كيسنجر ونظرية التحالف الأمريكي الإيراني

حجم الخط
0

قلنا ولأكثر من مرة إن السياسي الأمريكي مازال يجهل أبعاد التفكير السياسي لدول الشرق الأوسط والمزاج الشعبي السائد فيه لدرجة تجعل من بعض تصريحاتهم مثيرة للاستغراب، فقد صرح كيسنجر قبل أيام أن على الولايات المتحدة التحرك باتجاه بناء تحالف أمريكي إيراني والقبول بإيران كدولة نووية، ولا ندري هل أن تصريح كيسنجر هذا هو من باب تخويف بعض الدول العربية ودفعهم للارتماء في الحضن الأمريكي أكثر فأكثر أم هو جهل بواقع المنطقة كما قلنا أو انه تصريح من ثعلب عجوز ينطبق عليه مقولة لكل زمان رجال ودولة؟من المؤكد أن إيران قد أصبحت تشكل هاجسا حقيقيا لأمريكا وتحديا جديا في الكثير من ملفات المنطقة وان الجيوب الإيرانية في المنطقة أصبحت تشكل عوامل مؤثرة في سياسة المنقطة سواء ما يتعلق بحزب الله ولبنان والبعد الإسرائيلي فيه أو ما يتعلق بالعراق وما يمثله من عمق ستراتيجي حقيقي للتوجهات الإيرانية بين الدول العربية والثروة النفطية الهائلة التي يسيل لها لعاب أي دولة. في المقابل فان الظروف التي تمر بها الدول العربية في ما يسمى بثورات الربيع العربي أصبحت تشكل أرقا حقيقيا يجب على أمريكا التفكير فيه في حالة انتقال هذه الثورات إلى الدول العربية المنتجة للنفط (سواء بشكل عفوي أو عن سبق إصرار وترصد) مهددة تدفق النفط الذي يمثل عصب الحياة لأمريكا خصوصا وأنها تعاني من أزمة اقتصادية ستؤثر على مختلف مفاصل الحياة فيها، وبما أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد يتحمل تبعات مالية إضافية فان الإدارة الأمريكية تفضل التفاوض مع إيران لحل المشاكل العالقة بين الطرفين على الدخول في حرب جديدة غير محسومة العواقب.ولكن من جهة أخرى فان هناك ثلاث أسباب تمنع احتمال عقد تحالف أمريكي إيراني.. اثنان منها مرتبطان بالدول العربية وإسرائيل والثالث يتعلق بالداخل الإيراني نفسه وطريقة تفكير النظام السياسي فيه، ولنأتي أولا على العائق الإيراني الداخلي.. فمنذ اندلاع الثورة الإسلامية ولحد الآن تمكن الساسة في إيران من ترسيخ دعائم حكمهم بالاعتماد على رؤيتين متناقضتين نجحوا في استغلالهما لكسب تأييد (أغلبية) الشارع الإيراني وهما الفكر الشيعي الإسلامي وطموح إعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية العتيدة، فمبدأ ولاية الفقيه الذي نظر له الإمام الخميني جعل إيران في موقع قيادة التشيع في العالم رسخه تبنيها لقضايا إسلامية تتعدى حدود إيران كالوقوف بوجه (الاستكبار العالمي) المتمثل بالغرب و(بالشيطان الأكبر) الأمريكي وما تمخض عنه من مواقف معادية لإسرائيل المحتلة لأراضي ومقدسات إسلامية. هذه القضايا قد تبدو للغرب وأمريكا على أنها قضايا سياسية يمكن المساومة عليها شأنها شأن أي قضية أخرى إلا أن أصحاب الأفكار والأيديولوجيات في منطقة الشرق الأوسط ومن ضمنها السياسة في إيران يرونها خارج إطار أي مساومات سياسية، وان أي مناورة حول هذه النقاط ستطيح بثوابت تعتبر من ديموميات الفكر الإسلامي الشيعي في إيران. لهذا السبب فان أي تحالف محتمل بين إيران وأمريكا سيفقد نظام ولاية الفقيه في إيران احد موجبات وجوده في الداخل الإيراني وخارجه عند شيعة العالم وسيمثل ضربة قاصمة لطروحاتها الدينية ابتداء من إسلامية أفكارها ومرورا بولاية الفقيه وخروج المهدي المنتظر ونظرتهم والصراع التاريخي بين الإسلام وبقية الحضارات وانتهاء بموضوع الجهاد الذي تتبناه الحكومة الإيرانية حتى لو من منطلق دعائي، ورغم إدراك إيران لخطورة مواقفها هذه من أمريكا وإسرائيل إلا أنها مضطرة للمضي فيها حفاظا على مسببات وجودها وكينونتها، وان حصل هناك تحالف ما بين الطرفين فسيكون مؤقتا وغير معلن محددة بظروف آنية قد ينتهي في أول اختبار. أما السبب الآخر المتعلق بإسرائيل فالجانب الأمريكي ملزم بحماية هذا الكيان من أي تهديد محتمل له في المنطقة، ووجود إيران الإسلامية وحزب الله الذي هو امتدادها اللبناني على الحدود الشمالية لها يعتبران تهديدا حقيقيا لها، وتحول إيران إلى دولة نووية يعتبر قضية مصيرية لها يستحيل المساومة عليها بالنسبة لإسرائيل لأنها ستجعل الطرف الإسرائيلي هو الطرف الضعيف في المنطقة وستنتفي المصلحة الأمريكية من وجودها كحليف قوي لها في المنطقة، الأمر الذي لا يروق للساسة في إسرائيل وسيحاولون بكل إمكاناتهم عدم حدوث أي تقارب أمريكي إيراني.أما بالنسبة للدول العربية فهي قادرة على استعمال النفط كورقة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية ولكن تأثير هذه الورقة هو مؤقت سيزول فيما إذا تدهورت الأوضاع الداخلية في تلك الدول، ولهذا السبب فإنها تسابق الأحداث لإثارة صراع شيعي سني في المنطقة بغية الهاء شعوبها بها وإلزام الجانب الأمريكي على الوقوف في الصف السني (طالما كانت الظروف في هذه الدول طبيعية) ضد الطرف الإيراني والجماعات المرتبطة بها سواء في العراق أو لبنان، ويمكن أن تكون التوترات التي تشهدها الساحة السورية مع الساحتين العراقية واللبنانية لا تخرج عن هذا المخطط. بدون شك فان أمريكا قد سبق لها التنسيق مع إيران في أكثر من ملف سواء في العراق أو أفغانستان ولا أدل على ذلك من الاتفاق غير المباشر بين الدولتين على اختيار المالكي ليكون حصان طروادة للطرفين في حكومة بغداد كل حسب توجهاته، فالطرفان أدركا طبيعة الدور المسموح له بلعبه في العراق دون التعدي على مصالح الطرف الثاني ووجدا بان خير من يوازن هذه المعادلة هو المالكي الذي وقع اتفاقا امنيا مع أمريكا ضامنا لها مصالح تجارية وعسكرية كبيرة في الساحة العراقية مقابل فتح الباب على مصراعيه لإيران للتحرك في العراق بحرية كاملة دون الاعتراض عليها، وأتصور إن في حالة عدم نشوء صراع سني شيعي في المنطقة وفي ما إذا تدهورت الأوضاع الداخلية للدول العربية المصدرة للنفط فان الجانب الإيراني وبمساندة مباشرة من العراق سوف يكون البديل المناسب لأمريكا، سواء بتشكيل تحالف مباشر بين الأطراف الثلاثة أو بشكل غير مباشر وبوساطة عراقية كحلقة وصل بين الطرفين.انس محمود الشيخ مظهر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية