حين تنظر إلى شجرة ما لا تنتبه إلى الحيّز المكاني الذي وجدت عليه، وإنّما تُمعن النظر في الشجرة ذاتها وكأنك تنظر إلى صورة الحبيبة، فلا تنتبه إلى خلفية الصورة لأن عينيك تغرقان في تأمّل ملامحها، كذلك للشجرة سطوتها في انتزاع الحيز المكاني من حضوره، ثمة حركية في مشهد الشجرة تبدو الحركية تلك في اضطرابك أمام فعلين متناقضين يخيل إليك أن الشجرة تقوم بهما، تمسّك الجذع بالأرض وارتفاع واندفاع الفروع إلى السماء، لذلك من يفهم الشجرة يشعر بأنه غصن من أغصانها، غصن تائه بين ثباتها واندفاعها.
الشجرة القاتلة
في الموروث الاجتماعي الكردي ثمّة بُعد مختلف لشجرة الجوز، حين تسأل فلاح كردي عن شجرة الجوز سيقول لك بأنها قاتلة صاحبها، ولكن كيف لشجرة لا هدف لها سوى الإثمار أن تقتل، سيزول اللّبس حين تتمهل قليلا ريثما يكمل الفلاح الكردي ويقول إن من يزرع شجرة الجوز عليه أن ينتظر أكثر من خمسة عشر عاما قبل أن تثمر، في وقت قد يكون فيه من زرعها قد وُري الثرى، ولكن حين تجول بنظرك إلى أشجار الجوز المبعثرة على سفوح جبال إقليم كردستان لن يزيدك سوى غرق في التأمل والتفكير في كم الحياة التي أتعبها الانتظار بين سفح وسفح أو شجرة وشجرة، حيث عرق الانتظار لايزال يسيل من أغصانها.
الشجرة البيت
حين يتحوّل مكان ما إلى ساحة صراع تأخذ الأشياء أبعادا أخرى، بعض المعاني تتيتم وتفقد بعضها شيئا من دلالاتها كمصاب حرب يفقد بعضا من أعضائه، كذلك الشجرة تصيبها علة تبدّل المعاني والدلالات لتتحول من الشجرة العائلة بأبعادها الدالة على الاستقرار والنماء وتفرّع الأغصان، مع كبر العائلة إلى الشجرة البيت، الشجرة التي تصيبها ويلات الحرب، فالبيوت أشجار تتعب الحرب أغصانها المثمرة لتغدو حطبا للهجرة أو الموت أو النسيان، حين تنظر إلى أي عائلة سورية ستلاحظ أنها تعاني من علة الأغصان المفقودة، أغصان قتلتها قذائف الحرب أو هجرتها الموات الذي لحق بها أو أماتتها تربتها الجديدة، البيوت السورية أشجار مقطوعة الأغصان أشجار مقطوعة الأحلام.
الشجرة المقدسة «الأمنية»
الشجرة تلبس حلم زائرها، تحتفظ به، تعطيه من روحها التشبث والاندفاع، وتسرّح تلك الرغبة بنسائم مشفوعة بالأمل، تلك هي ثقافة العطاء للشجرة وتعاطفها مع من يلامس أغصانها بأصابع ليّنة أصابع تتوسّل الحُلم والحِلم، أصابع تلّون الأغصان بالرغبة لتروّض عنفوان الاندفاع فيها، وكأنّ حمل الغصن بحلم هو تحقيق لحلم الغصن في حمل شال أو ذكرى تنقذه من لعنة الاندفاع إلى السماء بالهيام مع الشال في أفق يحتضنه النسيم، ففي حضور الشجرة الأمنية تتماهى مع حلمك وتشعر بأن روحك تبادل الأدوار مع جسدك في ملامسة المكان فتفقد معالمك وأبعادك لتضيع هويتك بين السماء والأرض، إنها قدرة الشجرة على إعتاق روح حلمك وبثّه في أغصانها.
شجرة المخيم «العلامة»
على بعد نصف ساعة من مدينة أربيل العراقية، لن يخيّل إليك أن الجنوب الصحراوي الذي تقصده يمكن أن يحمل شجنا عاطفيا، وأن مخيم دار شكران للاجئين السوريين في إقليم كردستان العراق سيتفقد الجفاف الذي بأعماقك ليزرع جمالا روحيا ناضحا بندى معاني العشق والهيام.
حين تكون الشجرة عنوانا لعائلة ما تأخذك اللهفة لمعرفة ثمارها، لم تكن نية تعريف عائلة ما بنوع من الأشجار حاضرة لدى إدارة المخيم، وهي تزرع أمام كل خيمة شجرة من نوع معين، إلا أنه حين يحضر العشق تنبثق الأفكار وكأنها وجدت لنفسها بيئتها التي تحب هذا ما يمكن أن تتلمسه حين تستمع لشاب يقول لصديقه أحب تلك الفتاة فتاة غرسة التفاح إنها جميلة كتفاح أحمر.
الشجرة السيدة
الأشجار سيدات، سيدات مخمليات لا تثمر قلوبهن سوى لربيع عاشق، كل شجرة هي احتمال غابة، وكل سيدة احتمال عائلة، احتمال حياة قادمة، الشجرة أنثى الحياة في بهائها الأخضر ولتوهج حياءً وولادة لا بد لها من عاشق يقلّم كبريائها، يبث في قلبها احتمال الحياة والاحتمال هو ما يحدث في الهامش المخفي من الحياة، من دون أن تتلمس حدوثه كهمس النسيم للشجرة قبل أن تزهر بالابتسامات.
لا يبعث المنزل الشعور الأنثوي الخاص بكل بيت إلا حين ينتمي إلى شجرة، فالأشجار بالنسبة للمنازل كسيداتها وأحيانا تكون امتدادا لها، فمنازل من دون أشجار هي منازل تائهة الذكريات، حيث تحتفظ الأشجار بذاكرة المنزل، بمشاهد الفرح والحب في أوراقها ولذلك فإنها حين تسقط لا تموت قبل أن تتطهر في مياه الحياة التي تنبع من نوافيرها لتؤكد على استمرار الحياة ودوامها.
كاتب سوري
سعيد قاسم