بيروت ـ «القدس العربي»: السنوات الخمسون التي أمضاها الفنان التشكيلي وجيه نحلة رفيقاً للريشة والألوان أثمرت ما يقارب العشرة آلاف مولود. جديده معرض استعادي في مركز بيروت للمعارض بعنوان «غزو الآفاق النائية» ينتهي في 31 الجاري. جمع المعرض الفسيح مختارات من مراحل نحلة الغزير العطاء، وشكل ما يشبه الاحتفالية بفنان يحتفل باللون. ويحسن التوأمة بين ألوان متجانسة، وابتكار تجانس بين المتناقضات منه.
بعيداً عن إبحاره وتفننه بالخط العربي الذي أفضى إلى الأرابيسك بعد زمن ليس طويلا، فِسمة اللون وطبيعته لدى نحلة فرحة ومضيئة. هو منحاز للأزرق حتى لو كانت الألوان الأخرى ذات حضور ساطع. الألوان في لوحة نحلة، تتحاكى، تتماوج، تتصادم وتتصارع، ولا شك تتآلف. لديه جموح لأن يطير مع لونه، أو هو يلجأ لامرأة يصنعها من خياله ويحلق بها عالياً.
في المجموعة التي أطلق عليها تعريف «الأعمال الأخيرة» بينها جامع مشترك خفي وظاهر يشي بانتمائها لذائقة نحلة وليس سواه. ومن خلال التجليات اللونية في أعماله التجريبية يمكن حبك الحكايات وقراءة الصور. الملاحظ أن الجنون والجنوح اللوني لدى نحلة ينفذه من خلال الأكريليك على كانفاس، معه يكون أكثر انسجاماً وراحة. أما في بداياته وحين كانت الواقعية تشكل جزءاً لا بأس به من أعماله، انكب على المشهد الانطباعي عبر الزيت على الكانفاس. تلك الأعمال تؤكد دقة نحلة، ونقله للمنظر الطبيعي بأمانة متناهية، وحرصه في نقل التفاصيل التي تجعل من عمله كائناً يتكلم. بداياته مع الانطباعية لم تطل كثيراً حتى راح إلى اتجاهات رسم متعددة، في طليعتها الخط العربي والأرابيسك.
منذ منتصف القرن الماضي بدأ نحلة يخط الخط العربي. تفنن في تظهيره. وقدمه بألوان دافئة معتقة. وفي ذلك الزمن أيضاً كان نحلة في طليعة المجربين لما يُعرف بالوسائط المتداخلة. لجأ إلى الخشب والإكريليك فبدا الخط العربي معه بديعاً في تداخله، واثقاً في نتوءاته غير المرئية. بعد سنوات من اشتغاله على الخط العربي بألوان تميل إلى الترابي، عاد وحلق بهذا الخط من خلال ألوان أخرى تطير فرحاً. تلك الألوان تشكل هوية نحلة وعشقه وليس سواها. وعندما شده المدى لمزيد من التفنن في الأرابيسك بدا نحلة شغوفاً بالنهل من تراث بيئته العاطفي والإنساني.
شكل التجريد سمة المرحلة التي أطلق عليها نحلة تعريف «الدينامية» وحددها بأعمال من عقد التسعينيات. عبرها تابع تلك «المناغشة» التي يخوضها بضجيج غالباً مع اللون. هي مرحلة تتشابه فيها الأعمال المعروضة، وجميعها يشي بوضوح أن نحلة يمسك ريشته واثقاً من ألوانه، ويضرب ضربته فتتشكل لوحته المتمردة على كل قانون. وتحت عنوان خط اليد كان للخط العربي أن يوظف لدى نحلة في فضاءات مزخرفة وصياغات لونية تجريدية.
للمرأة شكلها الجامح نحو الأعالي في أعمال متعددة لنحلة. تحت عنوان «أحصنة وراقصون» كانت مشاحنات لونية كثيرة ظاهرة في لوحات عدّة. امرأة تعانق الشمس أو تدور وتلتف على نفسها في عاصفة من الألوان لترتفع نحو الأعالي. بشفافية التعبير الذي يملكه الاكريليك على كانفاس ظهر الحصان بجماليات خارقة ورشيقة للغاية. هي احتفالية بالحصان الذي يطير، أم بالمرأة المنتصرة التي تعلوه؟ إنها صورة المرأة الزاهية والشبقة بجسدها الممتد وألوانها.
منصات زجاجية توسطت المعرض جمعت منشورات المعارض التي شارك فيها نحلة والتي بلغت الستين. كذلك الميداليات والجوائز والأوسمة التي نالها وهي بالعشرات. وإلى عشرات الأعمال المعروضة تضمن المعرض كذلك فيديوهات تحكي سيرة الفنان. إلى جانب فيلم ثلاثي الأبعاد من إخراج جمال أبو الحسن. وكان تركيزا على إظهار وجيه نحلة وهو يرسم الأعمال الضخمة والجداريات في المطارات والقصور في المملكة العربية السعودية والخليج العربي.
زهرة مرعي