثقافي والعرقي.
بعض هذه الأخبار يلفت النظر لكونه مليئا بالمفارقات السياسية والثقافية، ومن ذلك ما فعله الرئيس التشيكي ميلوش زيمان الذي انتقد الأربعاء الماضي التماسا لأكثر من 2000 اقتصادي وأكاديمي يمثلون النخبة الفكرية لبلاده حذروا فيه الشعب من زيادة العداء للأجانب وحثوا السياسيين على عدم استخدام كراهية اللاجئين والمهاجرين كأسلوب للصعود السياسي مطالبين بنقاش عقلاني للجدل الدائر حول الهجرة.
يقدم هذا المثال رئيساً لدولة أوروبية يحمل لواء كراهية الأجانب ويطالب باستخدام الجيش لمنع دخولهم إلى البلاد في تكرار مقيت لموقف لا ينفك الساسة الانتهازيون يركبون أعنّته رغم منافاته لقوانينهم وأعرافهم وأخلاقهم، وهو أمر وقع فيه كثيرون غيره، بينهم رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون، الذي وصف المهاجرين الذين يحاولون عبور المانش إلى بريطانيا من فرنسا بكلمة swarm وهي كلمة تستخدم لوصف سرب الدبابير أو حشد الحيوانات المندفعة، الأمر الذي جلب انتقادات من منظمات حقوق الإنسان التي اعتبرت ذلك محاولة لتحقير البشر و»حيونتهم».
حادثة أخرى تلفت النظر حصلت في ألمانيا أمس حين ثارت مجموعة من اللاجئين في مخيم للجوء بعد قيام لاجئ آخر بحرق صفحات من المصحف ورميها في المرحاض مما أدى لمشاجرة سقط فيها 11 لاجئا جرحى وأصيب 6 من عناصر الشرطة.
تشير الحادثة إلى أن ثورة البعض منهم على ما اعتبروه إهانة دينية يقوم على افتراض لديهم بأن الغرب لا يقدم لهم مأوى ويوفر لهم فرص عمل وحياة فحسب، بل إنه يحفظ كراماتهم ويحترم معتقداتهم الدينية، وهي أمور لا تقلّ أهمّية وخطورة في روع اللاجئين عن رغبتهم بالأمان والاستقرار والرخاء المادي، وهو يدل على إيمان بقيم الغرب المفترضة ويتصادى مع تعاطف النخبة التشيكية والكثير من النخب الغربية مع اللاجئين، ويتعاكس، في الوقت نفسه، مع التيارات اليمينية ووسائل الإعلام العنصرية.
ضغوط الغرب على حركة اللجوء تتبدى في مقاولات وابتزازات لدول المصدر والمرور، رأينا أمثلة عليها مؤخرا في تركيا، وفي هنغاريا، ومقدونيا، وفرنسا وغيرها، وتتجلى بالجدران الأمنية والمخيمات العازلة وسوء المعاملة، وصولا إلى استنهاض الحركات العنصرية والاحتجاجات المضادة للأجانب والتحريض عليهم ورفع الأسوار الشاهقة، رغم معرفة الغرب أن كل هذا لا يعالج المشاكل الحقيقية التي تدفع هؤلاء لبيع الغث والثمين والسفر بأي طريقة للهروب من أوطانهم.
تضع حركة النزوح الكبرى هذه الغرب أمام مرآة هائلة يراقب فيها نفسه وإمكانياته على تطبيق الأسس الأخلاقية التي بنى عليها حضارته ومدنيته وغناه الروحي والمادي ولا ينفك يتغنى بها ويبشر بضرورة اعتمادها في كل أنحاء البسيطة.
يعلم الغرب أن نهضته الصناعية الكبرى ومغامرته التي حققت اكتشافات جغرافية وحركة هجرة بشرية لا مثيل لها في التاريخ أدّت إلى إنشاء هذا النظام العالمي الذي يفتخر بحضارته وديمقراطيته ومدنيته، ولكنّها، من جهة أخرى، سحقت شعوباً بأكملها ودمرت حضارات سابقة عليها واخترعت دولا وحدودا جديدة وقسمت أمما وفتحت بابا لا يسدّ من النزاعات الأهلية والصراعات جزء من آثارها هذه النزوحات.
الهجرة البشرية الكبيرة هذه تكشف أن العالم الذي صنعته أوروبا باستعمارها وحروبها العالمية ودفاعها عن آخر قلاع الاستعمار في اسرائيل يعاني من استعصاءات بنيوية عميقة يتحمل الغرب مسؤولية كبرى فيها ولا يمكنه الانفكاك عنها حتى لو أراد ذلك.
رأي القدس