خليل النعيمي بــالانــْكـي( palanque) إلى’بالانْكي’، قرية الـ’مايا’ المختبئة تحت أقدام جبالهم، وبالقرب من أهراماتهم المتناثرة في كثافة الغابات، أصل مساء. وما أنْ أحلّ حتى أصير أتساءل، بسبب لاحَفاوَة المكان: ماذا يغريني بمثل هذه ‘الأصقاع’؟ وكما تعرفون ليس ثمة ‘إجابة شافية’، وإنما أخرى ‘شاغِفَة’. لكن الأمر، أمر التساؤل الغبيّ الذي عَبَر نفسي لبرهة خاطفة، سيغدو سريعاً ثانوياً، وغير لائق بالمقام.بسبب الطَفْرَة العاطفية، منذ أن أضع حقيبتي الصغيرة في الفندق، أخرج إلى الشارع. وبين الأشجار الكثيفة أصير أتنفَّسُ الريح اللطيفة. وبعد أن أسير قليلاً، أجلس في أول مقهى أصادفه. مقهى صغير مختبىء بين الأشجار الهائلة الحجم. وأصير أتخَتَّل. أبعث أنظاري في كل مكان. أبحث عن هنديّ أصيل. ولا أرى سوى ‘الضباع’ من أمثالي. أولئك الذين قطعوا القارات ليتنَسَّموا رائحة هندي من الـ’مايا’، عاش أجداده هنا منذ قرون. أي سحر يجعلنا نعاني كثيراًمن أجل لَمْحَة لا مستقبل لها، ونحن نعرف أننا لن نحظى بها؟ تلك ليست مشكلتي. إنها مشكلة الوجود. وليس عليَّ أن أحلّها. أنا أريد أن أعرف. أن أعرف، حتى ولو كانت المعرفة التي أطلبها وَهْماً. فالمعرفة، في أساسها، ليستْ إلاّ وهماً ‘نحققه’ بقوة جهلنا التي لا ترتدع. كانت غابة عذراء هندية فصارت قرية حديثة، اللعنة! ‘بالانْكيْ’غدتْ محطة أساسية لزيارة آثار هنود الـ’مايا’ المختبئة في قلب الغابة. وأكاد أصرخ : ما هذه المأساة ! وأُهدِّيء نفسي: ‘إهدأْ. الوجود لا يبقى كما هو، وإلاّ تعَفَّن’. ومع أن ذلك ليس مبرراً لتدمير الطبيعة والكائنات (حتى ولو من أجل تغييرهما!)، إلاّ أنه يحدث منذ الأزل. وإذن، هل يمكن لنا أن ننظر إلى الكائنات، والأشياء بعين مُحايدة؟ وما أهمية الحياد في وضع مثل هذا؟يستعينون بالأخشاب والأغصان الطرية من أجل خلق واقع لا يمثِّل أي واقع في الحقيقة. فالفضاء أكبر من أي حدث معماري، ولا يليق به سوى عبقرية الهنود. ولأن هذه العبقرية اندثرتْ، فإن ما أراه يبقى أقلَّ سوءاً من الأسمنت اللعين. وعلى أية حال، لا يمكنني أن أحكم على هذا الفضاء الميتولوجي من أول مساء أراه فيه. وما أرى ليس إلا نفايات المشهد الأسطوري الذي أحلم به منذ سنين. غداً، باكراً، موعدي مع آثار الهنود الآسرة. هكذا، أحسُّها بقلبي، حتى قبل أن أراها.قبل أن أستقِلّ الحافلات العمومية، مثل بقية البشر، أبدأ التَلَمُّسات: جيوبي الأمامية، والخلفية، وقلبي. وعندما أهبط منها، أُعيد الكرة. لأن أي شيء يمكن أن يحدث. وإصلاح الأخطاء، هنا، صعب، إنْ لَمْ يكن مستحيلاً. لكن غواية الوصول إلى خرائب هنود الـ’مايا’، إلى حطامهم، بالأحرى، حطام حضارتهم الجليلة الغابرة، برغم ‘الأخطار’ المحيطة بها،لا يمكن مقاومتها. ونبدأ المسير.بين عنف الغابة، والمشاهدة الطبيعية الصارمة، تَتََلَوّى الطريق. في البعيد جبال مكَوَّرة وحزينة. وسُفوح منعزلة وأفانين. لكأن الطبيعة، هنا، تحكي بألْسنة جبالها. وتُشير إلى العدم بأشجارها الباسقة. وتدلّ على الخفاء بالفضاءات المحبوسة بين القاع والهواء. ندخل غابة، ونخرج من أخرى. تستقبلنا أشجار الهنود العظمى بأبهة زائدة، وكأنها لا تريد أن تعترف بالخسارة : نفس النسغ، ونفس النوء، والتربة هي نفسها، والآثار التي ترعاها لم تترك أماكنها، منذ مئات السنين. ماذا تريد الجبال الهندية أكثر من ذلك؟ هي في أرضها، ونحن عابرون. هذا هو كل شيء! وهو مدهش أكثر ممّا نتصوّر. إنه تعبير صارخ عن اللاتآلف بيننا. وهو ما يملأ نفسي راحة واطمئناناً.من أعالي الجبال العظمى يبدو الكون محتقراً، وضئيلاً إلى درجة أنك تريد أن تدوسه بقدميك. وفي البدء كنت مرعوباً عندما بدأت السير عليه. وأجدني أتوقف في مكاني كالمربوط برَسَن لا مرئيّ : ‘أهرامات في غابة؟ مَنْ كان يتصوّر هذا’؟ وأُدرك، على الفور، أن الهنود لم يكونوا يعبأون بغير عناصر طبيعتهم. وكل ما هو موجود حولهم، يستحق حبّهم وعنايتهم. وأُتابع الصعود. ممرات معتمة وضيقة. ومن واحدة إلى أخرى، يصل المرء إلى النور في الأعالي. فوق ذُرا الأشجار، وعلى قباب الجبال، يتجلّى مشهد آخر: مُشَيَّدات خرافية، وقصور عامرة، لملوك غابرين.إلى ساحاتها كانت تُقاد الأضاحي. وفوقها مصاطبها تسيل دماؤها النقية. ومن هنا كانت الحشود تراقب المشهد الدموي الساحر المليء بالأساطير.آثار ‘المايا’ إنسانية. الأشجار تعلوها، حتى لتكاد تحنو عليها. والأمطار تبلِّلها برقة، وكأنها جزء من الغابة. لا نحس أنها مقتَحِمة، ولا متصنّعة، ولا هي مشهد خالص. إنها محدودة، لكنها شديدة التميُّز. لا تسحق الكائن، وإنما تحميه (وهو شعور غريب ينتاب المشاهد في حضرتها). هي ليست استعلائية، وإنما متماهية مع الكينونة. إنها موجودة لأن عناصر الحياة والكون أفرزاها، بشكل يكاد طبيعياً.وأهراماتهم ضائعة في الغابة. لا تصل العين إليها من بعيد. ولا يراها العابرون. يجب البحث عنها بعناية، للوصول إليها. ومَنْ لا يعرف كيف يبحث لا يصل أبداً. هي نقيض ‘أهرامات الجيزة ‘ في مصر. تلك الصاعدة نحو السماء، بعد أن تسحق الأرض. لكنها، مثلها تماماً تتمتَّع بقد كبير من الروعة والإتقان. وهي، أيضاً، مثل أهرامات الجيزة، و’برج بابل’ أُنشِئَتْ لتُقَرِّب الإنسان من السماء. من الحلم الكوني الذي لا يمكن نسيانه، حتى ونحن نتَخَطّى في أعماق الغابات البعيدة. ولكن، ما معنى أن يكون الشيء بعيداً، وهو خاتِل في القلب؟ أتساءل: كيف كانوا يستدِلّون على معابدهم، ومساكنهم، في مثل هذا الكَمّ من الغابات التي تصل ذُرا أشجارها إلى الغيم؟ من جذوعها، وأوراقها، تظل القطرات تَخُرُّ بلا انقطاع. لكأن أنفاسها هي التي تجلب الماء إلى أرض الهنود. كيف كانوا يصلون إلى أماكنهم الحميمة؟ ويميِّزون بين الأشجار؟ وثمة أشجار من كل نوع وشكل: خُضْر، وحُمْر وكأنها مدهونة بالقرمز، وزرْق تحسبها خضراء من شدة الزرقة، وأخرى غيرها لا استطيع حتى وصفها. أشجار عملاقة، وأخرى قزمة، وبين بين. كل شيء في الغابة الهندية متعدد وعريق.لا شيء يُقلِّد شيئاً آخر. وهو، ربما، ما مَيَّز حضارة الهنود المايا المبنية على الحكمة والتضحية والأنفة والنظام.لا أعود إلى نفسي بعد أن قضيت النهار كله في ‘مملكة بالانْكي’. آثار الملك ‘باكالْ’ الذي حكم المنطقة، وشيَّد فيها الكثير من الآثار المدهشة، تملأ النفس بالمتعة والإضطراب. تجعلنا نقف مذهولين لفترة طويلة، ونحن لا نكاد ندرك شيئاً مما يحيط بنا. وبالخصوص تُغيِّر نظرتنا إلى ما عرفناه، وكنا، إلى الآن، نعتقده شيئاً مهماً ولا مثيل له. حتى أننا نصير نفكِّر أن ‘النسبية ليستْ مسألة رياضية، وإنما هي فكرية، قبل كل شيء’. لا يمكن للكائن أن يبقى كما كان بعد زيارة كهذه.كنت أعرف نظرياً بعض تاريخ هنود الـ’مايا’. لكن ‘النظرية’ شيء، و’الرؤية’ شيء آخر. ثم أن الرؤية تَلِدُ أخرى، باستمرار. هكذا تتَراكَم الرُؤى إلى مالانهاية، حتى أننا نصير، نحن، بعد انْغِماسنا العميق فيها، نرى أنفسنا فيما نرى بالفعل. ونكتشف عندها، ببساطة، أن رؤيتنا لأنفسنا، هي الأخرى، ‘نظرية’ بحتة، ولا حقيقة واقعية لها. وهي، بهذا المعنى، قابلة للنقض، والإلغاء، والتجاوز باستمرار. ولكن، ما هي هذه الـ’بالانْكيْ’، ومعناها المحاطة بالغابات؟ المقصود، كما رأيت، ليست المدينة الاستعمارية البائسة المبنية على الهامش، والتي هي عبارة عن نقطة استقبال وانطلاق للزائرين، وإنما هي الأخرى، المدينة الهندية الأصلية الغارقة فعلاً في محيط ( أقصد بحراً حقيقياً) من الغابات. ‘بالانكي’ الهندية هي أكبر مدينة، من مدن الـ’مايا’ في المكسيك، باقية على قيد الحياة. حَمَتْها الغابات الصُمّاء المحيطة بها. وأنقذَتْها الجبال من عبث ‘الفاتحين’ في القرون الوسطى. وهي اليوم من تراث الإنسانية، بعد أن سجَّلَتْها اليونسكو في عام 1978محضارة هنود الـ’مايا’ نشأت، أولاً، وازدهرت، فوق الهضاب العليا في ‘غواتيمالا’، وفي جنوب المكسيك. ومن بعد امتَدَّتْ إلى منطقة ‘بالانكي’. وهذه احتلَّتْ موقعاً مهماً، وغدت مأثرة حضارية، وبالخصوص بين 300 /600 م، بفضل أهم ملوك المايا:’باكالْ’ الذي عاش قرناً كاملاً. وما يدل على موقعها المميَّز الأهرامات العظمى الباقية على حالها إلى اليوم، والكتابة الهيروغليفية، وتقويم المايا الشهير، أو’المفَكّرة’ المتوارثة جيلاً بعد جيل. وقد خلَفَه ابنه ‘شانْ ـ بَهْلومْ'(أو الفهد ـ الأفعى). وبعد موت هذا الأخير ستتراجع حضارة ‘المايا’ تدريجياً، إلى أن يقضي عليها الغزو الأسباني في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.يوم آخر جميل في ‘بالانكي’ عاصمة سلالة المايا المنقرضة. الصبح فيها رطب ودافيء. الأمطار الناعمة تُرَصِّع أوراق الأشجار بحُبَيْباتها الفضية. صمت عميق يَلفُّ الكون، وكأنما يهيمن على الوجود حزن أبديّ. الفضاء معتم ومنير، وأنا وحدي أتَلَعْثَم متطلعاً حولي مثل طفل غشيم. أريد أن أعود، من جديد، إلى آثار المايا التي لا يُرْتَوى منها. أريد أن أرى الأهرامات الهادئة، مرة أخرى، ومرات. أن أؤمّ المعابد. وأن أرى أمكنة الأضاحي نظيفة وخالية، ولا يلوِّث سكونها، الأزليّ الأدعية الميتولوجية والصياحات. وأصير أمشي متوَفِّزاً مثل حيوان برّي تستولي عليه، فجأة، رغبة الجَوَلان.تحت ظل الشجرة العملاقة الغارقة في الغيم، أجلس طويلاً. تحيط بي الآثار من الجهات، جميعها. العشب أخضر ناصع. والندى يَنَزُّ من الغصون. والهدوء مستتب في مملكة ‘بالانكي’، وكأن الأبد حلَّ منذ قليل. أنظر. ولا أملُّ من النظر. أحياناً، أرى المشهد نفسه عشرات المرات، وأظلّ أتَحَسَّر لأنني لم أرَه من قبل. ولأول مرة، أحسّ أن الموت، حتى الموت المخيف نفسه، محتمل في هذا الفردوس الأرضيّ، وإنْ لم يكن مرغوباً فيه. على جال نُهَيْر ‘ أوتولومْ’ الذي يخترق الآثار من أعلى الغابة إلى أسفلها، أجلس طويلاً. أتملّى تدفُّق النُهَيْر الساحرالقليل العمق. أنصتُ إلى خرير ذرات الماء المتَكَسِّرة على الأحجار. أدُسُّ في السَيْل الأبيض قدميّ، ويديَّ. أغمض عينيَّ. وأنتظر. لكأني أصلّي. والماء لا تكف عن الجريان. لكأنما لديها مهمة صارمة، تريد أن تحققها قبل أن ينتهي الزمن. دَوّامة الجريان، هذه، التي لا تَتوَقَّف منذ آلاف السنين، تأسُرُني. ويبدو لي أن عناصر الطبيعية الأساسية: الماء والتراب والهواء و… هي التي ترتِّب مصائرنا، وتحكم علينا بالفناء. فهي، في النهاية، أكثر خلوداً منا، وعلينا أن نرضخ لضرورة بقائها الأزليّ. أُفكِّر. وأُتابع الجلوس. لم أعد أحب أن أن أترك المكان. أنا هنا في ‘فردوسي’. رطوبة الغابة الحنون تحميني من الشمس، وتغويني، مثلما فعلت، منذ قرون، ولا بد، مع آثار’المايا’ المستسلمة لعنايتها الإلهية. لكن هذا، كله، يشهد على أنْ لا بديل للسفر، في الحياة. إنه الوحيد الذي يجعلنا نتمتَّع بجمال الكون، وسحره. يجعلنا ندرك أن مآثر الشعوب وحضاراتها، كانت مستقرة وزاهية قبل أن ترى أجيال كثيرة مناالنور. والنور، في الحقية، كامن فيها.سأُوَدِّع، سأكون مضطرّاً إلى توديع هذا الفردوس، قريباً، مثلما حصل لي مع أمكنة آسرة أخرى. ولربما كانت ضرورة الوداع هي التي تزيد بهجة اللقاء متعة. أريد أن أمشي. ولا أريد. لماذ عليَّ أن استبدِل أمكنة ساحرة بغيرها؟ لألتقي بأخرى أكثر سحراً؟ ربما! لا تَنْسَ هذا، أبداً. وحتى الأمكنة التي لا تسحرنا تستحق اللقاء. الحياة كرة تَتقاذفها اللقاءات والوداعات. فلماذا تراني أريد أن أشذّ عن قاعدة هذا المصير اللامعقول للوجود؟سانْ كريستوبالْ (s. cristobal de las casas )-الطريق إلى ‘سانْ كريستوبالْ دي لاسْ كاساسْ’ساحر، وأخّاذ. نصعد جبالاً، ونهبط أخرى. وجمال الجبال المكسيكية عميق الأثر في النفس. الإلْتواءات، والإنحناءات، لا تُحصى. وهو ما يجعل المرء يتَمَلّى المشاهد، وكأنه قاعد فيها. رغم قصر المسافة، تبدو الطريق إلى ‘سانْ كريستوبالْ’ طويلة. وأتمنى أن تطول أكثر. لا نهاية لتعَرُّجات القاع، ولشُعْبانها. للطبيعة حضورها الفاتن في هذه الأرض الهندية العريقة. ومفاتن هذا الأرض تُكْتَشَف شيئاً، فشيئاً، مع التوَغُّل فيها، تماماً، كما هي الحال عند الكائن. حتى أنني أصير أهتف بصوت عالٍ: ‘ما هي هذه الروعة’!كنت أتصوّر أن المدن هي المعَبِّر الأفضل عن جمال البلدان. لكن الأسفار هي التي ستكذِّب ذلك. جمال المناطق التي نمر بها، الآن، لا توصف. وبغير السفر، ما كان يمكن لأحد مشاهدتها. كل تفصيل فيها جميل. الأشجار، والصخور، والجبال، والوهاد، وأوراق الموز العريضة اللاطئة في الأسفل. والأعشاب البرية التي تفرش القاع مثل بساط خرافيّ. والطريق التي نقطعها شبراً شبراً. و… لمْ أعد أعرف ماذا أقول. جبال تركب جبالاً. نَرْقى. ثم نرقى. وجبال المكسيك ترقى أكثر. ولكن أين هي السهول؟ آه! صارت السهول حلما. قُرى الهنود المبعثرة في أعالي الجبال توجع القلب. تظهرللرائي كأعشاش طيور خرافية مهجورة. لكأنها خارج التاريخ الحالي للعالم ( وهي كذلك، فعلاً). تبدو متروكة لمصيرها المفجع بعد أن كان أهلها أصحاب البلاد، وملوكها. مرعب هو مصير المغلوبين. القديس ‘برتولومي دي لاسْ كاساسْ’ الذي قضى عمره مدافعاً عن الهنود، لم يكن يريد أن يسكن في البطاح والسهول، مثل بقية قومه. ومدينة ‘سان كريستوبال’ التي أخذت اسمه ‘دو لاس كاساس’، تتربّع فوق قمم الجبال، على علو 2500م فوق سطح البحر. مدينة جميلة، لكن الأجمل منها هو طريق الوصول إليها. طريق تخترق المكسيك من الشمال إلى الجنوب، تحت الغيم مباشرة. ولأول مرة، أحس أن المقولة المألوفة: ‘طريق السفر أجمل ما في السفر’، صادقة فعلاً.مساء الجبال محجف بحق الحياة، ومخيف. ومَنْ لَمْ يَرَ طريقاً كهذه، لا يعرف ما معنى الضغينة الكونية. في قمم الجبال المحلِّقة تحس أن حياتكَ تشبه، إلى حد بعيد، حياة عصفور بائس. القمم البعيدة تبدو خيالات سوداً. تمشي إليكَ بهدوء ولكن بتصميم. لكأنها تريد أن تَدُمَّكَ. ويجثم كابوس الفزع القديم الذي كان يهيِّؤه الغيم الأسود العاصف في براري الجزيرة، على قلبكَ. وتتهيّأ لكي تصرخ. ولكن بمن تستغيث؟ وبأية لغة؟ في مساء السهول (الفسيحة التي كنتَ تعرفها) تظل ترى أمامك فسحة أخيرة قبل أن يطبق الظلام عليكَ. تحس أنه من الممكن لك أن تهرب إذا ارتَجّت الأرض، فتطمئنّ نفسكَ. لكن مساء الجبال، وبخاصة هنا، يطبق الخناق عليك رأساً، فلا تعود ترى أبعد من رأس أنفكَ( هذا إذا كان كبيراً مثل أنفي). متى نصل؟أخيراً، في أعلى القمة التي رَقَيْناها كالسلاحف، أصير أرى الشمس التي غابت، منذ قليل. وأشعر بالراحة، وكأن نورها المتَخافي الذي لا زال يصل إليّ في الأعلى، يطمئنني على مصيري. وأصير أتَشاهَل، أتابع أشعتها الصُفْر الذهبية وهي تنحدر بهدوء وراء كتلة الكون. بعد ست ساعات من السير أنهينا صعود الجبال، وها نحن ذا نبدأ هبوطها. كان الليل قد استقر في السفوح منذ أكثر من ساعة، ولم أعد أرى على الطريق سوى أبْساق الأشجار التي تعلو، فتخترق قليلاً أُفق الظلام.جئتُ إلى ‘سانْ كريستوبالْ’ متردداً. وستسحرني هذ المدينة المتمدِّدة فوق سفوح الجبال. روعتها في بساطتها المعمارية. وفي كونها مسطَّحة إلى حد بعيد. شوارعها مستقيمة كالخيوط المشدودة، وتتقاطع بشكل هندسي منتظم. بيوتها من طابق، أو طابقين، فقط. كلها ملوَّنة، ومزخرفة، وكأنما هي داخلة في مسابقة تَزْيين كونية. تحيط بها جبال عملاقة، تحضنها بنوع من الحنان، وكأنها تريد أن تحميها من سوء محتمل، نحن لا نراه، ولكن الجبال تستشعره بعمق. ليس صدفة أن القس’برتولومي دو كاس لاساس’ اختارها للأقامة فيها. فمن هنا، بالضبط، يمكنه، ربما، الدفاع عن بقايا الهنود المنتشرين في أعالي الجبال حولها. تذكُّرني كثيراً بمدينة ‘ترينيداد’ الرائعة في ‘كوبا’. عشت هنا على عرانيس الذرة المشوية التي افتقدت طعمها منذ أيام الجامعة في دمشق. أبحث عن الشوّائين في الأزقة. وألْتَهم أكثر من عرنوس. وأصير أمشي، وأنا أترنّح من النشوة. أجمل الجُلوسات أجلسها بلا توتّر، في شوارع هذه الكريستوبال، بانتظار باص المساء الذي سيقلُّني، هذه المرة، نحو الشمال، مقترباً، هكذا، من ‘مكسيكو’، متَهَيِّئاً لعودة باتت قريبة. ومنذ أن تبدأ الشمس بالغياب، ينفضّ الناس من الأمكنة التي كانت ممتلئة بهم، منذ قليل. لكأنها أمرتْهم بالعودة إلى بيوتهم. وقبل أن تختفي خلف الجبال، نهائياً، أغيّر مكاني أكثر من مرة، لألتقط بقايا أشعتها التي لا زالت تتناثر فوق الجبال.بعد قليل سأرحل عن مدينتي الساحرة ‘سان كريستوبال’. ولا أدري متى أعود. وأشعر بحزن مفاجيء، وأنا أتساءل : ‘لماذا يحزن الكائن عندما يترك مكاناً يحبه’؟ وأحس أن الجواب يدور في رأسي( ولا أقوله): ‘ليلتقي بمكان آخر سيحبه أكثر، ربما’! وأُتابع: ‘وفي هذه الحال، لمَ كل هذا الاضطراب’؟أوراكا(oaxaca)تُكتَب هكذا، وتُلْفَظ : أوراكا. المدينة الوحيدة التي لم أكتب عنها، قبل أن أنتهي من المشي، والتجوُّل، فيها. ربما، لأنها لم تأسرني، في البداية. وكنت مصاباً بالتخمة من المشاهد الآسرة التي مررت بها، ومَرَّتْ بي. وربما، لأن ‘الغازي الدموي’: ‘هرنان كورتيس’، قائد حملة ‘كريستوف كولومبس’ المسالم، الحالم، رفض أن يقيم فيها، بعد أن منحه إياها التاج الملكي الأسباني( وكأنه يمنحه بضاعة لاأهمية) منحه هذه الحاضرة الخطيرة، وسَمّاه : ‘ماركيز دي أوراكا’، عام 1529. ولَمْ يَرْضَ.سيختار ‘كورتيس’ الإقامة في مدينة :’غِرْنافاكا’. وكعادة هذا الفاتح المتعطِّش للدماء، سيخطيء بحق هذه الجوهرة الهندية الأصيلة، والتي سيعتبرها اليونسكو، عام1987، من تراث الإنسانية. وقد أنجبت رئيسين للجمهورية المكسيكية، أحدهما هندي هو : ‘بينيتو سواريس’.’أوراكا’ مدينة رائعة. أبنيتها منخفضة. وتنتشر الحدائق في أنحاء القسم التاريخي منها. وهي مشهورة بتمرُّدات العمال فيها ضد القمع والتسلّط. إنها خليط من ‘فيراكروز’ على المحيط الأطلسي، في خليج المكسيك، ومن ‘ سان كريستوبال’في أعلى الجبال. لكن التشبيه لا يغني عن الرؤية، مهما كان بليغاً. تحيط بها غابات الصبار العملاقة التي تنتشر إلى ما لا نهاية، في صحراء المكسيك العظمى، التي تحيط بها، متسلِّقة السفوح، والهضاب، والقمم التي تسلقها الشمس. وحده، الصبار الألْفيّ يقاوم سطوة الشمس التي لا تُقاوَم. يقاومها بجذوعه الشوكية الصلبة اليابسة وكأنه يهزأ من’الرطوبة والماء’. فوق هذه الغابات اللامتناهية من الصبّار تحوم الصقور العملاقة بهدوء، باحثة عن فريسة مختبئة من الشمس. وعلى بُعْد عُلْوٍ كبيرمنها نرى ‘الكونْدورْ’ المهيب، يجول بطيران ملكيّ في أعلى الفضاء.لا يتنازل حتى للبحث عن فريسة. هو يعرف، ولا بد، متى يلتقط ما يريد. وهو يربأ بنفسه عن المُزاحَمَة.في ‘أوراكا’ التي رفضها الدموي ‘كورتيس’، ستكون المفاجأة اكتشاف ‘مونتي ألْبانْ’ (monte alban): إحدى أهم الحواضر الهندية. تقع في أعلى هضبة ‘جاغّوارّ’، على ارتفاع 2000م فوق سطح البحر. وهي تهيمن على كل ‘وادي أوراكا’. في البدء، كانت ‘أوراكا’ مركزاً ثقافياً منذ 500 ق.م. وبلغتْ أوجها بين 500/ 350 قبل الميلاد. وقد اعتبرتْ أهم حاضرة للهنود الـ’زابوتيكْ’. ( zapoteque ). كما أنها كانت مركزاً أساسياً لدراسة علم الفلك (استرونومي)، وعلم ‘الفضاء، أو الكوزموس’ (كوزموغوني). وتعتبر مركزاً مقدساً لدى الهنود. وزيارتها نوع من الحج.ساعَدَ ‘أوراكا’ على احتلال مكانتها الفريدة، هذه، في التاريخ القديم للقارة، موقعُها الجغرافيّ الكائن في قلب الأرض الواقعة بين المحيطَيْن الأطلسي والهادىء، أي في ‘الميزو ــ أميريك’، أو’ما بين المحيطَيْن'( كما كانت الحال في الهلال الخصيب، قديماً، أو منطقة ‘ما بين النهرين’ وحضارتها الأولى). ولقد كان للتبادل التجاري، والثقافيّ، والعلمي، النشيط في وادي أوراكا، بسبب وضعه المميز، وعبقرية سكانه، مع الهنود الـ ‘أولْميكْ’ (olmecques)، والـ’تيوتيهواكانْ’ ( teotihuacan )، والمايا ( mayas )، أكبر الأثر في ازدهار حضارة هذا الوادي العظيم. و .. و.. إلى أن جاء الغزاة الجَهَلَة فدمّروا كل شيء! والآن، لنقلب هذه الصفحة من كتاب الكون.مقطع من نص طويل من ‘رحلة إلى المكسيك’.qadqpt