مائة عام في مطبخ: حين يقيم الشعراء في مناديل أمهاتهم

حجم الخط
0

كان العشاء الأخير معدا على طاولة الطعام في المطبخ. الضيوف لم يحضروا بعد. كان الليل عميقا. صفحة منه تذكر بالبلبل الذي طلع من ناي المعلم البابلي. كان اسم ذلك المعلم غوديا. جالسا لا يزال في متحف اللوفر مثلما رأته أمه آخر مرة. اقرأْ الخارطة لتجد بلادك. لكن الخارطة لا تُقرأ يا سيدي. يحفر الورقة التي رُسمت عليها أشكال البلدان بأصبعه. ‘لن تجدها بعد الآن’ قال معاتبا. رأيت أصبعه تستقر ثابتة من غير أن ترتجف على مكان بعينه. مكان تمتزج فيه الصحراء بأناشيد العناكب. ‘هل ركبت على ظهر سحلية؟’ لم أسأله. عيناي تذهبان إلى نافذة المطبخ.
لم يأت أحد بعد. لا يزال المطبخ فارغا. ‘هل قلت لي أن لك سلطانا على الجن؟’ سألني بهدوء. أردت أن أعترف له وأقول ‘أنا جني يا سيدي. أقصد أنني كنت جنيا دائما’ لكني خشيت أن لا يصدقني. كان سيسخر مني. كيف يمكن أن يكون جنيا مَن يعمل مساعدا لطباخ في بيت ريفي يقع في مكان لم يعد موجودا على الخارطة؟ ستزيد حكاية خاتمي من سخريته لو رويتها له. ولكن ذلك الخاتم كان حقيقيا. جدي جلب خرزته من الهند. لولا سوء الحظ لكان ذلك الخاتم اليوم في أصبعي ولاختفيت متى أشاء مثلما تفعل الجن. كنت في أوقات سابقة افركه فأظهر وأفركه ثانية لأختفي.
عشت حياتين بخفة مَن يلهو بعيدان صينية. لقد شاء قدري أن أظهر على شاطىء دجلة. كان الوقت عصرا وكان الهواء عليلا. رأيت البغداديين. كان لدي صديق بغدادي من الجن. كان ذلك الصديق يزعجني بخيلائه. ولكني رأيت في ذلك العصر البغداديات لأول مرة. كان الغرام يمشي بأقدامهن إلى سهول يخفق فيها طائر الدراج بجناحيه قريبا من أعين الصيادين من غير أن يشعر بالخطر. حالمات يمشين كما لو أنهن يذهبن إلى الخطر بقلوب مطمئنة، يملأها الجمال بغرور فائض. تذكرت كثافة حضور الحوريات في البقاع غير المرئية وخفتهن. جلست على مصطبة خشبية رطبة وصرت أتأمل السيقان البيضاء ونسيت مهمتي. يومها كانت الخيانة قد بدأت تتسلل إلى عظامي. صار الكسل يغمض عيني بتثاؤبه ‘لا بأس. سيكون الحساء جاهزا بعد رمشتي عين’ قلت ليدي التي صارت تمسك بالخشب البارد باعتباره جزءا من قارب ذاهب إلى القيامة. حينها رأيتها. لم أملك سوى النظر إلى الوراء باعتذار. صارت بلادي تبتعد. هي ذي المرأة التي تستحق أن يتخلى المرء من أجلها عن وجوده الجني ليكون إنسيا إلى الأبد. حين وقفتْ تتأملني تناثرت لغتي مثل ورق خريفي فقررت أن أهبها خاتمي الذي كان في إمكاني عن طريقه أن أستعيد هيأتي الجنية. نزعته من أصبعي وقدمته لها ‘لك من أجل الذكرى’ نظرتْ إلي مصعوقة، مرتبكة قبل أن تمد يدها وتلتقط الخاتم. حينها أدركت أنني سأنزلق إلى نهايتي. حين اختفت البغدادية اختفى معها الخاتم. غير أنها وعدتني بالعودة ولم تأت. كانت هناك حروب كثيرة. ولأني أعرف أن العشاء الأخير كان في انتظاري فقد قررت الذهاب إلى هناك والاستسلام لقدري. من خلال زجاج النافذة كنت أترقب حضورها. لربما حضرت مع الباكيات البغداديات من أجل مسيح لم يولد بعد.
‘يحلو لي أن أكون جنية’ قالت لي عاملة المقهى التي اعتادت أن تقدم لي فنجان قهوة الصباح. أمسكت بيدها هذه المرة وقلت لها ‘ما رأيك لو عرفتك على شاب يتوهم نفسه جنيا. يقول أنه كان جنيا في حياة سابقة’ من خلال نظرتها رأيت شغفا بالجنون الذي تتوارى خلفه الفكرة. مجنونين مشينا على ضفة النهر. كان النهر غريبا يجري بسمك مجنون. كنا غريبين. عاملة المقهى تخرج من جيب قمصيها ورقة يانصيب ‘كان حظي عاثرا دائما’ ‘لن يكون أسوأ من حظ مسعود العمارتلي’ تضحك ‘لقد توقعتُ أن تكون ظريفا. هل سترسم لي صورة شخصية الليلة؟’ المساء كله ليديك. أنا أراك. أرى أجزاء منك، من غير أن أجمعها. لن تكوني امرأة جاهزة. أفكر بمشروع امرأة أربحها بعد أن كنت قد فكرت بمشروع وطن خسرته. أعبر بك السدة. هي ذي محطة تعبئة الكيلاني. يمينا باب الشيخ. يسارا الاورفلي ومن ثم بارك السعدون. سنمشي قدما في اتجاه ساحة الطيران. نادي الضباط أو أنصافهم على اليمين ومديرية المساحة على اليسار. نمشي. بقايا حديقة غازي على اليمين ومقبرة الارمن على اليسار. ذراعي اليمنى تعلق بفضاء أرمني. كامب للجميلات القادمات من يريفان. ‘ما رأيك لو نعود إلى ضريح الشيخ عبد القادر؟’ ‘سأبكي لو رأيت جنازة’ ولكن الجنازات تمر. جمع مؤنث سالم. ينتهي الذكر إلى أن يقيم في جنازة. الانثى تلتهمنا من أجل أن تحفظ لنا صورتنا الأخيرة. ‘لديك خيال اسطوري’ ‘الخرافة غسلت أقدامنا بمائها المالح’ في ساحة الطيران هناك مَن لا يزال ينتظر. مَن لا يزال ينتظر سقوط سلة من السماء مليئة بالمن والسلوى. عمال وفلاحون. بستانيون وصناع سفن. صباغو أحذية وبناة بيوت. نجارون وحدادون. شعراء وسكيرون. ‘هل عثرت على أخيك بينهم؟’ سألتني. كنت قد حدثتها عن أخي الذي فر مع غجرية. نجلس تحت جدارية فائق حسن. لا تزال النافورة تعمل. الجدار، بياضه متآكل. ‘صباح بغدادي مثالي. لكن متى يجيء صاحبك الذي يتوهم نفسه جنيا؟’ قلت لها بعد أن أخذت نفسا عميقا لأبدو طبيعيا ‘لا بأس سأخبرك بالحقيقة التي لن تصدقيها. أنا الجني الذي فقد فرصته في العودة إلى عالم الجن. كنتُ جنيا ولكنني سأظل سجين هذا الجسد البشري إلى وقت غير معلوم بعد أن فقدت خاتمي’ ضربتْ الفتاة كفا بكف وصارت تتلفت من حولها. صارت تسألني عن عدد الكيلومترات التي مشيناها. قلت أكثر من الف. والقرى التي مررنا بها. قلت اكثر من مئة. والانبياء الذين غازلوها. قلت أكثر من عشرة. والشعراء الذين رأوا صورتها على مناديل أمهاتهم قلت لها واحد هو أنا. بكت وصارت تقول ‘صح’
كنت أعد المائدة لأكون قريبا من الرب.
لم يكن المطبخ بعيدا عن جدارية فائق حسن. كانت أم الرسام تعد الخبز لنا. ‘تخيلي رساما بأم خبازة’ ‘ساخنة يداه مثل رامبرنت وغويا وفيلاسكز’ أخبرها أن النهر كان قريبا من بيتنا. لذلك لم أتعلم السباحة. كنت أرى النوارس فتضعف رغبتي في الذهاب إليها. كانت النوارس تفتح تحت جسر الجمهورية أجنحتها فأرى مائدة متصلة من الريش الأبيض. لن تقع بيضة اللقلق في الماء. هناك من سيحملها إلي. كانت الخرافة تختصر النهر على هيأة خط أزرق فأرى الكرخ والرصافة وقد امتزجا. مَن كان منهما الأخ الأكبر؟ ليس لدينا الكثير من الوقت. لا يطبخ البغداديون طعامهم على نار هادئة. ‘ليس صحيحا كل ما تقول. لقد تعرفت على بغدادي كان يغني وهو يطبخ’ سألتها ‘هل ذهبت إلى قلبه؟’ اعترفت أنها رأته ذات مرة يبكي فيما كان يده تحرك الطعام في القدر. من يومها لم تعد تنظر إليه وهو يطبخ. كانت تكتفي بسماع صوته وهو يغني. ولإنها لم تصدق حكايتي التي لن أصدقها أنا لو رواها لي أحد آخر، لم تعد إلى ذكرها. صرنا صديقين ونسينا الجني والجنية. غير أننا لم نتخل عن المشي في شوارع وهمية تنقل أقدامنا إلى بغداد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية