أثمان مريعة لأحوال نكران الذات

حجم الخط
2

هل لم يعد للعرب أمة. أين هي حقاً هذه الأمة. هنالك على الأقل عشرون دولة تضيف في إعلامها صفة العربية ملحقة بتسميتها القطرية.
هذه الدول هي أقطار متفاصلة عن بعضها جغرافياً وتشريعياً لكن أياً منها لا تدعي أنها هي الأمة العربية. ومع ذلك فقد نشأت وتربت أجيال عديدة متتابعة في هذه الأقطار على اعتبار أنها عربية، أو على الأقل لها أصل وسبب في الانتماء العربي. هذا الانتماء العربي كان دائماً أشبه بحقيقة بديهية، مُسلّم بها لدى الأكثرية. مع الإشارة إلى أن هناك بعض أقطار، لم تكن أحادية الانتماء، ولم تكن دائماً معترفاً بها لدى قطاعات في دولة أو أكثر، لكن هوية الاسم هذه كانت ولاتزال شبه معممة بين سكان قطاع جغرافي كبير وواسع من الخريطة الأرضية، ويتمتع تاريخياً بخصائص كان لها تأثيرها المتمادي في التجربة الحضارية للإنسانية.
صحيح أنه لم يكن يُعترف بوجود أمة للعرب إلا عندما يقترن حضورها بأحداث سياسية أو كيانية غير عادية. فلقد اختفت هويتها الشخصية طيلة قرون، لم يكن للعرب خلالها أي أدوار في المجال الدولي، وكانوا محرومين حتى من استقلالهم الوطني. لم تصبح الهوية قضية مركزية إلا مع تباشير عصر النهضة الأول، ولم تدخل الصراع السياسي إلا مع التهديد بحتمية زوالها إزاء اجتياح الهوية الطورانية (التركية) الصاعدة منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر. وقد أفادت هذه الموجة الثقافوية من واقع الاحتلال العسكري المباشر التركي لمعظم البلاد العربية، بحيث تحركت بعض النخب المتعلمة في ابتعاث نماذج من التراث كأساس لإعادة إحياء الحضور المعنوي للأمة، تعويضاً عن إخفاقها سياسياً. فالنهضة والعروبة كانتا معاً تشكلان فرسيْ الرهان من أجل إعادة انبناء كينونة إنسانية يمكن تسميتها أمة؛ ها هنا حاول النهضويون الأوائل أن ينظروا إلى شطريْ هذه المعادلة: النهضة/ العروبة، كحقيقة إنسانية تاريخية واحدة ومتماسكة بين ضلعيها، بحيث لا يمكن تصور أو فهم إحداهما إلا بالتآخذ البنيوي بينهما. وقد يصحّ هذا التوصيف بصورة خاصة في فهم وتأويل كلية التجربة الوجودية للثقافة العربية، إذ أن ارتباط الهوية (العروبة) بالنهضة يجعلها تتجاوز خاصية التعيين الوصفي. ويفتحها على بعد التكوين. فلو استقرأنا ما يفهمه الحس العام من لفظ العروبة، لتبيّن أن مجرد التصريح لفرد بقوله: أنا عربي، لا يقصد به أنه مجرد تصنيف آني، ليس هو محض انتماء لجنس بشري. فالكلمة (العربي) مشحونة بدلالات ورموز لا حدود لها، وقد تبرز منها أحياناً أبعاد فلسفية معينة، بحسب الظروف التي تعكس متغيرات البيئة الاجتماعية حولها بصورة ضاغطة. لذلك يمكن القول إن مختلف حركات التغيير التي استقطبت المنطقة الجيوسياسية، مشرقياً خاصة أجيالا متتابعة، كان رجالها اعتمدوا جميعاً كمحور رئيسي ومبدئي لآرائهم ومواقفهم، مرجعيةَ العروبة كحقيقة مطلقة مسلّم بها، مُبرَّزة أو متضمنة؛ لكن مع ظهور الكيانات الدولتية راحت العروبة تتحول إلى مجرد هوية عمومية في عالم (عربي) بات مقسماً إلى أكثر من عشرين دولة، ولكل منها شخصيتها الاعتبارية المعترف بها دولياً. لكن العروبة تجاهلتها الدول الناطقة بلغتها، في الوقت الذي سادت فيه ثقافياً وسياسياً لدى مختلف التيارات التقدمية، فقد شاعت، وعاشت حرة طليقة عابرة للحدود. لم تنشئ لذاتها دولة معينة، بل اعتبرت أن جميع الكيانات القائمة أصلاً في/وعلى أرض العرب إن هي إلا أزمنة عابرة طارئة على زمانها الأصلي المنتظر غير المحدود مسبقاً أو لاحقاً بهيئة تشريعية أو دستورية معترف بها حسب الاعتبارات الدبلوماسية؛ ومع ذلك لم يعرف تاريخ القرنين الأخيرين، التاسع عشر والعشرين، أي حركة يصح توصيفها بالحركة النهضوية، إلا واشتقت معانيها من بعض المحصول الثقافي لتجارب التاريخ العربي.
لا شك أن الحركات القومية في التاريخ الحديث استعانت جميعها بإحياء الذاكرة التراثية لأممها، رغم أن هذا الإحياء عانى كثيراً من انحرافات استغلاله لمصالح سياسية واقتصادية، وصلت به إلى حدود ارتكاب معصيات العنصريات بشتى عناوينها الشاذة. ولم تنج من التأويلات الذاتية المضخمة حتى النزعات التقدمية، هذا حدث ولا زال، إلى ما بعد انقضاء الحروب العالمية وانهيار عصر الأدلجات الكبرى من الشيوعية إلى الفاشية والنازية، مع بقاء واستمرارية الرأسمالية، وانضواء عالم اليوم، جميعه تقريباً، تحت عباءتها: فكم أساءت القومويات الأوروبية المتطرفة لشعوبها بالذات، وبما لا يقل أبداً عما جرته على الشعوب الأخرى التي قاتلتها.
فالانتماء إلى الاسم الجمعي السائد هو بديهية من بديهيات الاجتماع الإنساني، غير أن الاختلافات حول تأويله صنعت كذلك التوجهات الكبرى لما سوف يسمى بالسياسة الدولية. فما أصبح يعرف باسم الصراع بين القوميات غدا أشبه بقانون حتمي مسيطر على تحولات هذه السياسة.
إذا كان الانتماء القومي في أصله ليس خياراً إرادياً، فذلك لأن الإنسان إنما يولد كائناً فيزيولوجياً في البداية ليحمل اسماً وصفة أهلية. أن يكون هو فلان، ويصير له فورا اسم ولقب عائلي ودين. فالوليد ليس هو صانع هويته الشخصية، فهو سيكون مجرد جسد قابل للتموضع في قالب معدّ من قبله. هكذا سوف تستوعب البطاقة الشخصية المسمَّى الجديد فتضمّه إلى عرينها؛ عند هذه النقطة قد يُخيم منطوق البطاقة. لكن الفرد الذي ولد عربياً ربما، وحين يصير شاباً واعياً سوف يُتاح له سؤالُ ذاته عما تعنيه كونها عربية. فتتحقق ثمة قفزة ثقافية أو ذهنية ما، ينتقل صاحبها من كونه مجرد حامل لبطاقة تعريف إلى باحث عن معنى؛ وقد يؤذن هذا الانتقال/التحول بإنتاج ما هو أهم من بحث عن معنى، إلى مشروع بناء قضية ما تتجاوز فرديته لتضم كل مماثل له.
العروبة إذن ليست تعريفاً جنسياً، ليست بطاقة شخصية، كما أنها ليست مذهباً سياسياً، بل أسوأ ما لحق بها من أضرار كانت عندما تخاطفتها الدعوات المؤدلجة عبْر محاولات تسييسها. فقد تُلقى أعباء الهزائم اللاحقة بالتجارب الأيديولوجية على أكتافها وحدها. وفي مراجعة هزائم المرحلة النهضوية السابقة يبدو أن أقسى الأذى الذي أصاب ثقافة العروبة من قبل الوجدان العام هو الأبقى تأثيراً متمادياً، متسبباً في توليد وتغذية أخطر أعطال النهضة حاضراً ومستقبلاً. لن تكون هناك (أمة) ولن يولد لها نسْرها الموعود بجناح واحد، بعد أن يتهادى منه جناح العروبة.
كل أهوال الهمجيات المفتوحةُ أبوابُ جحيمها على شعوب المشرق هذه الأيام باتت كأنها أثمان رهيبة مقابل تيهان الوعي العام، ما بين أسماء الجمع السائدة في غياب كلي للاسم الأعظم الذي يعرفه الجميع ويكاد ينكره الجميع كذلك، وتلك هي المعصية الكبرى تُرتكب في حق الذات والكرامة التاريخية المنسية لأمة لم تعد تعرف نفسها، من هي حقاً!

٭ مفكر عربي مقيم في باريس

مطاع صفدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية