مصر وخريف غضبٍ جديد

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل تفتح وعيي السياسي على حادث المنصة الشهير، وعلى وقع الرصاص بدأت ما يمكن أن أسميها ذاكرتي السياسية، تلك التي تلونت بالعنف شأني شأن الكثيرين من أبناء جيلي في ذلك الوطن المبتلى بالطغاة والقمع والرصاص والدم…مازلت أذكر ضجيج ذلك اليوم وصخبه… الذهول وانعدام التصديق والتوتر والاضطراب.. العيون المسمرة على أجهزة التلفاز والتلهف للأخبار…الخوف مما هو آت والتحليلات والتخمينات…بعد ذلك بفترةٍ ليست بالطويلة صدر كتاب أستاذ هيكل البديع ‘خريف الغضب’ ورأيت عماً لي ناصرياً يقبل عليه فلم يتركه من يده حتى انتهى من قراءته، وجاء دوري فقرأته لأول مرة أثناء دراستي الثانوية…ثم أعدت الكرة عدة مرات بعد ذلك.حين أسأل نفسي الآن، وعلى خلفية الأحداث في مصر عن سر إعجابي الشديد بهذا الكتاب فلعل الإجابة تكمن في أسلوب تحليل وطريقة عرض الأحداث التي أدت في النهاية إلى اغتيال السادات، فأنت ترى عبر صفحاته الغيوم الكثيفة وهي تتجمع في سماء مصر حتى هبت العاصفة…ترى رجلاً، رئيساً مضطرباً، بات يشعر بأن رهاناته جانبها التوفيق ولم يتوفر لها ما يكفي من الدقة، يتصرف بعصبيةٍ وحماقة فيعادي كل الأطراف ويصطدم بالجميع زاجاً برموز التيارات كافةً في السجون فيما باتت حملة اعتقالاتٍ شهيرة في التاريخ الحديث…رجلٌ تصور أنه أذكى من الجميع، والأهم من ذلك ترى كيف تسببت مقدماتٌ بعينها كالاستعصاء السياسي والصراع الاجتماعي والطبقي المتفاقم بفعل سياساتٍ منحازة ضد الفقراء إلى نتيجةٍ منطقية من الصدام تبدو حتميةً الآن بأثرٍ رجعي، وربما تنبأ بها وتوقعها الكثيرون في وقته.أليس في أحداث تلك الشهور العصيبة التي سبقت اغتيال السادات ما يشبه ما تمر به مصر الآن؟ بكل تأكيد…فالمسببات والأخطاء متشابهة، غير أن الواقع الآن أسوأ بمراحل عديدة…بما لا يقاس…من ناحية التشابه، نجد أننا أمام رئيسٍ ومجموعةٍ حاكمة لا تفهم الواقع المتغير حولها…هكذا بكل بساطة.. فهي لم تتوقع حراكاً ثورياً وبالتالي لم تعد نفسها له، وفي مقابل ذلك كانت تعمل على تطعيم جهاز الدولة بعناصرها والمتـــعاطفين معها ومن ثم التسلل ببطء لهيكلها (هشام قنديل أقرب مثالٍ على ذلك)، وإذ فاجأتها ثورة الجماهير الهادرة، استطاعت أن تتقدم لتحصد السلطة كغنيمة معتمدةً على اتساع وإحكام تنظيمها ووجوده الفريد على الساحة مقترناً بضعف سائر التنظيمات وحداثة حضورها، الأمر الذي مثل امتداداً لميراث عهد مبارك من التجريف والترهل والقمع؛ وكالسادات الذي كان يرى أن تسعةً وتسعين بالمائة من أوراق اللعبة السياسية في يد أمريكا فإن الجماعة تراهن على اعتمادها أمريكياً بمــــوافقةٍ إسرائيلية منتهجةً نفس السياسة الاقتصادية التي كانت له وأودت للخراب ومنحازةً لنفس الشريحة الاجتماعية، وأمام المشهد السياسي المتأزم لا تجد عن الصـــدام بديلاً وتتسم كل محاولاتها أو ما تسميه مبادراتها لعبور الأزمة بانعدام الجدية والحرص على الشكليات ذراً للرماد في العيــــون.. تراهم ماضين حتى النهاية في صدامهم بالكل، دون تمييز، وما الخلاف والتباعد بينهم وبين السلفيين، حلفائهم التقلـــيديين الطبيعيين سوى خير دليلٍ على فقـــدانهم أية إدراك للهوة التي ينزلقون فيها جارين معهم بلداً بأكمله، وتماماً كالرئيس القتيل يتصرفون بتعالٍ ونزقٍ مع الجميع مستهينين بهم وبوزنهم في الشارع.غير أن أوجه الخلاف بين الاثنين جوهرية وفارقة من حيث الخلفية والظرف والسياق التاريخي والتكوين الذهني والسياسي، فالسادات لم يكن يحكم بلداً يعيش حالةً ثورية عارمةً وغير مسبوقة في تاريخه الحديث (وربما القديم)، حتى انتفاضة 18 و19 يناير 77 لا تقارن بأي حالٍ من الأحوال من حيث الضخامة والتأثير ب25 يناير، كما أن السادات كان بحكم دوره في ثورة 23 يوليو (بغض النظر عما قد يكون لنا من تحفظاتٍ عليه) وضلوعه في هيكل السلطة وتدرجه فيه ومن ثم معرفته الحميمة وتمرسه في أساليب عمل النظام كان يتصرف بثقة العارف الفاهم لقواعد ومفردات لعبةٍ سياسية أسهم في تشكيلها وإرسائها والمتمكن من أدوات السلطة من جيشٍ إلى شرطةٍ إلى اجهزة أمن متعددة…أهم من هذا وذاك لقد كان السادات يتصرف باعتدادٍ من منطلق إنجازاته المزعومة كقائدٍ منتصر في إدارة أول حربٍ اتُفق على كونها ناجحةً نوعاً ما مع إسرائيل والتمكن من استرداد الأرض، فضلاً عن كونه ليس مما يخفى على أحدٍ أنه كان أكثر ذكاءً ومرونةً (على الاقل في بداياته وقبل النهاية المشؤومة…) بمراحل مما نراه من الرئيس مرسي وجماعته. في المقابل، فإن الأخيرين وصلوا إلى السلطة في خضم حالةٍ ثوريةٍ مشتعلة كسرت حاجز الخوف الذي كان يحول تقليدياً بين الجماهير ومؤسسات الدولة، ناهيك عن حالة التوتر وانعدام الثقة المتبادل وربما العداء المكبوت بين الجماعة الحاكمة وأدوات السلطة والقمع في الدولة العميقة، فهذه دولة مهزوزة مهانة، والبلد الذي يحكمون شديد الإرهاق والترهل بفعل ثلاثين سنةٍ من الإهانة والتجريف والإفقار.. بلدٌ حاز حريته بيده ولم يمنحها، وإزاء متتالية الفشل الإخواني وتقصير النخب المدنية وعدم قدرتها على طرح نفسها بديلاً لأسبابٍ عديدة، فهو آخذٌ في التحلل في غضبٍ إلى فئاتٍ وجماعاتٍ وطوائف على أسسٍ تتنوع ما بين مهني إلى طبقي إلى مناطقي إلى ديني حتى بات العنصر الأبرز على ساحته السياسية وفي شوارعه (عدا الفصائل الإسلامية) هو الشارع المنفلت الذي لم يعد يكترث بما يعدها ترهات السياسيين…لكل ما سبق فالرئيس وجماعته لا يمتلكون أدوات السلطة ولا يثقون في أجهزتها، وقد استعاضوا عن ذلك بأسلوبهم المفضل الذي لم يعرفوا غيره، الانكفاء على تنظيمهم المحكم حتى الأن والاعتماد على كوادره المدربة المنظمة والمطيعة، كما أنهم في لهفتهم وسعارهم وراء سلطةٍ آمنوا بأنهم يستحقونها وأنها قدرهم الذي حرموه طويلاً فقدوا ميزة المرونة النسبية التي مكنتهم من الاستمرار والتعايش طويلاً في ظل مبارك، ولا عجب في ذلك، فالحدث أسرع منهم فضلاً عن عدم امتلاكهم لأدوات التحليل ومفرداته أو الاستعداد لتقديم أية تنازلات حقيقية ذات معنى.يرفض الرئيس مرسي وجماعته التعلم من دروس الماضي القريب الذي كانوا طرفاً فيه، أو لعلهم غير ملتفتين إليه من الأصل في غمرة سباقهم مع الزمن وانهماكهم في مشروع التمكين، فهم يرتكبون نفس الأخطاء التي أودت بالسادات في ظرفٍ متغيرٍ أكثر احتقاناً وتفجراً.إن أي تحليلٍ منطقـــي للأحداث والصدامات والعصيان المدني بشتى تجلياته وتفكك الدولة يؤدي بنا إلى القناعة بحتمية سقوط النظام، بيد أن تضافر العوامل والضغوط والمصالح الداخلية والخارجية وسيولة الوضع الشديد التعقيد يجعل من الصعوبة بمكان التنـــبؤ بتوقيت ذلك أو بمسار الأحداث بدقة.الكل غاضب..في كل مكان… أنا أشك أن الرئيــــس وجمــاعته يفهمون معنى ‘الغضب’، لكن الأكيد أن نذر العاصفة تتجمع، وليس بعيداً أن تكون مصر مقبلة على خريف غضبٍ جديد.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخديرqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية