في رسالة عظيمة مليئة بالقيم السياسية يتحدث الإمام علي كرم الله وجهه إلى واليه على مصر مالك الأشتر محدداً له قواعد سياسة الولاية ومنهج المسؤولية العامة فيقول: ‘وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم’.في عالمنا العربي الذي هجر قيم الرشد هذه وغادرها في هذه المرحلة الموارة بالتحولات والعواصف والعنف! تذكّر عمان هذا العالم العربي ــ وتذّكر العالم أيضاً ــ بالقاعدة الأصل المنسية والمطمورة، قاعدة الرفق والحكمة والدفع بالمروءات التي يجب أن تنظم علاقة الحاكم بالمحكوم، تذكّره بالتاريخ كما تذكّره بالواقع لعل عالمنا العربي يدرك أن ثمة صيغة أخرى للتعاطي وللتعامل مع هذه المرحلة غير صيغة العنف والإقصاء التي حولها الكثيرون إلى قاعدة! وأن الصيغة الأساس القائمة على الرفق والحكمة والاستيعاب والصفح والتجاوز هي التي يمكن أن نعول عليها في الخروج من هذه المآزق التاريخية إلى البناء والتقدم للأمام بعيدا عن حلقات الفراغ والعدم والفشل.هذه القاعدة المنسية التي تذكّر بها عمان وتطبقها نسيجها الحب وتقوم على ثنائية العدل والرفق، وكان من صورها خلال الأسبوعين الماضيين صدور حكم المحكمة العليا العمانية في قضية كانت مثار الرأي العام حين حكمت بنقض الأحكام التي أدين بها عدد من المتهمين بقضايا التجمهر والإخلال بالنظام العام، وأمرت بإعادة المحاكمة بهيئة مغايرة، ولم تمض مدة يسيرة الوقت إلا وصدر عفو من السلطان عن كل المتهمين في هذه القضية، وعن محكومين آخرين أدينوا بالإساءة والإعابة لشخص السلطان نفسه وكانت قد صدرت في حقهم أحكام نهائية، وهذا العفو والقرار أشاع أجواءً من الإيجابية والألفة والارتياح في الشارع العماني من ناحية، وأكد على مواصلة تثبيت استقلالية القضاء من ناحية أخرى، ومن جهة ثالثة فقد زاد قاعدة الحكمة والرفق والتجاوز والصفح رسوخاً وثباتاً وتأسيساً في التجربة العمانية الحديثة، لتكون عمان حاضنة لكل أبنائها تحتضنهم وترفق بهم ولا تقصيهم.ثنائية العدل والرفق، التي تشيع الطمأنينة وتفشي السلام وتبني المحبة وتؤسس سلم المجتمع هو ما تقدمه عمان للعالم الصاخب من حولها، حتى نعيد لهذه القيم اعتبارها في واقع ثقافتنا العربية، ولتعود سنة للتاريخ كما ينبغي؛ نعم إن هذه القيم أصيلة في تراث أمتنا وثقافتها، لها قيمتها الذاتية الأصيلة مهما طمرها ركام فكر المغالبة والتغلب الذي بليت به أمتنا، لكن سنة ممارستها في ظرف أمتنا هذا أمر يزيدها أثراً وبهاءاً وقوة، ويعيد التأكيد على أن ممارستها ليست ممكنة فحسب، بل و واجبة أيضاً.في رسالة تاريخية أخرى ــ كالتي بدأنا بها ــ يبعث الإمام ناصر بن مرشد اليعربي العماني(انتخب1624م) إلى أحد ولاته مبيناً له فلسفة العقوبة كما يؤمن بها قائلاً له: ‘وإذا وجبت العقوبة على أحد من الرعية، على فعل شيء يستحق به العقوبة، فاعتقد فيه بمعنى المحبة، لا بمعنى الغضب، لأن الإنسان إذا أحب أحداً حال بينه وبين ما يضره و يعطبه’، وبالمناسبة فإن ناصر بن مرشد هذا هو الذي وحد عمان في القرن السابع عشر الميلادي، لتواجه بعد ذلك وطوال مدة حكمه الاستعمار البرتغالي وتطرده من الأرض العمانية، وليلاحق الأئمةُ من بعده البرتغاليين في موانئهم وقلاعهم في المحيط الهندي والشرق الإفريقي. ذلك ما أرادت عمان تاريخاً و واقعاً أن تقدمه لأبنائها ولأمتها العربية والإسلامية.محمد بن سعيد الحجري – عمانqmn