قبل أيام عدة، أقدمت حكومة المالكي ‘المنتخَبة’ على ارتكاب جريمتها البشعة الأخيرة، وإن لن تكون آخر الجرائم، بحق جموع العراقيين ممن تظاهروا من أجل مطالب وطنية مشروعة وواضحة، على أرضية تصديقهم السياسي ‘الساذج’ بمزاعم وجود نظام سياسي ديمقراطي يكفل لجميع المواطنين العراقيين، بمختلف طوائفهم وعلى تنوع إثنياتهم، حقاً دستورياً بالتعبير عن وجهة نظرهم السياسية وكذلك تمتعهم برفع الشعارات المطلبية المشروعة. كانت تلك الجريمة الإرهابية، فعلاً وحقاً، الغادرة قد تم ارتكابها عبر ما يسمى بـ’الجيش العراقي’ الذي هو أصلاً قد أسس تحت إشراف أمريكي/ إيراني من أجل اجتثاث كل العناصر الوطنية العراقية المناوئة للاحتلال والهيمنة والتسلط وحماية وكلائهم من العملاء، بمختلف تنوعات انتماءاتهم الإثنية والمذهبية والدينية. والجيش ذاك، في أية حال لم يوجه رصاصة واحدة ضد محتلي الوطن ومكبلي إرادة الشعب ومحطمي الدولة العراقية ومنتهكي السيادة الوطنية، تلك الدولة التي تنامى وتكامل فعلها منذ اندلاع ثورة العشرين الوطنية المباركة في حزيران من العام 1920 . كان واضحاً إن هذه القوات العسكرية والأمنية عند مجموع الوطنيين العراقيين والمخلصين العرب، إنها قوات مسلحة ذات مهمات سياسية محددة يتقدمها تدريع وجود قوات الاحتلال الأجنبي، و’الدفاع الشرس’ عن حياة أفرادها الذين ارتكبوا جرائم قتل متنوعة وبشعة، وأقدموا على سرقات كبيرة وتاريخية: مالية وأثرية، وانتهكوا الأعراض وتجاوزوا على كل الحرمات… بل صارت فضيحة أبو غريب التي نفذتها القوات الأمريكية الغازية، إحدى علامات جريمتها السياسية والأخلاقية الأشهر وربما الأفظع، على المستويات العالمية والعربية والعراقية. كانت جريمة العدوان العسكري الهمجي على المواطنين الأبرياء والعزل من السلاح من معتصمي ساحة الحويجة في كركوك، وما تبعها من تهديد وقح ووعيد فوري لبقية ساحات الاعتصام بأن رداً وعقاباً مماثلاً ينتظرهم، في ما إذا استمرت مظاهراتهم واحتجاجاتهم وتواصلت اعتصاماتهم، يكشف عن عقول مجموعة قيادية للنظام السياسي القائم، مريضة بالقصور الوطني الفظيع والمكشوف أمام جميع المراقبين المنصفين، ومهوسة بالعنف المجاني الشرس ومشوبة بالغطرسة الطائفية القصوى. كانت تلك العقول تحاول تقليد أسيادها المحتلين الأمريكيين والفرس الذين لم يراعوا حرمة لأي بُعدٍ إنساني حددته القوانين السماوية أو البشرية، ولكن هذه العقول السياسية المريضة ـ كما يبدو ـ لم تدرك نهاية الغزاة المحتلين المخزية وهم يجرجرون أذيال الخيبة ومثقلين بهزيمتهم العسكرية الساحقة، كونهم صدقوا دعاياتهم السياسية الساذجة بأنهم هم قادة فضيلة العمل الوطني المقاوم البهي المسلح الذي أنجز عملية التحرير: تلك الملحمة الوطنية الكبرى التي سفحَ الشهداء العراقيون دماءهم الزكية الغزيرة من أجل مقاومة الغزاة المحتلين، وقضى مئات ألوف الوطنيين زهرات حياتهم في السجون والمعتقلات، ويتناسى البعض، في الوقت عينه، أن هذه السلطة ورموزها كانت الشريكة الكبرى في ارتكاب جرائم الاغتيال واستباحة المدن وشن حملات الاعتقال الجماعية، منذ تعيين بول بريمر لرموز وشخصيات حكام العراق مروراً بإبراهيم الجعفري وإياد علاوي ونوري المالكي، إذ كان لكل منهم جريمته الخاصة في مناهضة الوطنيين وتنفيذ أحكام الإعدام الجماعية بالمقاومين في الفلوجة والنجف والبصرة وغيرها ولعل ما كشف عنه مدير شرطة بابل المرحوم السيد العميد سلام شنان طراد المعموري الذي تمكنت شرطته من القبض على عصابة مسلحة كانت متخصصة باغتيالات بعض الرموز الحزبية البعثية العاملة في النظام السياسي السابق، والذي هاجمته القوات الأمريكية الغازية، وقد ادلوا باعترافات صريحة حول ارتباطهم المباشر بنوري المالكي، ورفضه ضغوطات المالكي وجماعاته بضرورة التستر عليهم وضرورة إطلاق سراحهم والتكتم على الفضيحة، وإصراره على الانسجام ربما مع ضميره الإنساني، ولكنه تعرض للنقل الفوري من مركز وظيفته التي رفضها وأعلن أمام الملأ عدم اعترافه بمشروعية قرار نقله ‘متفوهاً’ بالقول: ‘هذا رئيس عصابة وليس رئيساً للوزراء’. وأقدم المعموري: مدير شرطة مدينة بابل على مفاتحة بعض أهالي الشهداء المغدورين، وكان من بينهم علي يعرب الذرب ومحمد سلمان من مدينة الكفل اللذان تعرض أبواهما للاغتيال الجبان، بضرورة تقديم شكوى ضد المالكي شخصياً كونه أصدر الأوامر باغتيال وإعدام أبنائهم أو آبائهم، وإنه مستعد للمثول أمام المحاكم للإدلاء بالأقوال التي تفضح الفاعلين ومَن يقف خلفهم، وتقديم وثائق تبرهن على ذلك، كان الاغتيال من نصيب مدير شرطة بابل، العميد المعموري عن طريق التفجير المحكم داخل مكتبه وأثناء وجوده، كانت هذه نهاية الشاهد الرئيس على الأفعال الغادرة لتلك العصابة، فيما تكفل أتباع مقتدى الصدر ممن يطلقون على أنفسهم بجيش المهدي بتوجيه الإنذارات لمن تقدم بالشكاوى لسحب دعواهم القانونية نظـراً لرحيل شـاهدهم الرئيس. وكان لمنطق التهديد بالقتل والاغتيال، وسعّار الرصاص المسعور القرار الملزم، وإن كان مؤقتاً. كان المالكي أسداً هصوراً على العرب المسلمين من أبناء العراق، وتذكر فجأة أنّ ‘السيادة السياسية على المجتمع هي أعلى درجات السلطة’ فأقدم على تنفيذ عناصر فعلته الإجرامية ضد السكان العراقيين العرب من معتصمي أبناء مدينة الحويجة البواسل، وفي ظنه الخائب أنه سيفلت من العقاب ويغطي على نواياه التي أعلنها بأنه ‘لا يعطيها’ قاصداً: مركز السلطة علاوة على تقديم خدمة للنظام في إيران الذي لقياداته ثأر من العرب العراقيين.