نظيرة.. فلاحة فلسطينية وأم لدزينة جامعيين وجامعيات

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: عرابة البطوف قرية في الجليل تستحق لقب عاصمة الطب الفلسطينية لأن نسبة الأطباء فيها من الأعلى في العالم، وبعضهم ينتمون لعائلات مكافحة واصلت الليل بالنهار بالجد والكد وبدموع العين لتأمين دراسة المهنة المقدسة. وحسب معطيات موثقة هناك 259 من أبناء عرابة أنهوا دراستهم للطب في جامعات البلاد والعالم منهم 159 يزاولون هذه المهنة اليوم. وبالنظر لعدد سكان عرابة البطوف (24 ألف نسمة) فإن هناك 6.6 أطباء لكل ألف نسمة، في حين تبلغ النسبة العامة في إسرائيل 3.3 طبيب لكل ألف نسمة وبذلك تأتي عرابة في المرتبة الثانية في العالم بعد كوبا التي يحظى كل ألف نسمة فيها بخدمات 6.7 طبيب.
وردا على سؤال «القدس العربي» يشير الصحافي عوض دراوشة ابن عرابة البطوف إلى أن البحث عن المكانة الاجتماعية سبب هام في البحث عن لقب الطب علاوة على اعتبارات اقتصادية بعدما صارت مهنة الطب مصدرا لتأمين معيشة محترمة خاصة لأولئك الذين يتخصصون ويصبحون خبراء في مجالاتهم. دراوشة الذي أحصى الأطباء في بلدته بقائمة مفصلة يشير إلى استمرار  التمييز العنصري في إسرائيل بحق المواطنين الفلسطينيين كسبب للجوء إلى مهنة الطب. ويوضح أن إغلاق أبواب العمل في الكثير من المجالات الهامة في وجه العرب دفعهم إلى الإقبال الواسع على مهنة الطب. من جهته يشير الطبيب توفيق عاصلة من عرابة البطوف إلى أن العمل في المرافق الصحية أكثر راحة للعاملين العرب لتميزها ببيئة ودود أكثر من غيرها. ويؤكد الطبيب توفيق أن الفضل في دراسته وإخوته نزيه ومهدي وهادي الطب ودراسة بقية أشقائه وشقيقاته الثمانية دراسات أكاديمية أخرى كالمحاماة والتربية يعود لوالديه المحبين للعلم رغم قسوة الأوضاع الاقتصادية.

أم الأكاديميين

وبطل هذه الملحمة الواقعية هي والدة توفيق عاصلة، نظيرة عاصلة أم نزيه (72 عاما) ففضلها كبير في كون أبنائها الإثني عشرة من خريجي جامعات ولها شقيقان طبيبان.
على فنجان قهوة داخل حديقة منزلها في عرابة تروي والدة الأطباء نظيرة عاصلة لـ«القدس العربي» أن ابنها البكر نزيه رفض في البداية الاستجابة لطلبها بدراسة الطب بدعوى أنه «عاطفي وحساس» لكنه اقتنع بعد إلحاحها وتبعه بعض أشقائه. 

أكره الغرور

لكن أم نزيه فخور بنجاح كل أبنائها (ثمانية أولاد وأربع بنات) بإنهاء الدراسة الجامعية في المحاماة والتربية. وتستعيد المصاعب وتقول إن زوجها الراحل كان يستأجر مئات الدونمات ويقوم بفلاحتها ويعمل فيها منذ ساعات الفجر كي يؤمن ما يوفر احتياجات الأسرة المحبة للعلم. وتتابع «كان زوجي أبو نزيه مولعا بالعلم والثقافة كوالده وكعمه الذي سبق أن تعلم في الجامعة الأمريكية في بيروت قبل نكبة 1948».
وتبدي أم نزيه شعورا بالسعادة بنجاح أبنائها، وتحرص على الشكر لله أولا، وتقول إن الله وهبهم الذكاء، متمنية لكل أم أن يوفق الله أبناءها للتعلم. وأم نزيه سيدة متواضعة تكره الغرور، لكن إطراءات الناس على أبنائها تسعدها، وعن ذلك تقول «أينما تجولت أسمع ذلك، قالت لي سيدة قبل أيام إنها تدعو لابني نزيه بكل الخير يوميا، لأنه أمّن لها دواء نادرا، كما شكرتني في ذات اليوم سيدة أخرى لشفائها بإذن الله على يد ابني الطبيب هادي».
الأم التي حرمت متابعة تعليمها بعد المرحلة الابتدائية، تتمتع بقسط وافر من الثقافة وتواظب على المطالعة وترى أن الأم هي أساس النجاح لانشغال الأب بتأمين المعيشة. وتتابع بثقة «الإنسان كالغرسة يحتاج لرعاية وسقاية، وهذا ما قمت به والحمد لله. تعلمت حتى الصف السادس وعندها بقيت مع ثلاثة من صديقاتي اللواتي تربطني بهن علاقة صداقة حتى يومنا هذا. عندها اصطحبنا معلم الديانة الإسلامية الشيخ كايد نجار إلى بيوتنا وقال: لم يبق في الصف إلا انتن ولا يمكن بقاؤكن وحدكن بين كل الأولاد الذكور».

المعري والرشيد

ورغم مرور سنين وأيام على ذلك تتابع نظيرة عاصلة حكايتها مع التعليم بحسرة على حرمان سعت بقوة للتعويض عنه. «بقيت غصة في نفسي وصرت اقرأ كلما يتسنى لي الحصول على كتاب من كتب ابنائي». وأجمل ما قرأته ديوان أبي العلاء المعري وآخر كتاب قرأته سسيرة حياة الخليفة هارون الرشيد وهو يعكس شغفها بكتب التاريخ والثقافة العامة والقرآن الكريم بالنسبة لها زاد روحاني يومي.
«تابعت دراسة الكبار من ابنائها في مراحلهم الأولى إلى ان كبروا وتحمل الكبار مسؤولية تعليم الصغار». تقول الأم الحنونة وتستذكر بدايات الحلم فتقول: ذات يوم حين كان اطفالي صغارا، كنا في حيفا، وشاهدت عمال بناء، كانوا يقومون برفع الرمل ويلقون «القفة» من واحد لآخر، وشاهدت كيف نثر الرمل على وجه وعيون احدهم، عندها قلت لزوجي اريد لابنائي ان يكونوا أطباء يعالجون هؤلاء العمال، لا يعملون في أعمال قاسية. فأجاب: أين أنت وأيام تعليم الأولاد، ما زالوا صغارا الآن». وتوضح أنه كان من الصعب عليها اقناع الابن الأكبر الذكي المحب للفيزياء وعلوم الذرة منذ صغره تعلم الطب لكن الوالدة المصممة على الحلم استعانت بشقيقيها الطبيبين حتى أقنعته بتعلم الطب. واليوم يدرس الطب إثنان من أحفادها ولها كنة طبيبة أيضا وهناك صورة توثق الأسرة الجامعية مع أبنائها تعتز بها وتعلقها بصدر البيت كي تكون عبرة لمن يزورها لا للتباهي بها.

مشوار الشقاء

 مع بداية تعلم نزيه وتحقق الحلم ابتدأ المشوار.. مشوار الكد والشقاء لتأمين الاحتياجات. فقد التحق الأشقاء في الجامعة وحصل أن درس ستة منهم في الوقت ذاته مما اقتضى نفقات لا تطاق. وعن هذا تقول بلهجة كلها رضا وسعادة رغم قسوة الأيام: «يا بني كنا نفلح 200 دونم بالضمان في مرج البطوف وفي مرج بيسان وغيرها. وللتدليل على التجربة الحلوة المرّة تقول «اذكر يوما عاد زوجي مع ما قيمته دولاران فقط وقال ان هذا ما بقي معه بعد ان سدد رسوم التعليم لكافة ابنائه، وناولني أياها وقال: تدبري أمرك وأصنعي لنا شيئا. هذا كان حال العائلة في تلك الأيام، إلا انها كانت أيام خير وبركة فكان اليسر مع العسر دائما».
وتروي الأم نظيرة عاصلة قصة تعليم بناتها الأربع وتستذكر أن الأسرة كانت على أبواب بدء تعليم اثنتين من بناتها في القدس ولم يكن من المتبع في الريف الفلسطيني أيامها ان تنام البنت خارج البيت حتى في التعليم. وتذكر أن بناتها كدن يحرمن التعليم كما هي حرمت على الخلفية ذاتها: «وصل الشيخ الجليل كايد عاصلة ادامه الله إلى البيت وهو قريب العائلة أيضا، وسأل زوجي كيف سترسل بناتك للتعليم خارج عرابة والنوم خارج البيت، فاجابه زوجي رحمه الله: والله لو سافرن إلى أمريكا لكنت مطمئنا عليهن كما لو كنّ أمامي، فأنا ربيت وأعلم ماذا ربيت وكلي ثقة انهن سيتعلمن وينجحن ويعدن ظافرات ان شاء الله».

سر ليثا وطر نسرا

لكن الأبناء طبعا شاركوا في تأمين هذا الفتح الجامعي فيقول د. توفيق عاصلة: «كان لا بد لكل واحد من اخوتي ان يمضي سنوات قبل التحاقه بالجامعة بالعمل بالزراعة مع والدي. عندما تخرجت من المدرسة الثانوية كان لي 6 أخوة يدرسون في الجامعات، وكان من الصعب ان التحق بجامعة ما لم ينه أحد اخوتي دراسته، وينهي أخ آخر دراسته الثانوية ليحل مكاني في الزراعة». ويذكر قسوة تلك السنوات لكنها ذكريات جميلة بالنسبة للدكتور توفيق الذي يشير انه يعي وينظر باعجاب وتقدير لتضحية أبيه وأمه كي يتعلم كافة أفراد العائلة.
بل ان التجربة تنطوي على درس في التربية أيضا قوامه الجد والعمل وحب الوطن: «كما تعرف عاشت عرابة البطوف مع الزراعة سنوات وهي تزيدنا فخرا وحبا للأرض والانتماء لهذا البلد ولهذا الشعب. كان لا بد لي العمل في الزراعة أولا وبعدها التحقت بالجامعة وتعلمت الطب وهو مسار اجتازه أبناء العائلة. وضمن الذكريات والدروس ما زال توفيق يذكر عبارة كان يرددها ابيه دائما عند تسليمه تذكرة الطيران لأبنائه وبقيت محفورة وبقيت راسخة في ذهنه ولا يمكن لأحد من اخوته نسيانه:  سر ليثا وطر نسرا وعد ظافرا أو لا تعود»!.
ويضيف «هذه كانت كلماته لدى وداعه كافة أخوتي قبل بدء تعليمهم والحمد لله لم يخذله أحد من أخوتي».
 

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية