تونس ـ «القدس العربي»: كعادته كل عام يستقطب مهرجان الزهراء الدولي في تونس الآلاف من المتفرجين نظرا لجودة العروض التي يقدمها. وقد اختار القائمون ان تكون الدورة 38 تكريما لشهداء الوطن من أمنيين وعسكريين فأطلق عليها اسم دورة «سقراط الشارني عربون وفاء لدماء الشهداء». فالحرب على الإرهاب هي ثقافية وفنية أيضا.
انطلقت العروض يوم 21 تموز/يوليو بسهرة تكريم للفنانة التونسية علية في الذكرى الخامسة والعشرين لرحيلها تحت اسم «بني وطني» بمشاركة فنانتين تونسيتين (لمياء العنابي ورحاب الصغير) وكانت أيضا سهرة تكريم لشهداء الجيش الوطني.
بين العروض الموسيقية والمسرحية، الفكاهية والتراجيدية، الشبابية والطفولية والملتزمة، تنوعت الوان السهرات التي قدمها المهرجان لتواكب كل الأذواق. واللافت ان مدينة الزهراء التي احتضنت أولى قوافل المهجرين الفلسطينيين القادمين من لبنان سنة 1982 ظلت وفية للقضية الفلسطينية واختارت ان يكون اختتام مهرجانها بسهرة فلسطينية تحت عنوان «أخي».
يشار إلى ان مهرجان الزهراء انطلق منذ 38 سنة ويقول مدير المهرجان الحالي نوفل بن عيسى، انه في البدء كان يحظى بمساندة الأنظمة الحاكمة التي كانت قبل «ثورة الكرامة» توظّف الثقافة الوطنية لخدمة النظام السياسي وتلميع صورته وبالتالي كانت إدارات المهرجانات تسند إلى خدم تلك الأنظمة. لكن انتفع المهرجان لمدّة سنوات خلت بتسهيلات وبرمج العديد من العروض التي كان يأتي بها مهرحان قرطاج الدّولي وعلى حسابه وهو ما جعل للمهرجان بريقا. ولكن بعد الثورة «هوى الصرح الّذي شيّد من خيال» وزادت الثّقافة فوضى وتهميشا وتتالى على تسييرها وزراء لا حول ولا قوة ولا كفاءة لهم في التسيير ولا في التغيير ولا في الإصلاح و»بقي الفاعل فاعلا والمفعول به مفعولا به» وانكشف المستور وبانت حقيقة الأمور ومنها ما يتعلّق بمهرجان الزّهراء «الدّولي» وانتهى به الأمر بعد اربع سنوات من اندلاع الثّورة إلى عجز مالي كاد ان يقضي عليه وعندها تحرّك بعض الوطنيين المؤمنين بأهمّيّة العمل الثقافي خاصّة وان الوطن على غرار سائر الدول العربية يشكو عجزا ثقافيا وحضاريا سيأتي على الأخضر واليابس وما «سرطان الإرهاب والترهيب» إلاّ أحد تبعاته للنهوض بالمهرجان وارجاعه إلى السياق الصحيح. فمدينة كالزهراء لا يمكن ان تستغني عن مهرجانها خاصة وانها تعاني الموت الثقافي على مدار السنة!.
عروض عالمية
للطفولة نصيب في مهرجان الزهراء من خلال عرض مسرحية علي بابا كما تميزت بعض العروض بالتحليق بعيدا إلى عوالم ومدن أخرى فكانت سهرات للفن الروسي والتركي في إطار الانفتاح على المسرح الغنائي العالمي. وتعتبر هذه السهرات احدى أهم الطرق للتنفيس عن المواطن التونسي، الذي أثقلت كاهله الأوضاع السياسية والأمنية في المسار الإنتقالي الصعب.
27 راقصا وراقصة من روسيا قدموا مختارات من الرقص التقليدي الروسي في عرض «الباليه» تحت اسم «زخارف روسية» لينقل الحاضرين إلى عوالم أخرى على ايقاعات وأنغام روسية تحاكي الروح وتعيد الحياة إلى المكان.
«تعرية الواقع التونسي»
سعى عرض «حوصة» من إخراج عماد جمعة إلى نقل الواقع التونسي بكل تجلياته وصعوباته من خلال 22 راقصا وراقصة قدموا باجسادهم عرضا أتحف الجمهور بحركات خفيفة يكشف الراقصون الفوضى التي تملأ المكان. فالحوصة في التعبير التونسي العامي هي الفوضى. واختار القائمون على العرض ان ينقل حقيقة الفوضى التي أصابت تونس خلال الأعوام الأخيرة. فكانت المحطة الأخيرة في المشهد هي حقائب السفر التي باتت الملجأ الوحيد لشباب تونس مع انتشار الفوضى وضبابية المسار.
باقة منوعة
يقول نوفل بن عيسى مدير المهرجان والاستاذ المحاضر في المعهد العالي للموسيقى ان كل العروض التي تم اختيارها لبعدها الثقافي والتثقيفي مهمّة سواء كانت مسرحية أو موسيقية أو سينمائية أو راقصة. فعملية البرمجة كانت جادّة لأبعد الحدود والدّليل دسامة العروض وأهميتها وقيمتها الإبداعيّة على غرار «بلاتو» (Plateau) للمسرح الوطني و«النّملة الحرّة» (free namoul) و «قنّاصة» ليوسف السيداوي واحياء الذكرى 40 لوفاة السيدة أم كلثوم وعرض موشّح الموسيقي و»أسرار» للمطربة والملحنة والباحثة المتألّقة روضة عبد الله وعرض المطرب العربي الممتاز والمتميز لطفي بوشناق والعرض الموسيقي التقليدي التركي وفيلمي «الحي يروح» و«باب الفلة» وبالي «حوسة» للكوريغراف عماد جمعة. ولكنّ هذا التوجه لم يقص العروض التنشيطية والترفيهية على غرار السيرك» و»ألوان مان شو» ( one man show) والموسيقى «الشبابية». ويشير بن عيسى انه أراد من خلال برمجة الدورة الحالية لمهرجان الزّهراء الدّولي أن يوفق في المعادلة بين الترفيه والتثقيف .
تحية لفلسطين
اختار القائمون على المهرجان ان يكون حفل الاختتام بسهرة فلسطينية خاصة. في هذا السياق أوضح بن عيسى ان السهرة الفلسطينية ستكون تتويجا للمهرجان بجعلها سهرة الأختتام وهذا اختيار مقصود ـ بحسب بن عيسى ـ إذ انّ مدينة الزّهراء كانت تحمل اسم القدّيس saint germain في عهد استعمار فرنسا للبلاد التونسية وبعد الاستقلال تغيّر اسمها وصارت الزهراء نسبة للمجاهد الوطني التونسي الأزهر الشّرايطي رحمه الله والذي اعدم في عهد الاستقلال اثر «فتنة الحكم» التي عاشتها بلادنا في السنوات الأولى من الاستقلال واليوم عادت «الفتن على الحكم والتحكّم في البلاد» وصارت قوّاتنا المسلّحة تقتل غدرا على أرض الوطن وبأبشع الطّرق والحيل فكان لا بدّ من النّداء إلى الوحدة الوطنية لحماية البلاد والعباد. ويضيف قائلا :»فاجتهدنا من موقعنا وقرّرنا ان نقوم بحملة جمع تبرعات لفائدة الفقراء من عائلات شهداء قواتنا المسلحة على ان توزع العائدات لمستحقيها في سهرة الاختتام وباشراف السيدة طاوس الشّرايطي حرم الشهيد الأزهر الشرايطي وان تكون السهرة فلسطينية رسالة «إلى من يهمّه الأمر» انه من عزم على الجهاد فليتّجه إلى فلسطين وألاّ يخرّب بلادنا ويرهب أبناءنا وما الفتن التي تزرع اليوم في أوطاننا ما هي إلا لصالح استيطان الكيان الصهيوني في بقاعنا المقدّسة وفلسطين».
خريطة طريق ثقافية
أما عن ابرز الصعوبات التي تواجه المهرجان يوضح :»ان الصعوبات التي تكبلنا اللآن مادية بالأساس ومن مسبباتها لا مبالاة وزارة الثّقافة بشأن مدينة الزّهراء الثّقافي عموما وبمهرجانها خاصة وانها على بينة بالظّروف التي أرهقت المهرجان في السنة الفارطة وتبعاتها وقد طلبنا بشتى الوسائل من الوزارة ان تقوم بدورها ولكننا لن نتسول.
أما عن المشهد الثقافي في تونس بشكل عام فقال :»ان المشهد فوضوي لا غير والمهرجانات باستثناء قلة قليلة منها ليس لها توجهات فلسفية ولا رؤية استشرافية ولا استمرارية في التسيير ولا الامكانات المادية والبشرية والموضوعية كالحرفية للقيام بدورها ولأن تكون مهرجانات ثقافية بحقّ وهذه من تبعات السياسات إلاّ ثقافية للأنظمة البائدة ولعدم كفاءة من تلاها وبخاصة فترة حكم الترويكا إذ انها لم توفق حتى في بلورة «خريطة طريق» للنهوض بالشأن الثّقافي في البلاد وترشيده واصلاحه ولكم في أداء الوزير المهدي مبروك دليلا قاطعا على ذلك.
تحدي الإرهاب
وهل اثرت الأحداث الإرهابية الأخيرة على برمجة وسير هذه المهرجان ومهرجان الزهرة أيضا؟ عن هذا السؤال يجيب استاذ الموسيقى في الجامعة التونسية ان تلك الأحداث الأليمة لم تؤثر على سير المهرجانات قائلا:.»نحن العرب قد اعتدنا على الإرهاب والتّرهيب. ففي تونس مثلا عشنا الأنظمة البوليسيّة وهي إرهابيّة وعشنا إرهاب الإرهابيين كذلك وكلّما حكمنا حاكم الاّ وتسلّط وأرهب وقمع وقتل وشتّتت…وهذا شأن العرب وسائر الدّول المتخلّفة ومع هذا تمرّ الصّدمة وترجع الحياة إلى عادتهاالأليمة».
وأضاف:»إذا اهتدينا إلى السبيل إلى تأهيل البلاد ثقافيا وعلميا وحضاريا فستزول الغمّة ولكن لا بدّ ان تبدأ الدولة بإعطاء المثل وذلك بتعيين نظيفي الذاكرة والذّمم والأيادي والأكفاء من أبناء الوطن في المهامّ الحيويّة واعتبار الثّقافة مشروعا تنمويّا فعلا لا شعارا وإيلائها الأولويّة من حيث الاصلاح والتمويل في المدن والأحياء والتكوين والتعليم. عندها يمكن الحديث عن التّحدّيات فهي عديدة والإرهاب قد لا يكون الأكثر خطرا على مستقبل البلاد».