قديماً كان العرب يلجأون إلى كيِّ مرضاهم إن عجز الطب عن العلاج، ويعكس ذلك قولهم المأثور المعروف: آخر الطب الكيُّ. ولا يزال العرب، رغم تطور الطب، يستخدمون هذه الوصفة البدائية في الكثير من أريافهم باللجوء إلى إحداث حروق في الظهر، مثلاً، لعلاج آلامه المزمنة، أو تعريض بقعة من الجلد في أعلى البطن للنار لتسكين أوجاع المعدة.ثمة الكثير ما يجمع بين كيّ المريض والفتوى السياسية التي تدعو إلى الجهاد لنصرة الدكتاتور، فكلاهما يتم اللجوء إليه عند نفاد الحلول ودنو الأجل، الكي عند اقتراب أجل المريض والفتوى عند إيشاك الدكتاتور على الفناء، ناهيك عن أن الكيَّ يقوم على حرق الجسد الحي مثلما تقوم الفتوى السياسية على حرق البلاد والعباد وإزهاق الأرواح والإيقاع بين الناس وإفتانهم. وعليه فإن فتوى أحمد بدر الدين حسون، مفتي سورية، القاضية بأن الجهاد ضد الثوار في سورية دفاعاً عن النظام هو فرض عين على كل مسلم ما هي إلا دلالة على دنو أجل النظام واقتراب نهايته.وللتوضيح فإن الفرض إذا كان عيناً في الشرع فإن ذلك يعني، بخلاف فرض الكفاية، أنه ملزم لجميع المسلمين وكل حسب قدرته وطاقته، أي أنه يتوجب على جميع أبناء الأمة القيام به، وبناء على هذه الفتوى الميمونة، عليّ الآن أن أترك عملي وعائلتي في الخارج وانخرط في صفوف الشبيحة حاملاً عصا للضرب و سكيناً للذبح و باررودة للقتل بدل سماعتي الطبية ومشرطي الجراحي، وذلك دفاعاً عن النظام، وإلا فإنني في حكم التمرد على شرع الله وفي موقع العاصي له. هذا ما يعنيه فرض العين، أما فرض الكفاية فهو ما يسقط عن الكل إذا قام به البعض، وهو ما كان عليه الأمر قبل صدور فتوى الحسون، حيث كان الشبيحة يقومون بواجبهم الجهادي المقدس في الدفاع عن النظام المجرم عن كل أبناء الأمة وعلى أكمل وجه!يقال ان كل شيء جائز في الحب والحرب، وبما أنه لا مجال للحب في سورية التي تسبح في بحور من الدماء فإن المثل فيها يخص الحرب دون الحب.إلا أن الشاذ هو أن تطبق هذه المقولة في حرب داخلية بين رئيس متسلط مستبد دكتاتور من جهة وشعب أعزل لا حول له ولا قوة إلا إيمانه الراسخ وقلبه الشجاع من جهة أخرى، وليس في حرب بين دولة وأخرى .ألا يكفي النظام ما يقوم به من جرائم تقشعر لها الأبدان بحق شعبه كي يقوم رجال دينه بإصدار فتوى لمؤازرته؟ وألا يكفيه الدعم اللامحدود الآتي من روسيا وإيران والعراق وحزب الله كي يستنجد بفتاوى جهادية من رجال دين منافقين هم عبيده وطوع يديه؟آخر الطب عند العربي هو الكيٌّ وآخر الحكم عنده هو فتوى جهادية ضد غرمائه يطلقها مفتوه، فترقبوا تهاوي نظام دمشق قريبا إن شاء الله.د.آلان كيكاني qmn