رسالة مفتوحة الى توني بلير في الذكرى العاشرة لغزو العراق

حجم الخط
0

رامز نظمي ‘وعدنا العراق بحكومة ديمقراطية، وسوف نسلمه إياها، وعدناه بفرصة إستخدام ثروته النفطية لتحقيق الرخاء لجميع مواطنيه وليس للنخبة الفاسدة، وسنفعل ذلك، سنبقى معهم ماداموا يفتقرون الى مساعدتنا حتى يتم انجاز المهمة’ هذا ما قاله توني بلير في 17 تموز (يوليو) 2003. لقد مرت عشر سنوات طوال منذ أن غزا جورج بوش معكم العراق، وماذا كانت النتيجة؟ العراق الآن نموذج الدولة الفاشلة، لقد هلك عشرات الآلاف من الأبرياء وشُرد الملايين وتنتهك حقوق الانسان على نطاق واسع. أصبح الفساد مستشرياَ ومستوطناَ، فالعراق الان من بين أكثر الدول فساداً في العالم. لقد دمر الاحتلالُ العراقَ مهد الحضارة وأحد أغنى البلدان في العالم.فبدلاً من الحرية والديمقراطية والتسامح والكرامة والتنمية والأمل والوحدة والمجتمع المدني والازدهار، فإن مصطلحات أخرى باتت ترتبط في أذهان الناس بالعراق، مثل حمامات الدم والتطهير العرقي والاغتصاب والطغيان وفرق الموت والتقسيم والرشاوي والتعصب والتخلف والذل.هناك اعتقاد شائع أن غزوكم واحتلالكم العراق قد فشل فشلاً ذريعاً، وفي واقع الحال أن نجاحه كان باهراَ. إن جلب الديمقراطية والحرية والرخاء وتحويل العراق الى منارة اشعاع لم تكن الأهداف الحقيقية للحرب اطلاقاً، بل كان هدفها الاستراتيجي هو تحطيم العراق باعتباره تهديداً محتملاَ لمصالحكم الامبريالية الجديدة ومصالح اسرائيل. كان القضاء على أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة في العراق، وقطع صلته المزعومة مع تنظيم القاعدة ما هي إلا ذرائع مضللة لحربكم العدوانية على العراق. إن تزايد ظهور الأدلة التي تثبت ادعاءات العراق، بأنه تخلص من أي أسلحة دمار شامل هي التي دفعتكم لغزو العراق، وبعبارة أخرى، السبب الذي جعلكم تقررون الذهاب الى الحرب هو عدم وجود أسلحة الدمار الشامل وليس وجودها، حيث انكم بدأتم تدركون بأن العقوبات الوحشية المفروضة على العراق منذ عام 1990،على أساس إنه يمتلك اسلحة دمار شامل، لم يعد بالإمكان استمرار فرضها، لقد بدأ المجتمع الدولي، بما في ذلك لجنة الامم المتحدة للرصد والتحقيق والتفتيش بالتوصل لاستنتاج مفاده ان العراق خال من اسلحة الدمار الشامل، وبالتالي سيتعين رفع العقوبات، وقد أبلغ رئيس اللجنة، هانز بليكس مجلس الامن قبل شهر من الغزو أن ‘ اللجنة لم تعثر على أية أسلحة من هذا القبيل’.ووصف دينيس هاليداي مساعد الامين العام للأمم المتحدة العقوبات بأنها ‘ابادة جماعية’، وعندما قيل لمادلين اولبرايت بأن العقوبات قد تسببت في وفاة نصف مليون طفل عراقي أكثر من الاشخاص الذين توفوا في هيروشيما، قالت أولبرايت ‘إن هذا ثمن مناسب’، وكما قالت أرونداتي روي ‘يتضور المدنيون جوعاً حتى يتم قتلهم’.حتى مراسل البي بي سي جون سيمبسون أقر بأن احتلالكم للعراق تضمن ‘مستويات بشعة من الفساد وسوء الإدارة’. والأهم من ذلك اعترف اندي بيربارك الذي عينتموه كنائب لبول بريمر حاكم العراق بعد الاحتلال ‘إن منح أنفسنا الحق في غزو بلاد أخرى وقتل الناس يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية’، وأضاف ‘غياب التخطيط السليم في العراق يعد إهمالاً إجرامياً’. وذكر بيربارك كذلك ‘إن العراق كان يمتلك قدرات بشرية هائلة قبل أن نذهب ونحطمها’.لا شك إنكم تذكرون، بعد حرب الخليج الأولى عام 1990، إن العراقيين أنفسهم من أعادوا في فترة قصيرة بناء بلدهم بعد أن دمرتم قطاعاته الحيوية مثل الكهرباء ومصافي النفط وتكرير المياه وبدالات الهاتف.. لربما لو لجأ العراق إلى شركات هاليبورتون ولوكهيد مارتن وبيكتل والبترول البريطانية لما حصلت حرب الخليج الثانية. هل إن من قبيل الصدفة أن يكون مسؤولون كبار يرتبطون مع المجمع الصناعي العسكري مثل ديك تشيني من شركة هاليبورتون وبروس جاكسون من شركة لوكهيد مارتن من ضمن المحرضين على الغزو؟ ومن نافل القول إنه بعد الغزو منحت كلا الشركتين عقوداً ببلايين الدولارات.احتلاكم العراق – كجزء من السياسة الامبريالية (فرق تسد) – قد حول العراق الى دولة طائفية. فخلال حكم البعث تسلم القيادة 55 قائداً (الكوتشينة الشهيرة)ً، 36 منهم ينتمون الى الطائفة الشيعية، وهذا يكذب مقولة ان النظام السابق كان يقوده السنة. كان النظام استبداديا لكن شموليته كانت متساوية حيث كان يعاقب كل الذين يعارضونه بغض النظر عن طائفتهم او عرقهم سواء كانوا سنة او شيعة او اكراداً. ولم يكن العراق يعرف قبل احتلاله الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، فغالبية الجيش العراقي كانوا من الشيعة. وخلال الحرب الايرانية العراقية (1980-1988) وعلى الرغم من الدعاية المكثفة من السلطات الايرانية الدينية الشيعية الا أن العراقيين الشيعة أظهروا أن وطنيتهم قد تجاوزت أي مشاعر اخرى اذ كانوا يقفون جنباَ الى جنب مع السنة والمسيحيين من ابناء وطنهم، وهم يدافعون عنه بإخلاص.كما يخدم حقن العراق بآفة الطائفية مصالح اسرائيل على أفضل وجه. فعند انقسام المنطقة الى اقسام عرقية وطائفية الى ما يشبه البانتوستانات تصبح اسرائيل المسيطر على المنطقة من دون منازع. كما تؤمن اسرائيل ان رفاهيتها على المدى البعيد تكمن في خلق مناطق محيطة تتوافق مع طبيعتها بوصفها دولة يهودية طائفية.ان رغبتكم الشديدة في شن حرب ضد العراق بأي ثمن، جعلتكم تفبركون ملفات سبقت الغزو لغرض ترويج الحرب والحصول على موافقة جمهور غير مقتنع بها. وتبين فيما بعد إن الملفات ـ والتي كان من المفترض أن تقدم أدلة على تهديدات العراق القاتلةـ كانت تحتوي على أكاذيب وتضليل بل وحتى مادة مسروقة من أطروحة طالب!!، ومن بين هذه الاكاذيب كان التأكيد على أن العراق يمتلك اسلحة دمار شامل والتي يمكن إطلاقها في غضون (45 دقيقة)، مما جعل الصحف البريطانية تنشر عناوين مثيرة من مثل ‘يبعد البريطانيون 45 دقيقة عن الموت’.كانت عبارة (45 دقيقة) محيرة، لماذا لم تكن (30) او (60) دقيقة؟ ثم تبينت حقيقة الأمر حيث اسْتخدِمت هذه العبارة مسبقاً في سياق الحرب في العراق. فبعد الحرب العالمية الاولى عندما احتلت إمبراطوريتكم العراق ونكثت وعودها، ثار العرب والاكراد في العراق، ولإخضاعهم استخدمت الامبراطورية اسلحة الدمار الشامل. وفي اطار حرص تشرشل على الاستفادة من مثل هذه الاسلحة قال ‘أؤيد تأييداً شديداً استخدام الغازات السامة ضد القبائل غير المتحضرة’، وقد كتب بومبر هاريس المشير في القوة الجوية الملكية في عام 1924 ان ‘العرب والاكراد الآن يعرفون نتائج القصف الحقيقي في الاصابات والاضرار، فخلال (45 دقيقة) يمكن ان تمحى قرية كاملة ويُقتل أو يصاب ثلث سكانها’، وقال كذلك ‘ان الشيء الوحيد الذي يفهمه العرب هو مفهوم اليد الثقيلة’. ويبدو انكم استوحيتم الـ (45 دقيقة) من عدد دقائق بومبر هاريس الشريرة.وقد صادق بومبر هاريس على التأكيد الذي أدلى به هاينريش فون ترايتشكه – السياسي الالماني اليميني- في قوله ‘لمعاقبة قبيلة زنجية ينبغي حرق القرى فمن دون اعطاء امثلة من هذا النوع لن نحقق اي شيء، واذا كان الرايخ الالماني قد طبق القانون الدولي في مثل هذه الحالات، فلن يكون ذلك من قبيل الانسانية او العدالة بل من قبيل الضعف المخزي’. يعتمد الحكم الامبراطوري أساساً على ترويع المواطنين الذين يعتبرون أقل شأناً ومن أصول دنيا. ‘ليس قطرة دم مقابل قطرة دم، بل براميل وبراميل من القذارة التي تجري في اوردة الزنوج مقابل كل قطرة دم تسيل (من بريطاني)’، كان ذلك قسم الانتقام الذي ادلى به المشير كارنيت وولسلي وفيسكونت (لقب نبيل الامبراطورية البريطانية ضد الهنود المتمردين في القرن التاسع عشر).اطلقت قوات الاحتلال على العراقيين لقب (زنوج الرمال)، وكان حرقهم من الواجب فالعادات القديمة لا تتغير حيث أحرقوا الالاف في الفلوجة عندما أسقطوا عليهم الفسفور الابيض وهو سلاح من اسلحة الدمار الشامل. إن مقتل (3000) من سكان نيويورك في أحداث 11/9، تسببت في غضبٍ ساحق، وكان ردكم على هذا العمل الوحشي هو شن الحرب، هل خطر ببالكم أن قتل مئات الالاف من العراقيين الابرياء سوف يخلق رد فعلٍ مماثل بين العراقيين واتباعهم من العرب والمسلمين؟ ربما كنتم تظنون إن الأذى والغضب والحزن مشاعر لا يحس بها سوى الغربيين، او ربما اشتركتم بالرأي القائل من دون حرق ‘زنوج الصحراء’ لا يمكن تحقيق شيء يذكر.لماذا يعُد قتل المدنيين في نيويورك عملاً ارهابياً ويُعد قتل المدنيين في بغداد والفلوجة والنجف أضراراً جانبية؟ وبصرف النظر عن الحجم او المدة، فإن الفرق الوحيد بين الهجوم الارهابى في 11/9 وحرب العراق أن الأول ارتكبه أشخاص يعترفون بأنهم قتلة بينما الثاني ارتكبه قادة إدعوا أنهم صالحون. تهاجم اسرائيل باستمرار الفلسطينيين مستخدمةً الأسلحة الفتاكة الأكثر تقدماً التي يمكن ان تنتجها تقنياتكم. لقد أدانت بعثة برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون اسرائيل ‘لارتكابها جرائم حرب وانتهاكها القانون الانساني، وقد تصل هذه الى جرائم ضد الانسانية’. كان ردكم المعتاد على فظائع اسرائيل هو دعوة كلا الجانبين الى ضبط النفس، ولكن عندما يرتكب 19 مقاتل يحملون شفراتٍ للقطع عملاً ارهابياً تكون ردة فعلكم هي شن حرب ‘ليس لها مثيل’ تقتل مئات الالاف من الذين ‘لم يرتكبوا اي خطأ’ هذه عبارتكم عدا كونهم مسلمين.كانت الخسائر المادية بسبب الاحتلال هائلة. وقد قدرت الكلفة المادية التي تكبدتها الولايات المتحدة بمبلغ مذهل بلغ 3,000 مليار دولار امريكي (3 تريليون دولار). وحوالي 40,000 جندي مقاتل اما قتلوا أو أصيبوا. وكانت خسارتكم المعنوية أكبر بكثير.خلاصة القول، كانت الحرب كارثية للانغلوسكسونيين، ونكبة على العراق ونصراً لإسرائيل. نصب لكل من تشرشل وبومبر هاريس تمثال في لندن، وإنْ كان سحق العراقيين هو المؤهل لنصب تمثال فإن تمثالكم هو الأكبر إن لم يكن في لندن فمن المؤكد في تل ابيب.حلمت مؤخراً بقراءة كتاب عنوانه (تاريخ بغداد 762-2062) سيتم نشره في المستقبل، تقول مقدمته ‘هذه قصة بغداد إحدى أعظم عواصم العالم اليوم. فتاريخها يجسد اسطورة طائر العنقاء، الطير الذي ينبعث من الرماد. تعاقب على احتلال بغداد ثلاثة أمواج من البرابرة الوحوش وتلاقفوها في حفلة لهو منغمس في الدمار عام 1258 بقيادة هولاكو وعام 1393 بقيادة تيمورلنك وعام 2003 بقيادة بوش وبلير، ومع ذلك عادت ممشوقة الطول بعد كل كارثة والفضل يعود إلى الروح الشجاعة التي لا تكل ولا تمل لدى ابنائها وبناتها’. إن الأحلام الجيدة غالباً ما تتحقق.’ كاتب عراقيqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية