تشتغل مجموعة «الخوف في منتصف حقل واسع»، عبر تسع وتسعين قصة قصيرة وقصيرة جداً، على الكثير من تفاصيل اللحظة السورية الراهنة، محاولة تجاوز الحدث المباشر، للبحث في أبعاده النفسية ومنعكساته على أفعال الشخصيات، بعين سردية تهمّها تفاصيل البعد الإنساني لحرب خوّض فيها كثيرون على الجغرافيا السورية.
تتباين قصص المجموعة من حيث عوالمها، وإيقاعها السردي، ارتفاعاً وهبوطاً، كأنها مشهد من مشاهد الحياة يعلو وينخفض، تبعاً لعدد من العناصر والمكونات.
النزق بالمقدَّس
تتساءل الكثير من شخصيات المجموعة، عبر نزق قصصي مردّه إلى أحداث واقعية، عن مقدّسيْن رئيسيّين هما: الزعيم والإله، بصفتهما معادليْن موضوعيين للمقدّس السياسي والديني، أحدهما في الأرض والآخر في السماء.
لا يقدم الكاتب التشكيك بالمقدس بصفته خياراً فكرياً اختارته الشخصيات، سابق للحدث السردي، بل بصفته جزءاً من لعبة الصراع بين مكونات العمل، فلا يمكن أن تمرّ كل تلك الأحداث أمام شخصيات المجموعة، دون أن تترك علاماتها في قناعاتها، فما حدث من موت ودمار وتشريد؛ من الطبيعي أن يقود تلك الشخصيات للتساؤل والتشكيك في كل شيء أمامها، ولعله من غير المألوف «السردي والواقعي» أن تبقى على ما هي عليه من أفكار.
وظهر المقدس السماوي ضمن رحلة الشخصيات في اكتشاف مسارات حياتها، وكذلك تبدى في قصص أخرى جعل القاص عتبة العنوان تدل عليها مثل: «الإله» و«إلهجديد» و«إلهحنون» و«خلود» و«أنا وإله المنتحرين والحياة جميلة».
تصل تلك الأسئلة المرة إلى معظم الشخصيات بمن فيها شخصية «الطفل» الذي يذهب إلى الخياط، يريد أن يفصل له إلهاً جديداً: «لقد مللت من الإله الحالي، إنه لا يستجيب أبداً لأي دعاء أدعوه له».
أما المقدس الأرضي السياسي الشرقي «الزعيم» فيظهر في كل مكان، حتى يصل إلى الكلمات المتقاطعة: «لا شيء يغريني في الجرائد سوى الكلمات المتقاطعة لكن الآن توقفت حائراً في منتصفها، السؤال كان عن معركة خاضها الزعيم ضد الأعداء وانتصر فيها قالوا لنا في المناهج الدراسية وفي التلفاز والراديو خلال كل تلك السنوات أن الزعيم انتصر في كل المعارك التي خاضها ضد الأعداء وأنا هنا مثل كل الناس لا أعرف للزعيم سوى معركة واحدة خاضها ضد الناس أنفسهم وانتصر فيها منذ زمن بعيد لكنها معركة دون اسم».
يدخل الزعيم ألعاب الأطفال، يتدخل في الحب والكره والقتل، تقام له المسابقات، يحرق البلد، تملأ صوره كل الأمكنة، فيعطي بهذا الحضور الشخصيات فسحة للانتقام منه بطرق عدة يبدعون في اجتراحها.
حبٌّ أدركته الحرب
ثمة الكثير من العوائق التي تقف في وجه حبّ، يبدو عصياً على التعبير، كأن القاص يحاكي مقولة هوغو: «قد يكتب الرجل كتاباً عن الحب لكنه لا يستطيع التعبير عنه»، فثمة الكثير من القوى التي تريد منع حدوثه، ويُبقي القاص في هذا النوع من السرد نهاية تلك القصص مفتوحة، كأنه يريد من القارئ أن يحبس أنفاسه، وربما كذلك ليمنحه فرصة إضافية للتوقع، الذي لا ينفك يكسر أفقه، فقصص الحب في المجموعة، يعيشها شباب سوريون، أدركت أجسادهم وأرواحهم الحرب، وغالباً ما تأتي لحظة الحب في الزمن الذي صار فيه الحب مؤجلاً ومهمشاً، حتى تصبح بعض مشاهده مادة إعلامية، كما يبدو في قصة «الفيديو المُسرَّب للقبلة الحلوة»، إذ تدخل الشخصية نفسها في لعبة الإعلام لتنسى حكايتها الأساسية ومصير حبّها: «لم أستطع النوم، كنت سعيداً… البشرية كلها سوف تشاهد قبلتي، وسوف تتصل بي مونيكا بيلوتشي بعد أن تسحرها قبلتي لتعرض عليّ بطولة فيلم معها».
جثث تملأ فضاء السرد
لا يمكن تكريس مجموعة قصصية عن التفاصيل السورية، دون أن يكون الموت جزءاً رئيسياً منها، لكن السؤال الضروري: أي زاوية رؤيا يتحدث فيها الكاتب عن الموت، يمكنه من خلاها مقاربة أكثر الموضوعات إشكالية؟
تعدّ مفردة الموت من المفردات الأكثر شيوعاً في هذه المجموعة، إذ يطرق الكاتب بابه عبر الجثث التي تملأ المكان، حيث يكون حلاً مفضَّلاً في الكثير من القصص، غير أن الحدود تتلاشى بين الموت والحياة، فمن السهولة أن تبقى الجثث تتحرك كأنها لا تموت، تكمل أفعالها، إذ يحوّل الكاتب فعل الموت إلى فعل عادي على المتلقي أن يتآلف معه، بصفته جزءاً من الحياة، يفقد الموت بريقه ليغدو جزءاً من مشهد نعيشـه، لا وقت للغائبين أو الباقين على جعله جنائزياً، فالجثث جزء من حياتنا، وهي تتابع سيرة حياة الشخوص: «عندما عضَّتني هي بلطف من كتفي تأوهت بصمت.. فجأة، أبي الميت دخل عتمة الغرفة مع سرطانه متكئاً على عمود السيروم، ووقف بجانب السرير.
ـ يا مطر لماذا كلما مارسنا الحب أنا وهذه الأنثى الجميلة.. أولئك الموتى من أحبائنا يقتحمون علينا عتمة غرفتنا؟
ـ لأنكما كأي تعيسين تصلحان كـ فيلم بورنو للموتى.»
ظهر الحديث عن الموت في قصص كثيرة، منها ما ورد في عنوانه: «قائمة الوفيات» و»فيلم بورنو للموتى» و»رحلة الانتحار تبدأ بغصن» و «جثة في خزانة» و»مجموعة قصص كتبها الموت» و «انتحار جماعي».
ضمير المتكلم وضمير الغائب
يبدو حضور الضمائر السردية في نصوص هذه المجموعة ملبياً لبعض مقولات نقاد السرد، حيث تقدِّم بعض قصص هذه المجموعة أمثلة تطبيقية على مدى ارتباط القصة القصيرة بضمير المتكلم.
فالقصص التي سردها الكاتب بهذا الضمير، غالباً، ما كانت الأكثر أثراً في المتلقي، وبدا أنه حين يخرج القاص من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب يطغى برود على الحدث، وتنحو اللغة نحو البعد الخبري، وربما يشير هذا إلى خصوصية العلاقة بين الكاتب والقصة القصيرة الذي تحدَّثَ في أكثر من موضع في نصوص هذه المجموعة أنه يعيشها، قبل أن يكتبها، وبناء عليه فإن القصص التي نحت منحى تجريدياً، أو كانت قصص أفكار أكثر من كونها قصص أحداث، أو قالت مقولتها عبر الحوار وليس عبر الفعل السردي، بدت غريبة عن أجواء المجموعة. ويجد المتلقي أمثلة كثيرة على ذلك في الجزء الثاني منها، فقد ذكر الكاتب أن نصوصها كتبت بين عامي 1998 ـ 2015 وسبق أن صدر للكاتب خلال هذه المرحلة مجموعتان قبل تلك المجموعة، فلماذا لم يضمنهما تلك القصص «القديمة»؟.
يكاد يستشعر القارئ في مواضع عدة أن عدداً كبيراً من تلك النصوص لا ينتمي إلى ظلال التجربة الحالية، بل إن تجربته في تجلياتها الأخيرة قد تجاوزتها. لذلك تكررت بعض الأفكار مثل «السينما والحلوى والحب»، أو تناقضت بعض الرموز مثل «الفزاعة»، وكان ثمة الكثير من النصوص التي كانت تحتاج إلى تأن أكثر في المعالجة أو المآل، أو خالطها شيء من عدم وضوح الرؤية، وكذلك تتكرر بعض المآلات فتفقد النصوص دهشتها، نظراً لتكرار طريقة السرد، وبدا كأن الكاتب أراد التخلص من «إرث تجربته القديم» بنشره، وليس بتمزيق بعضه.
تأثيث الشخصية السردية
يحاول القاص في هذه المجموعة رسم ملامح متكررة لعدد من شخصياته القصصية عبر ثيمات تغدو مميزة لها، فهي تقيس الوقت بعدد السجائر المستهلكة وليس بالدقائق، فالطريق بينه وبين الجامعة مثلاً يحتاج إلى عشر سجائر، وهو يمكن أن ينتظر حبيبته مدة تعادل مدة تدخين ثلاث سجائر.
أما الاستجابة لمختلف الحالات النفسية فتقاس بعدد الكؤوس التي تشربها الشخصيات من العَرق أو الفودكا، إذ تجعل الطريق أقرب أو أسهل. ليس الشرب أو التدخين فائضاً عن حاجة السرد، بل جزء أصيل منه: «منذ ساعات وأنا أشعر بملل غير طبيعي، وبعد الكثير من السجائر كتبت قصة قصيرة عن جثة تعيش في خزانة». ويغدو الشرب مدخلاً لمحاولة الخلود: «أنا أستهلك من السجائر والنبيذ ما يكفي قبيلة من الخالدين».
عن عشق اسمه الكتابة القصصية
يحاول القاص في هذه المجموعة أن يوحي لقرائه، أن علاقته بالقصة القصيرة ليست علاقة كاتب بنص أدبي، بل هي مسيرة حياة، فقصصه طريقة للتواصل مع الآخرين، ومنفذاً لاستمرار حياته: «في صباح شتوي كئيب للغاية مات كاتب القصص بعد غيبوبة قصيرة… قطف ابنه الصغير بعض الورود وذهب ليزور قبر والده، هنالك… تناثرت عدة قصص كبلور مكسور وهي تروي بخشوع شديد ماتيسّر لها من سرد عذب». ويظهر هذا في قصص أخرى مثل «قاص» و»مجموعة قصص كتبها الموت» و «لا شيء إلا القصص» و»لعنة القصص» و «تاج الدين الموسى».
يحاول الكاتب في غير موضع من هذه المجموعة تحقيق مقولة فلسفية مفادها: «حتى لو تقدم بك العمر، انظر إلى الحياة بعيني طفل لتستطيع احتمالها». لذلك ينقل الكثير من الأفكار المدهشة بعيني طفل لا يتردّد في الذهاب إلى الاتحاد النسائي لتأكيد أحقيته بامرأةجميلة، أو الرغبة بالخلود في إعلان تجاري يرافق فيه صبية جميلة.
تاج الدين الموسى: «الخوف في منتصف حقل واسع»
منشورات المتوسط، ميلانو، إيطاليا، 2015،
160 صفحة.
أحمد الحسين