يسمّونني الحريّة

حجم الخط
0

فادي سعدلا أعلم متى وُلدتُ بالضبط. ولا أعتقد أن الأمر كثير الأهميّة. والديّ مجهولان. لستُ لقيطة بالمعنى المتعارف عليه. يُقال إنّي وُلدتُ قبل أن يوجدَ البشر على هذه الأرض، أو أشباه البشر. القردة الأولّون الطيّبون. البعضُ أخبرني بأنّي قضيتُ طفولتي في ركنٍ عميق مظلم من البحر، أستمع إلى نبض الحياة الأولى هناك، وأرقبُ الضوء ينكسر على سطح الماء. كانت الشمس تدعوني دائماً إلى الخروج من مخبئي، وأنا أتمنّع. أذكر جيداً يوم وصلتُ إلى البرّ، يوم تحوّلتُ من كائن مائيّ إلى امرأة كاملة الأنوثة، تعرض جسدها لأشعة الشمس في النهار، وفي الليل تنتقل بين أحلام سكّان هذه الأرض. كم أودّ إخباركم تفصيلاً كلّ ما مرّ عليّ في رحلتي الطويلة. هل تعلمون أن أسلافكم القردة كانوا يتجاهلونني ولا يعيرون وجودي بينهم أيّ انتباه. لا ألومهم. فقد كانوا مشغولين بالبقاء أحياء. وحسناء مثلي كانت ترفاً بالنسبة إليهم. وحتى أكون أكثر صراحة، لا أظنّ أنهم فهموني. فلا تنسوا أنّ أدمغة أسلافكم كانت أصغر من الآن وبسيطة. وبالكاد كانوا يتعلّمون أشياء تبدو لنا بديهيّة اليوم. ما زلتُ أذكر وجه أحد أسلافكم لحظة قدحتْ صدفةً نارٌ مضيئة أمام عينَيْه الوحشيتين. التواءات الرعب في عضلات جسده، وتلك البسمة البدائية المشوبة بالدهشة. حصل ذلك قبل أكثر من مائة ألف عام، لم أعد أذكر بالضبط، فيجب أن تعذروا ذاكرتي على ما مرّ بها من أزمان سحيقة. بعد دهشتهم الأولى، نزحتْ دفء هذه النار الجديدة إلى قلوبهم، وحفرت في جماجمهم حزوز الذكاء. علّمتْهم كيف يصبحون أكثر آدمية، وبدأتْ مظاهر الإنسان العاقل تترسّبُ في سيماء أسلافكم. كانوا شرسين شديدي البأس، ولكنّهم منذ تلك اللحظة البرّاقة باتوا يلحظون مروري بينهم. حتى أنّ بعضهم صار يغازلني… نعم، أكاد أجزم بأنّ النار هي التي فتحتْ عيونهم وأضاءتْ كينونتي، ومنحَتْني الخلود الذي يلازمني إلى الآن. غدَتْ سنوات عمري مرتبطة بتلك الشعلة التي لا تموت. العلم والتاريخ والنبوءات يشهدْن جميعاً أنّ روحي لا يمكن قتلها إلاّ إذا أمكن قتل النار. اعذروني الآن، ولكن الظلام والسكينة قد حلّا على هذه الأرض، وعليّ الذهاب إلى النوم.العام 2000 ق.مالرغبة تقتلني كي أروي لكم كلّ ما شهدته عبر تلك القرون الطويلة من الزمن. قد أحكي لكم يوماً التفاصيل كلّها. ما يهمّ أن تعرفوه الآن، أن الإنسان مذ أصبح عاقلاً بما يكفي ليقع في الحبّ، عشقني وكنتُ أنا حبيبته الأولى والأبدية. دخلتُ قلبه ولم أخرج. حملَني بين أضلاعه وصيّةً من جيل إلى جيل. أصبحنا عشيقَيْن، ولو في السرّ أحياناً. كنا نلتقي في أماكن لا تصلها عيون الملوك القساة وآذان عسَسهم. نلعب سويّة مع ريح السهوب، ونتقلّب على رمال الصحارى الحارقة. كنتُ أرى الرغبة تترقرق في عينَيْه. مع ذلك، كان يجحدني في أحيان كثيرة خوفاً من سطوة الصولجان. كنتُ أتفهّم الأمر ولم أكن أغضب. كيف أفعل وكنتُ أشهد بنفسي جنون وغضبَ أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم آلهة الأرض عندما يروننا نضحك سويّة، أو نتمشّى كصديقَيْن على ضفاف الأنهر الناعمة؟ تصوّروا أن يضطر الإنسان لدفع حياته ثمناً لإيماءة لطيفة، كأن يقطف وردة ويغرزها في شعري الطويل! إنسان يقتل أخاه من أجلي أنا! من أجل الحريّة! كان الأمر يحزنني كثيراً، ولكنّي لم أكن أستطيع فعل شيء.كم من الناس خسروا حياتهم من أجلي، مع أنّه يمكنني أن أكون حبيبةً للجميع؛ لكلّ إنسان مهما كان جنسه أو عرقه أو نفوذه. إلى الآن، بعد كلّ هذا الزمن، ما زال هناك بشرٌ يُقتلون بسببي! جنونٌ لا يفسرّه إلاّ قسوة الآلهة.العام 500 ق.مأكاد أطير من الفرح. ففي أثينا هذه الأيام يهتفون باسمي ويعلّقون صوري في مجالسهم الجليلة. هؤلاء الأثينيّون ذوو طباع رقيقة، ويبدو أنّ الخوف في هذه الأصقاع تسرّب من عقول الناس وقلوبهم، وباتوا يجاهرون بحبّهم لي، تحت نظر السماء وسَمع الجنود.كما أن آلهتهم متفهمّون أيضاً. أو هكذا يبدو لمزاجي المتفائل هذه الأيام.العام 71 ق.ميقتلني الحزن اليوم. قتلوه بعد عامين من المعارك التي خاضها لأجل نظرةٍ من عينيّ الساحرتين كما كان يصفهما. قتلوا حبيبي سبارتكوس.ما زلتُ لا أفهم وحشيّة الذين يعطيهم القدر سطوة الحكم. قتلوا سبارتكوس وصلبوا جنوده لأنهم أحبّوني. كيف يُعاقب الحبّ بالسيف، ورغبة العيش بالصلْب؟ ولماذا تسمح الآلهة بقَدَرٍ كهذا يطيح آمال البشر؟أمامي يستوي الجميع. لا بل أقرب الناس إلى قلبي هم هؤلاء البسطاء الحقيقيون، بأرواحهم الخفيفة كثيابهم. هؤلاء الذين سكنتُ أحلامهم كأميرة تسند بين يديها وجوههم المتعبة. لا أدري ماذا فعلوا بجسد حبيبي؟ كنتُ أحكي له في ليالينا الدافئة عمّا شهدته في بلاد الشرق. عن أولئك الفلاحين الذين كانوا يتفرّجون على الامبراطور يبذخ متهادياً فوق أجسادهم المهدودة. هؤلاء المزارعون، كيف أطلقوا صرخات غضبهم ليرعّشوا بها بلاد الصين ويرفعوني فوق أكتافهم كملكة أسطورية. آه… كم رأيتُ غضبات كهذه قبل سبارتكوس. وأحدس أني سأرى الكثير منها بعده، وسأسمع مرّات ومرّات هذه الصرخة التي تصدح باسمي، فترتعش أوصال الأرض على وقعها. ستبقى لسبارتكوس مكانة خاصة في قلبي. سأتذكركَ أيها الحبيب ما حييتُ. وسأحكي عنكَ وعن شجاعتكَ لكلّ من سيتسلهم سيرتكَ. أنا فقط التي ستبقى حيّةً لتحكي قصّتنا التي لا يعرفها سوانا.العام 1970كم تغيّر هذا العالم؟ الصغار لم يعودوا صغاراً، والكبار سقطوا من عروشهم بعدما كنستهم صيحات المظلومين. كانوا ينظرون إليّ نظرة أخيرة قبل أن يلقوا بأجسادهم في براكين ثوراتهم. المائتا سنة الأخيرة مرّتْ وأنا أُغرّب وأشرّق محمولةً على الأكتاف، تهتف باسمي أقوام من أصقاع الأرض، تحفّ بها شهوة الحياة في سمفونية يـبرق فيها اسمي كماسّة الكوهينور. لم أشعر بنشوة كما شعرتُ في العقود الماضية. ولم أحزن كما حزنتُ على الوجوه الجميلة التي قتلها السلاطين وما يزالون. ففي هذه اللحظة التي أكتبُ فيها هذه الكلمات، وأعصر فيها ذاكرتي المبتلّة بدموع السماء، ما تزال جموع من البشر تعيش تحت أقدام طغاةٌ عتاة، يبصقون من أفواههم عفن أرواحهم الضئيلة. كلّما حدّقتُ في عينيّ أحّد هؤلاء الطواغيت، أشاحَ بوجهه عنّي هرباً من رؤية صورتهم القميئة المنعكسة فوق بياضي الفاضح.هذه الجموع لن تسكت طويلاً. أعرف هذا بعد عمري الطويل وخبراتي الممتدة عبر العصور. لو عرف ما تبقّى من طغاة ما أعرفه وشهدتُه لما توغلّوا في رقاب عبادهم، ولتجنّبوا لعنة التاريخ والأجيال. بإعراضهم عنّي، خسروا آخر فرصة لهم ليفهموا التاريخ، ويمتهنوا حبّ البلاد التي يعيشون فوقها. شباط 2012لا أصدّق ما يحصل!في تلك البلاد التي يسمّونها بلاد الشمس، يقتلون الأطفال لأنهم رسموا وجهي على الجدران. وفي تلك البلاد التي أدراتْ ظهرها للنهر يوماً، ومغمضة العينَين ألقتْ هناك الأبجدية، يهتف الصغار والكبار، النساء والرجال بحياتي، ويطلبون كلّهم يدي من السماء. فيُسحلون، ويُسجنون وتُمسح وجوههم بالنار. أيّ طغيان هذا؟جلّادٌ يعيث فساداً وظلماً ودماراً في بلاد كانت تسحب القابلة من رحمها ممالك ومدناً وآلهة يغتسلون في مياهها المقدّسة.هذه البلاد التي انتظرتْ طويلاً أن يستفيق التاريخ من قيلولته. كنتُ أرصدهم وهم يصْلون جسدها في الجحيم. لخمسين عاماً، وهم يصلبونها. وضعوا فوق رأسها أكاليل شوك، وبحثوا عن خاصرتها ليداوموا على طعنها. وها هي تطلق الآن صرخات كتمتْها طويلاً.هذه البلاد التي رأيتها تهرم دفعة واحدة في السنة الماضية من عصف الألم. الدمع ينزّ من رؤوس ساكنيها كالصديد. عيونهم الملتهبة بالبكاء جفّت وباتت قاسية كالبلّور. مطروشة بالدم. وما زالوا يتحدّون قوانين الحياة والطبيعة ويهتفون باسمي في الشوارع والأزقة والساحات: ‘حرية للأبد…’.ما أجمل هذه العبارة وما أفدح ثمنها عليهم!أيتها الآلهة، لماذا تتفرّجين؟أقف أحياناً أمام المرآة، وأكره نفسي. كلّ هذا بسببي! كيف سأستطيع أن أردّ هذا الحبّ كله، وأتحمّل وزر هذه التضحيات الهائلة من أجلي؟ البارحة كنتُ أشارك في جنازة أحدّ الذين قُتلوا بسببي. وعندما لمحتني أمّ الشهيد، ضمّتني بقوة إلى صدرها الدافئ، وهمستْ في أذني: ‘ يا غاليتي وحبيبة ولدي. لقد كان يعبد الأرض التي تمشين عليها، ويلهج باسمك حتى لحظة موته… دعيني أشمّ رائحته على ثيابكِ’.لم أتحمّل الموقف. وهنتْ ركبتاي، انهرتُ على الأرض، وعيناي شاخصة صوب السماء. فحملوني ثانية على أكتافهم، وساروا بي في طول البلاد وعرضها، يحدّقون في وجه الموت ويغنّون. فأيّ شعب هذا؟أيّتها الشمس، هذه بلادكِ، فلا تنسيهم. أنتِ التي منتحتني الخلود. قولي لهم، لن يقدر بشرٌ على دفني.(ديترويت)qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية