بروكسل – نيقوسيا – ا ف ب: يرى محللون ان الصفقة التي تم التوصل بين قبرص ودائنيها لا تضمن تهدئة الوضع في منطقة اليورو على المدى البعيد، ولا تزيل المخاوف من مخاطر انهيار الاقتصاد القبرصي.ويتيح الاتفاق الذي تم التوصل اليه ليل الاحد/ الاثنين تجنب افلاس قبرص واخراجها من منطقة اليورو. واتاحت الصفقة انتعاش اليورو في بورصات اسيا صباح امس، و’لكن وكما هي الحال ابان الازمات، فان النتيجة التي تم التوصل اليها مساء الاحد، تدعو الى الارتياح مؤقتا ولكنها لا تشكل ضمانة للتهدئة على المدى الطويل’ كما يقول كارستن برجسكي، المحلل لدى المجموعة الهولندية الدولية، وهي مؤسسة مالية.ولا يخفي كثير من المعلقين تشاؤمهم حول مستقبل اقتصاد قبرص الذي ‘سيحرم من التمويل’ كما يقول روبير بستون الخبير في الشؤون المالية لدى ‘بي بي سي’. ويضيف ‘سينهار سريعا وسيكون ذلك مؤلما لسكانها’.ومع ترحيبها بالصفقة تعتبر النائبة الاوروبية الليبرالية البريطانية شارون بويلز، وهي رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية في البرلمان الاوروبي، انه ستكون لها ‘اثار سلبية على الشركات والاقتصاد التي ستحتاج لدعم عاجل، بالاضافة الى خسارة العائدات المصرفية’.ويقول مسؤول اوروبي ‘سيكون الامر قاسيا جدا على الاقتصاد القبرصي لانه يعتمد على القطاع المصرفي وعلى طريقة عمل البنوك’ من خلال جذب الرساميل الاجنبية بتوفير مزايا تنافسية. ويضيف المسؤول طالبا عدم الكشف عن اسمه ‘هذا النموذج انتهى وبما ان قطاع السياحة يعتمد على القطاع المصرفي (…) ينبغي مساعدة القبارصة على اعادة ابتكار طرق اقتصادية جديدة للعمل’.وامام مخاطر انهيار الاقتصاد القبرصي، لم تؤيد المفوضية الاوروبية خطة قدمها صندوق النقد الدولي وتقترح اغلاق اكبر بنكين وهما بنك لايكي وبنك قبرص، وليس فقط بنك لايكي.ويقول بستون ان ‘ما يسمى’ خطة انقاذ قبرص ستكون لها عواقب على باقي البلدان المدينة في منطقة اليورو. ويضيف ‘سيأتي وقت يتساءل فيه سكان البلدان المتعثرة في منطقة اليورو ان كان منصفا ان يدفعوا تلك الضريبة الباهظة للحفاظ على اليورو’.ويقول مضارب لدى مؤسسة ماني غروب ‘اذا نجحوا الان في حل ازمة اخرى من ازمات اليورو، فمتى ياتي دور التالية؟’.ويفيد تقرير حديث لصندوق النقد الدولي ان بنوك سلوفينيا لديها حوالي سبعة مليارات يورو من الديون المتعثرة وهو ما يمثل 20′ من اجمالي الناتج الداخلي للبلد. وهذه النسبة تغذي باستمرار التكهنات القائلة بان سلوفينيا ستطلب بدورها مساعدة دولية.ولكن وكما يقول جان دومينيك جولياني رئيس مؤسسة روبير شومان فان ‘تضخم القطع المصرفي هو الذي جعل قبرص عاجزة عن حل مشكلة ديونها عبر جذب رساميل ضخمة في مقابل ضرائب وفوائد غير واقعية (وباتت بذلك) تشبه ملاذا ضريبيا’. ويضيف جولياني ان ‘سياسة توسيع منطقة اليورو، مثل توسيع الاتحاد الاوروبي، فشلت. ينبغي تصحيحها’.ولكن المفوض الاوروبي للشؤون المالية الفرنسي ميشال بارنييه بدا مطمئنا امس الاثنين عبر تاكيده بانه ‘لا يوجد في السوق الموحدة وضع شبيه بوضع قبرص’.ولكن لا تزال الصفقة التي تم ابرامها على عجل مع قبرص محاطة بالغموض.وتقول بولز ‘الاحظ ان تحديد الخسائر من الان وحتى نهاية البرنامج غامضة جدا وهناك حاجة عاجلة لاعادة رسملة بنك قبرص بهدف الحد من الغموض والسماح بازالة الرقابة على الرساميل’.وعبر رئيس المجلس الاوروبي هرمان فان رومبوي الاثنين عن امله في تطبيق الاتفاق ‘باسرع وقت’، ولكن برجسكي يتساءل ويقول انه في حين ليست هناك حاجة لموافقة البرلمان القبرصي ‘فهل ستوافق برلمانات دول منطقة اليورو؟’ولا يزال ينبغي الحصول على موافقة عدة برلمانات في منطقة اليورو بحلول منتصف نيسان/ابريل، ومنها المانيا على الصفقة. وسيتم تقديم القسم الاول من الدين الاوروبي لقبرص في بداية ايار/مايو. ويقول المحلل الهولندي ‘الطريق لا يزال طويلا’.على الجانب الايجابي قال ماثيو شيروود رئيس ابحاث اسواق الاستثمار في شركة بربتشوال لادارة الاستثمارات في سيدني ‘يبدو ان المخاطر القريبة المدى تمت معالجتها من قبل السلطات الاوروبية’. واضاف لوكالة داو جونز نيوزواير ‘كان هناك امل على الدوام وتوقعات بان ترضخ قبرص وتقوم بما تطلبه الترويكا’.لكن بعض المحللين ابدوا تحفظا ازاء الافراط في التفاؤل في الاسواق. وقالت شركة الوساطة ‘اي جي ماركت’، انه ‘اذا كان هذا الاتفاق سيتيح طمأنة الاسواق، الا ان العديد من الاسئلة تبقى قائمة وفي مقدمها امن الاستثمارات في الدول الهشة في منطقة اليورو’. واضافت ‘هذه الشكوك يمكن ان تخلق على المدى الطويل حركة نقل لرؤوس الاموال نحو اسهم آمنة.’على صعيد الوضع المتوقع للاقتصاد القبرصي قال كريستوفر بيساريدس الاقتصادي الحاصل على جائزة نوبل يوم الأحد إن نيقوسيا ينبغي وبأي ثمن أن تتجنب قبول القرار الخاص باعادة هيكلة بنك قبرص لأن هذا سيكون بمثابة إفلاس للبلاد بالكامل.وفي حديث لشبكة ‘أر.أي.كيه’ الإذاعية التابعة للدولة، قال بيساريدس إن الحكومة لا يجب أن تسمح لأكبر بنك مقرض في البلاد، بنك قبرص، أن يتحمل مسؤولية تسعة مليارات يورو التي حصل عليها ثاني أكبر بنك مقرض في البلاد، بنك لايكي، كمساعدة مالية طارئة من البنك المركزي الأوروبي. وتابع بيساريدس إن ‘هذا العبء الإضافي من شأنه وبصورة أساسية أن يفضي إلى قرار على بنك قبرص كذلك ثم مباشرة بعد ذلك على البلد بأكمله’.ويرى محللون ان القبارصة يواجهون سنوات من الصعوبات الاقتصادية بسبب الشروط القاسية التي فرضت على قبرص، فيما يبدو مستقبل الجزيرة المتوسطية العضو في منطقة اليورو غامضا بشكل كبير.وقال خبراء في الاقتصاد ان الازمة ستبدأ فورا بنقص محتمل في السلع الغذائية والادوية في الاسابيع القادمة فيما تعاني الاعمال التجارية من نقص السيولة في المصارف القبرصية التي استهدفتها خطة الانقاذ.ثم ستواجه الدولة الصغيرة عامين من الركود مع ارتفاع نسبة البطالة، وامال ضئيلة بانتعاش طويل الامد فيما يبتعد الروس وغيرهم من المستثمرين الاجانب عن القطاع المالي القبرصي المدمر.وقالت فيونا مولن خبيرة الاقتصاد المتخصصة بقبرص انه بينما حالت الخطة دون خروج قبرص من منطقة اليورو، يتساءل كثيرون من القبارصة عما اذا كان الخروج افضل باي حال.وقالت مولن لوكالة فرانس برس ‘يشعرون ان دولا كثيرة خدعتهم في هذه المسألة واعتقد انه سيكون لذلك تداعيات على المدى البعيد’.وقالت مولن وهي من الشركاء في ستراتا اينسايت لاستشارات مخاطر سياسة الطاقة، ان الرقابة على الرساميل تشمل قيودا صارمة على السحوبات من اجهزة الصرف الالي ستستمر على الارجح لعدة اسابيع. واضافت ‘هذا يعني انه سيكون من الصعب على الشركات دفع الرواتب وشراء السلع وما شابه’ مضيفة ان تأثير ذلك ‘لم يتم التفكير به جيدا’.وقالت ‘الشركات الكبيرة هي شركات استيراد المواد الغذائية وبائعي المواد الغذائية ومستوردي الادوية وستتأثر على المدى القصير سلع كالمواد الغذائية والقبارصة بدأوا بالفعل بتخزين المواد الغذائية في الايام القليلة الماضية’.والمسقبل البعيد المدى يبدو اكثر كآبة حيث من المرجح ان يتعرض الاقتصاد لاكبر ضربة له منذ الاجتياح التركي لشمال الجزيرة، بحسب ما حذرت المحللة.وردا على سؤال عن التأثير المحتمل على النمو قالت مولن ‘لنقل ناقص 15′ في السنة الاولى وناقص 5′ في السنة التالية’. واضافت ‘نسبة البطالة حاليا 15′. ومع (تصفية بنك) لايكي ستصبح فورا 17,5′. وستصبح 20′ في غضون ثلاثة اشهر و26′ خلال عام’.وبحسب الحاكم السابق لمصرف قبرص المركزي افكسنتيس افكسنتيو فان تأثير خطة الانقاذ سيستمر لفترة تصل الى عشرة اعوام. وقال للاذاعة العامة ‘تعرضت قبرص لضربة كبيرة ومستوى معيشتنا سيتراجع بسرعة، رغم ان الاقتصاد ربما يقدر على الانتعاش خلال سنتين الى ثلاث، سيكون مستوى المعيشة بحاجة لعشر سنوات ليعود’.واصر متحدث حكومي قبرصي امس ان خطة الانقاذ منعت خروجا ‘فوضويا’ من منطقة اليورو، لكن مولن قالت ان هذا الامر لا يزال احتمالا قائما لاحقا.وتخلت قبرص عن الجنيه القبرصي في 2008 واعتمدت اليورو.وقالت مولن ‘اتساءل عما اذا كان القبارصة بدأوا يفكرون في جدوى بقاء قبرص في منطقة اليورو. لكن المشكلة ان ليس هناك اطار قانوني لذلك’.واعادة بناء اقتصاد قبرص سيكون مهمة شاقة عندما يكون قطاع الخدمات المالية فيها اكبر المتضررين، فيما المستمثرين الروس الكثيرين سيعانون بشكل خاص من الضريبة التي فرضت على الودائع لتمويل خطة الانقاذ.وقال نيل ماكينون خبير الاقتصاد لدى في.تي.بي كابيتال في لندن لوكالة فرانس برس ‘ان تحجيم النظام المالي هو الهدف الواضح للاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي’ مضيفا ان ذلك يعني ‘خسارة وظائف وقيودا على القطاع المصرفي’ مع ‘اثر سلبي على الاقتصاد والذي سيكون قاسيا جدا’.واثار ماكينون شكوكا حيال موقف قبرص من اليورو رغم صفقة الانقاذ.وقال ‘ربما هي ردود الفعل الاجتماعية والسياسية في قبرص التي تجعل العداء تجاه الاتحاد الاوروبي يتراكم ولا يمكنك استبعاد خروجا مستقبليا’ (من اليورو).واضاف ماكينون ان التداعيات الاوسع على اقتصاد الاتحاد الاوروبي وعلى المدى البعيد هي ايضا متشائمة’.qec