أيها الرصاص
لا تركض سريعاً نحو أجسادهم
لدى الجنود أمهات..
لافتاً حد الدهشة، صافياً كمرايا الروح، ولد النداء الجديد للشاعر قاسم سعودي ممتلئاً بالرجاء الإنساني، فانطلقت الدلالة الشعرية المتوترة تنكشف على التشويق من الكلمات المفتاحية، كان العنوان يومئ من دون إيماءة شاخصة، يضيء من دون مفتاح لشمس أو نجمة، موحياً بقلق ومباغتة نسيج العبارة التي تنغلق على هاجس المعنى حتى يأتي النحو مشرّعاً لها الأبواب أمام غرضها الكامن.
وكان النحو هو المفتاح، لكن الشاعر أخطأ المفتاح حين رأى، تاه في جاذبية الرؤية ومسافاتها السابحة في الدهشة، قفل عائداً للقصائد يتركها على نصف إغماضة ونصف مسافة كي لا تختفي الرؤية العذبة وترتحل التفاصيل، معتذراً بأنه لا بد من خطأ يرتكبه الشاعر في النحو، كيما يسرقنا بحذر نحو بوابات واسعة من الدلالات التي لا حدود لشعابها.
مفاتيح الحقائق مموهة في قصائد سعودي، فلا شيء حاضر كحضور الاستفهام العذب فيها، استفهام الباب الذي ينفتح على المبهم الخفيف لينغلق، ليشفّ في انفتاحه وانغلاقه عن مستوى شعري بعيد المقاصد، كثيف الدلالة والتركيب، كل صورة مركزة جديدة تنتشر على دلالات جديدة، وتنفتح الدلالة بين أحضان النحو، النحو الذي يمد الجملة بما يكفل لها من معنى مباشر ومسالم ويكشف ترتيبها الخارجي، هو أيضاً من شأنه أن يوزع الجملة الداخلية على دهاليز أكبر ذات أبعاد تأثيرية مغايرة.
تجد قصيدة قاسم سعودي متعتها الداخلية حين تكون طليقة من حيز النحو والحدود والدلالة، وحين يخطئ سعودي في النحو فهو يعني بذلك أنه تاه في لذة البحث عن تفسير صريح للبحر الغارق في أفقه الخاص، هذا الضياع الخاص محبب في قصيدة النثر كونها تحملك على الإبحار في مد لا متناه من مجاز الكلمات، فتتعدد إمكانيات القراءة الدلالية، ويصير النص مفتوحاً لكل إشارة.
«حين رأيتكِ أخطأت في النحو» مشهد لولادة حس الانبهار المتنامي متوافقاً مع حركة فلاشية من ضوء علوي غير مرئي، ضوء شعري في الروح انبثق عند لحظة خاطفة للرؤية، فتضافرت مقاصد الكلمات في القصائد بالتموج والتشكل والتذري، لتكون قابلة أكثر للانتشار، وتكون حمالة وجوه كثيرة في التأويل، وحاضنة لوجود ضبابي حر متشابك نازح عن المألوف.
«رأيتكِ» هنا تبدأ لحظة الإعلان عن إنتاج الدلالة وفيض المعنى، ترجع في نهايتها إلى علاقة بدء الخطأ الممتع الماكر والمتعمد بغية بعثرة نظام القرائن والسياقات الحاضنة بأمان وسلام مطمئن للقصيدة، فتغدو مربكة وخطرة حين تحلَق على تشعبات المفارقة وانعطافاتها الصادمة، مناقضة مقاصد وعي القارئ.
في قصائد المجموعة الشعرية «حين رأيتكِ أخطأتُ في النحو» تجد نفسك فجأة تائهاً في دلالة الأنهار البعيدة الهادرة داخل رأس الشاعر، وقد تبصر الشاعر في حالة تجسّد لجوامد ومحطات مستفزة تستقر في روحه القلقة، كأن تراه قفصاً مفتوحاً على طير أعمى، أو معركة كاملة تتساقط عليها النجوم ويرتفع منها عشرات الشهداء، أو شارعاً خاوياً يسير في دوامة داخل نفسه، أو مدينة كاملة ممزقة تحمل صخب الموتى والجنود ودخان العالم، يطوّقها الرصاص وتبتلعها أمواج الجثث وينشغل عنها المطر، ويحبسها الغيم في جنته المتعبة، لتضيع فيها الأرواح تماماً، تختلط، تتبخر، ويركض القاتل والملائكة والأطفال بأمهاتهم في الحدائق المنسية في رأس الشاعر.
ينظر إلى السماء
ولا يرى غير الأرض
دائماً
رأسك مقلوب يا صديقي
ثمة حديقة في كل قصيدة، حديقة تسافر فيها حنجرة سلمان المنكوب، ويسبح فيها حلم صباح معلق على الأمل، حديقة ترضع من ثدي بغداد، لكنها لا تلبث أن تهرب مع الجحيم الذي يركض بعظام النهر المتيبس على الرعب، الجحيم الساخر من البهجة الكاذبة التي نمت من نصف قلب لنجمة، ونصف تغريد سريع لألف بلبل، ونصف هالة شحيحة سطعت على رؤوس الأرامل، وطيور كاملة ارتفعت بعيداً جداً في الضوء بأطفال بغداد، وبحديثها المنسي في شفاه الفاتنات، ارتفعت بأكتاف الجنود التي لمعت عليها أشجار ميتة وأسماك تأخرت في النوم كثيراً ولم تستيقظ إلا حين ارتفع النهر، فغاب الجميع في سماء القصيدة.. وسريعاً جاء القطاف:
بالفطرة
صار جسدي الطويل بندقية
بالفطرة
ضغطتُ على الزناد
بالفطرة أيضاً
قتلتُ جاري الذي طرق الباب ليدعوني للعشاء
وعدتُ أتسامر مع بنادقي الصغيرة أطفالي..
الكثير من شجن الأسى وعصارات الحزن، والعظيم من الصباح النقي ورجفة حفيف الفرح، والمزيد من الركض في الحب، المزيد من التسلل خارج الحدود المشغولة بالكراهية الملقاة في الشوارع، كل ذلك له أعشاش سلام وأمل ومحبة واسعة الضوء، باذخة في المتاهة اللذيذة، تشغل رأس القصيدة عند الشاعر قاسم سعودي….
«حين رأيتكِ أخطأت في النحو» مجموعة شعرية صدرت من دار العين للنشر، تتألف من 16 نصاً شعرياً موزعة على شكل مقاطع قصيرة، وتقع المجموعة في 202 صفحة، من القطع المتوسط وبلوحة غلاف للفنانة المصرية صابرين مهران. والجدير بالذكر أن قاسم سعودي شاعر وصحافي عراقي له العديد من النصوص المنشورة في الصحف العربية، سبق أن أصدر أربع مجموعات شعرية «رئة ثالثة» و«مصباح مغلق» و«ما لم يره الراكض» ومجموعة «كرسي العازف» التي فازت مؤخراً بجائزة أثير الشعرية 2014 في العاصمة العمانية مسقط.
كاتبة إماراتية
لولوة المنصوري