في أواخر عهد الشباب، في ستينيات القرن الماضي، تزايد اهتمامي بالشعر العربي المزدهر خارج عراق أزدهر فيه الشعر من شماله إلى جنوبه. ومثل أبناء جيلي من المتأدبين كان الشعر المهرّب من فلسطين، عن طريق ناشرين في بيروت، ودمشق، أكثر ما يجذبنا. سمعنا باسم محمود درويش، وسميح القاسم، «نصف البرتقالة الآخر» كما كان الأثنان يقولان عن بعضهما.
وبقيت أتابع شعر الاثنين، فقابلت محمود أول مرة في مؤتمر شعر في بغداد أواخر السبعينيات، ثم قابلت سميح أول مرة في عمان عام 2003 عندما دعته جامعة البترا (البنات سابقاً) إلى قراءات شعرية. كانت قراءة سميح لشعره مذهلة، ألهبت جمهور قاعة كبرى تغص بالشيب والشبان.
وفي أحاديثنا الجانبية هالني ما رأيت من هذا الشاعر الكبير ـ المتواضع، المتسامح، حتى مع الشاب الأهوج الذي صدمه بسيارة كان يقودها عكس الاتجاه، فجاء سميح يتوكأ على عصا، وهو يبتسم، قائلاً: هذه عصا موسى، أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها…
ثم حملتني الرياح إلى دبي، لأقيم فيها ثماني سنوات، أتواصل مع سميح عن طريق إيميل وسيط، لصديق فلسطيني مشترك، قانوني أديب، يوصل رسائلي إليه ويعود إلي بالجواب، وسميح يكره الإيميل والكمبيوتر والمايكروويف، ويكره الطعام المايكروويفي. لم أستطع محادثة سميح على الهاتف إلا من عمان أثناء العطلة الصيفية، ثم تلاقينا في عدد من المؤتمرات، وبدأت فكرة تقديم شعره بالانكليزية ليطّلع العالم أن في فلسطين شعر نفيس، دونه الكثير الكثير مما ينشر من شعر من شرق أوروبا، من لغات لا تستهوي الكثيرين من العالم «المتحضر»، ولكنها سياسة ملوثة بحكايات «الهولوكوست»، وعندنا «هولوكوست» عربي لا يعني كثيرين من أصحاب الذمم في الغرب المتحضر، وفي بعض بلاد العرب… السائبة. سألت سميح، في أواخر عام 2012 إن كان يسمح لي بترجمة مختارات من شعره إلى الانكليزية، لتشكل كتاباً يحوي أكثر عدداً وتنوعاً من بعض ما تُرجم من شعره إلى أكثر من 12 لغة، حتى إلى العبرية. وافق سميح بكرمه المعهود وتواضعه الذي أغدق عليّ من الصفات ما لا أستحق. وعندما بدأت «التمتع بالتقاعد» حسب العبارة القانونية في العراق، والإقامة في منطقة هادئة من ريف كمبردج، صار ميسوراً لي الحديث مع سميح بالهاتف، والمناقشة حول مخــتـــاراتي من شــعره، ولديّ منه مجموعات غير قليلة، لكنه أرسل إليّ المزيد، مما زاد من حيرتي:
ماذا أختار من أكثر من سبعين مجموعة نشرت من «مواكب الشمس» عام 1958، حتى آخر «كولاج» كانوا يحتفون بصدوره وبالشاعر في بلدته «الرامة» في مثل هذا الشهر، آب/اغسطس 2014؟ لكن الشاعر كان يقاوم المرض الخبيث منذ أكثر من سنتين، وأنا الحّ عليه أن يترك التدخين، وهو لا يستجيب. ومن موقع الأحتفال بالكتاب، يوم 18 من ذلك الشهر، غلبه المرض، فأسرعوا به إلى مستشفى صَفَد وفارقنا يوم 19، إلى العالم الآخر، ليلتحق بنصف البرتقالة الآخر، محمود، الذي سبقه ببضع سنوات.
القسم الأكبر من مجموعات سميح الشعرية، والنثرية، والترجمات، قد نشر في فلسطين: القدس، الناصرة، حيفا، عكا، رام الله. وبعضها نشر في بيروت، لندن، البحرين. وفي عام 1992 نشرت دار الجيل في بيروت «الأعمال الناجزة» بسبعة مجلدات، وفي السنة اللاحقة 1993 نشرت «دار سعاد الصباح» في القاهرة طبعة ثانية من «الأعمال الناجزة».
وأنتشار شعر سميح بين الناس لا يمكن تحديد مداه الا عند حضور إحدى القراءات الشعرية التي يتألق فيها الشاعر. وثمة ظـــاهـــرة عجــيبة لا أعرف مثيلاً لها فـــي ما أعرف من شؤون الشعر والشعراء، العرب وغير العرب.
شعر سميح يشبه شعر محمود جِرساً وإيقاعاً بشكل عجيب، حتى أن بعض محبي الشعر لا يفرقون أحيانا إن كانت قصيدة بعينها تعود إلى هذا النصف من البرتقالة أو للنصف الآخر. لقد حدث هذا أمامي مرة إذ سُئل سميح عن «قصيدة الانتفاضة»: تقدموا، تقدموا! / كل سماء فوقكم جهنمُ/ وكلُ أرض تحتكم جهنمُ/أهي له أو لمحمود؟ فأجاب بابتسامته المشرقة، بين سيجارة وسيجارة: «إنها لكلينا»… لا أعرف حالة تشبه هذه، وهي ظاهرة تستدعي دراسة… خاصة.
أغلب شعر سميح من نمط التفعيلة، وبعضه من نمط الشطرين التراثي، وقليل منه من الشعر الحر بمعناه الدقيق، الذي يخلو من الوزن والقافية، ولكنه في جميع الأحوال مُترع بالصور الدقيقة وبشحنة درامية، ربما كانت على أوضحها في قصيدته الطويلة «كلمة الفقيد في مهرجان تقديمه». لاحظ «مهرجان» الفارسية هذه، التي يروى أنها دخلت العربية الدارجة يوم مر الحسن بن علي (عليه السلام) بقوم وهم في هرج ومرج. فقال: ما بال القوم؟ قالوا إنهم جماعة من الفرس في فرح ورقص يقال له المهرجان. فأعجب الحسن بذلك وقال: مَهرِجونا إذن! والفقيد في القصيدة هو الفلسطيني الميت/الحي، يعود إلى الحياة ليلقي كلمة في مهرجان يقيمه الأحياء/الموتى، من العرب العاربة والمستعربة والبائدة… يحضرون الزهور الاصطناعية… ويهرجون بخطب جوفاء… تذكر الإنسان بعد موته وحسب، وسرعان ما تنساه. المفارقة الساخرة في هذه القصيدة لا أعرف لها مثيلاً. وقد نحتَ الشاعر هنا صفة «سَربية» قصيدة مثل «سرب الطيور» حيث تبرز منها صورة أو فكرة من بيت أو أبيات كما يبرز طائر عن مسار سربه ولا يلبث أن يعود إليه ليستأنف الطيران مع بقية الطيور، كما تعود الفكرة أو البيت الشعر إلى سياق القصيدة جميعاً.
لا يكفي أن أكون معجباً بهذا الشعر، بل من واجبي، وأنا العربي الذي درس الشعر الانكليزي والأوروبي، أن أنقل هذا الشعر إلى لغة الآخرين، ليكفوا عن مباهاتنا بما عندهم، عندما يرون بعض ما عندنا. وقد يسّر لي «التمتع بالتقاعد» أن أعمل جاهداً على الانتقاء من غزارة هذا الشعر وأعمل جاهداً على نقله إلى لغة انكليزية يستسيغها أصحاب اللغة. فتوصلتُ إلى أكثر من 300 صفحة مترجمة، مع مقدمات وهوامش. وبدأ الجهاد الأكبر بعد الجهاد الأصغر: أين أجد الناشر غير «الناشل» في بلاد الناطقين بالانكليزية؟ بدأتُ الطواف بين دور النشر التي لا تطالب بفلوس لا أملكها. وهداني زميل إلى جامعة أركنساس الأمريكية. وكنتُ وَجِلاً متردداً. كيف أقنع أناس من دمروا بلادنا العربية، لينشروا شعراً عربيا فلسطينياً؟ وجاءت المفاجأة.. لم تكتفِ الجامعة بقبول النشر، بل أعطت الكتاب جائزة نقدية،لا بأس بها، ونشرته لها جامعة سيراكيوز في نيويورك، وصدر الكتاب بحُلّة «قشيبة» بعنوان استوحيتُه من إحدى قصائد سميح، لحنها الرئيس «بلادي مرايا» ترى فيها صورة كل شيء من جبال وحقول وبشر من كل جنس وأمة/ فما يُفهم الحدّاث الا التراجمُ… لكنني أرى كل وجه سوايا فجعلتها All Faces but Mine
يُطرح الكتاب في الأسواق في الشهر المقبل، وكم كنتُ أتمنى لو صدر في حياة الشاعر، أو قبل رحيله بيومين، عندما أخبروني بفــوز الكتاب بالجائزة… إذن لحمل سميح نسخة منه إلى حيث ينتظره محمود، نصفه الآخر، واحسرتاه.
عبد الواحد لؤلؤة