«الدين في حدود مجرد العقل»

تنخرط الساحة الفكرية العربية المعاصرة في حديث جاد حول مفهوم الحداثة في أبعادها العلمية والسياسية والأخلاقية والاستيطيقية، وحول الطرق المؤدية إليها، ذلك أن حضورها بات واقعا لا مفر منه إذا ما أردنا ترميم فضائاتنا المثقوبة، لكن غالبا ما يتم تناسي أحد ركائزها الأساسية، بل وأحد أبعادها الأكثر تجليا وتأثيرا في الأبعاد الأخرى، ألا وهو بعدها الديني، أو ما يصطلح عليه بمفهوم الحداثة الدينية، الذي يمكن أن نعتبره، إن شئتم، الرحم الذي تنبثق منه كل أشكال الحداثات الأخرى.
من هنا تولدت لدينا فكرة تقديم كتاب للقارئ العربي يعد من أهرامات الحداثة الدينية. إنه كتاب إيمانويل كانط رائد فلسفة النقد، تلك الفلسفة التي لم تسلم منها ولا حلقة من حلقات الحياة والفكر الإنسانيين، انطلاقا من أبوابها الأساسية: المعرفة، الأخلاق، السياسة والدين.
والكتاب يحمل عنوان: «الدين في حدود مجرد العقل»، الصادرة ترجمته مؤخرا عن دار جداول للنشر والتوزيع، بيروت، وقد تكلف بنقله للسان العربي الباحث التونسي المقتدر فتحي المسكيني. وقد ظهر هذا الكتاب لأول مرّة باللغة الألمانية سنة 1793، لدى نيكولوفيوس في مدينة كونيكسبورغ الألمانية، وهو كتاب مؤلف من أربعة قطع تتضمن عدة أبواب وكل قطعة تحمل عنوانا على حدة :
*القطعة الأولى: في أن مبدأ الشر ساكن بجوار مبدأ الخير، أو حول الشر الجذري في الطبيعة الإنسانية.
*القطعة الثانية: في صراع مبدأ الشر من أجل السيادة على الإنسان.
*القطعة الثالثة: في انتصار مبدأ الخير على مبدأ الشر وتأسيس ملكوت الله على الأرض.
*القطعة الرابعة: في العبادة الباطلة تحث سيادة مبدأ الخير أو في الدين والكهنوت.
ما الذي يقصده كانط بعنوان كتابه هذا: «الدين في حدود مجرد العقل»؟
لا يدل هذا العنوان سوى على ضرورة تعرية الدين من ملابس العقائد النظامية السائدة، وإظهار مفهومه الجوهري، أي الدين القائم على العقل المحض الذي لا يسمح لأي جهة كانت بتوظيفه أو استثماره لخدمة مصالح معينة. يقول كانط: «إن الأغشية التي تحتها أول الأمر يتشكل الجنين إنسانا، ينبغي أن تنزع حتى يظهر إلى النور. إن الشريط الهادي للتقاليد المقدسة، بملحقاتها ولوحاتها والقيود الرهبانية، الذي قدم خدمات جيدة في زمانه، قد صار شيئا فشيئا بلا جدوى، بل في نهاية الأمر قيدا متى بلغ المرء عمر الشباب».
ينطلق كانط في هذا الكتاب من فكرة جوهرية مفادها أن المعطى الذي يجعل الأخلاق في غير حاجة إلى الدين، هو كونها مؤسسة على مفهوم الإنسان وبالتالي مفهوم العقل، هذا الأخير الذي يجعلها مكتفية بذاتها. إن الإنسان لا يجهل الكيفية التي من خلالها عليه القيام بالفعل. لكنه يجهل لأجل ماذا عليه أن يمارس فعل كهذا، حيث يتملكه نوع من الشعور المستمر بحاجته إلى غاية معينة، تمكنه من إيجاد نوع من الانسجام بين ما يجب عليه أن يفعل وما يمكن أن ينجر عن فعله. وبما أن الأخلاق لا توفر للإنسان سوى الإمكانية الأولى، فإنه يجد نفسه مضطرا إلى البحث عن فكرة توفر له الإمكانية الثانية. أي تلك الفكرة التي تمكنه من إيجاد الغاية من وراء فعله، وهذه غالبا ما يقدمها له الدين. لكن كانط يشترط أن تكون هذه الفكرة قابلة للتبرير من طرف العقل، أي أن تكون غاية حرة غير خاضعة لأي نوع من الإكراه والمصادرة. وفي هذا يقول كانط: «إن الأخلاق إنما تقود على نحو لا بد منه إلى الدين، وعبر ذلك هي تتوسع إلى حد مشرع خلقي… في إرادته تكمن تلك الغاية النهائية (لخلق العالم)».
ومن أجل ذلك فليس الدين هو مصدر الأخلاق كما يتوهم غالبية الناس، بل العكس هو الصحيح، وهذا ما عبر عنه مترجم الكتاب في عبارة رشيقة ودالة: «لا يصبح الإنسان متخلقا لأنه متدين، بل الأمر بعين الضد، إنه لا يصبح متدينا إلا لأنه متخلق، أي قادر على إعطاء قيمة أو غاية نهائية لحريته.» وبالتالي فوجود شيء يقدسه الإنسان معطى ضروري غيابه يفرغ الفعل الإنساني من المعنى، بل يجعله تائها في صحراء شاسعة من دون وجهة. لكن احترامنا لهذا الشيء المقدس يجب أن يكون احتراما حرا خاليا من الإكراه والقهر والمصادرة التي تفرضها عليه الشعائر النظامية المنغلقة، أي ألا يتنافى احترامه مع قوانين العقل المحض. ذلك أن هذا الاحترام نابع من حاجة خلقية في طبيعتها وليس من خوف كسول من المجهول. ومن ثم فإن الدولة لا تحتاج إلى الدين حتى تفرض سلطتها على المواطنين، لأن طاعة السلطة أمر أخلاقي بالدرجة الأولى وتغليفها بلباس ديني لن يضيف إليها أي شيء.
إن المشكل الجوهري الذي يطرحه هذا الكتاب هو: كيف نخرج بالإنسانية من دين الشعائر إلى دين العقل؟ من دين تاريخي خاص بشعب دون آخر إلى دين عقلي كوني يخص كل الشعوب؟
كإجابة عن هذا السؤال يدعونا كانط إلى تأويل الكتب المقدسة تأويلا خلقيا، أي عقلانيا محضا من دون أن يعني ذلك العثور على المعنى الوحيد المقصود من قبله، بل فقط «تعويد النفس البشرية على هذه الإمكانية « إمكانية أن نفهمه على هذا النحو»، لأن الأصل من هذه الكتب المقدسة هو تحسين حياة بني الإنسان وجعلها أفضل حالا مما كانت عليه.
وهذا لا يتم بواسطة تاريخية ما أو ميتاتاريخية، بل بواسطة العقل المحض، لأنه هو الطرف الوحيد الذي بإمكانه تقديم تأويل مناسب للطبيعة البشرية عامة. فالحرية ليست حكرا على الفلاسفة فقط، بل حتى على علماء الدين أنفسهم من أجل تحقيق فهم أفضل للمسائل الدينية، آنذاك يمكن «أن يعولوا على ثقة الجماعة في قراراتهم».
إن أي محاولة للتحرك في دائرة الإيمان المفتوح ليست مروقا عن الدين الحق بقدر ما هي محاولة جادة للاقتراب منه. يقول كانط: «إن إيمان الشعائر هو إيمان السخرة والأجر (إيمان المرتزقة الدليل). ولا يمكن أن ينظر إليه بوصفه إيمانا مخلصا لأنه ليس خلقيا. ذلك أن الإيمان المخلص ينبغي أن يكون إيمانا حرا، مؤسسا على نوايا من القلب خالصة (فهو إيمان الحر)». فالدين لا يحتاج إلى قطيع يمارس الشعائر من دون فهم لمعناها، كما لا يحتاج لقطيع يتملق الإله بغية الحصول على ما عبر عنه الروائي الأنيق برهان شاوي في أحد مقاطع روايته الأخيرة «متاهة إبليس» بتبن الجنة، بل ولا يحتاج إلى أناس يحولون النعيم الأخروي إلى جهاز ابتزاز أخلاقي للفانين على الأرض. وإنما يحتاج إلى أناس أحرار يؤمنون بأنفسهم وبما تمليه عليهم عقولهم. هكذا لن يعود الدين يفرض على أي أحد أن يصير نفسه عبدا «إلا الذي يريد وطالما هو يريد كذلك».
إن الدين الحق لا يحتاج لأي طقوس حتى يضفي المشروعية على نفسه، إنه يحمل الله في قلبه بوصفه فكرة الخير القصوى الممكنة لنا، والمصدر الذي تنهل منه كل القيم الأخلاقية. الإيمان الحر لا يتاجر مع الله ولا يتفاوض معه، بل يؤمن به لذاته. فالعقل وحده الكفيل بإزالة الشعور بالذنب وليس الشعائر. فاختزال الدين في الشعائر أو القشور كما يحلو لاسبينوزا أن يطلق عليها، لا ينم سوى عن جهل بالأصل السياسي لكل ضرب من ضروب الطاعة في مسائل الآخرة، أو بعبارة أيسر إن أداء الشعائر والطقوس ضرب عقدي من إنتاج الدولة، التي ابتغت من ورائه نقل مصدر الديون من الأرض إلى السماء، وبالتالي إبعاد الشبهات عنها.
ما يعاب على كانط في هذا العمل أنه هو نفسه زاغ عن قانون العقل المحض، بل حوله إلى عقل مسيحي مثالي مغلق، وذلك حين أوضح بشكل صريح في ثنايا عرضه لأطروحته هذه أن الدين المسيحي هو الدين الأخلاقي الوحيد، وأن المسيح هو المثل الأعلى لأخلاق العقل المحض، الشيء الذي جعل طرح الأسئلة التالية أمرا مشروعا: هل كانط يدعو إلى حداثة دينية؟ أم إلى مسيحية فلسفية؟ ماذا عما وراء الدين المسيحي؟ ألا يوجد عقل في الدين الإسلامي والدين اليهودي؟ لماذا الدين المسيحي على وجه التحديد؟ أليس بإمكان الأديان الأخرى الانفتاح على العقل المحض؟ هكذا يكون كانط قد ابتعد عن حدود العقل وسقط في النزعة الدغمائية الأصولية المسيحية التي صب جام غضبه عليها في هذا الكتاب.
صحيح أن راهنية المشروع النقدي الكانطي في مرحلتنا المعاصرة بات معطى واقعيا لا يمكن إنكاره، لكن هل ترجمته وحدها كافية؟
قلة هي تلك العقول المسلمة التي تتلقى كانط وأشباه كانط، فالنصوص تأتي معربة لكنها للأسف لا تجد من ينتظرها، لا يكفي أن نترجم كانط وأمثاله، بل ينبغي أن نصنع أفق الانتظار والحاجة التاريخية لمن نترجمه.

باحث مغربي

المهدي مستقيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية