«رجم ثريا» رواية للصحافي الفرنسي من أصل إيراني، فريدون صاحب جم، كتبها سنة 1990 بعد تسلله خلسة إلى إيران وهو المحكوم عليه بالإعدام إبّان ثورة الخميني سنة 1979، لانتقاده سياسة هذا البلد .فهو أوّل صحافي يتناول جرائم دولة إيران الإسلامية ضدّ المجتمع الإيراني، نساء وأطفالا, وقد نقل لنا خلال هذا التسلل قصة حقيقية وقعت في «كوباييه»، وهي إحدى القرى الإيرانية أثناء حكم الخميني، لامرأة تدعى ثريا، رُجمت حتى الموت لأنّ زوجها اتهمها بالزنا باطلا، وذلك للتخلّص من التبعات المادية لطلاقها وحتى يتسنى له الزواج بامرأة أخرى .
رواية أثارت ضجة آنذاك وتُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة, وحُوّلت إلى شريط سينمائي إيراني ناجح سنة 2008.
ظهرت هذه الرواية هذا العام بترجمة عربية للقاص والمترجم التونسي وليد سليمان عن دار«مسكيلياني» للنشر وبمقدمة للروائي السعودي عبد الله ثابت, الذي يقدّم شهادة في الموضوع، وعن اختيار هذه الرواية في هذا التوقيت للاشتغال بترجمتها يقول مترجمها وليد سليمان في أحد حواراته: «كل كاتب مطالب في اعتقادي بأن يقف في وجه الاستبداد بكل أشكاله. من هذا المنطلق وجدتُ في رواية «المرجومة» عملا فنيا يستحق الترجمة لأنه يتناول جملة من القضايا المُلّحة التي لا يعاني منها المجتمع الايراني فقط، بل العديد من المجتمعات العربية والإسلامية». وفعلا يقدم فريدون في هذا العمل قصة موجعة وصادمة لانتهاك حقوق المرأة في المجتمعات الشرقية والاستبدادية راصدا فيها حياة ثريا من طفولتها حتى رجمها .رواية لا تتركز على بناء تجريبي ولا على حيل سردية، وإنما هي مجرد سرد وقائع وأحداث, هي رواية تسجيلية بالأساس.
استبداد المجتمع الذكوري وانتهاك حقوق المرأة
منذ طفولتها يبين فريدون في هذا العمل كيف تربت ثريا في عالم الرجال، من دون صوت ولا قيمة، فهي شيء من الدرجة الثانية تتربي وسط قوانين جائرة، تجعلها تفقد إنسانيتها. فلا نصيب لها في التعليم إلاّ من بعض التعاليم الدينية التقليدية, وما يزيد في التعدي على هذه الطفولة هو اشتغالها عند الأرباب وهي لم تنعم بطفولتها بعدُ حيث تتعرض لشتى أشكال الإهانة المعنوية والجسدية، ثم تُزوّج عُنوة ومن دون استشارتها وتدفع هي المهر وكأنه ثمن التخلص من هذا العار «كانت ثريا هي وحدها التي حملت مهرا .»
تتزوج فتدخل في معاناة ثانية معاناة استغلال الزوج لها فعليها الاعتناء به وبالأطفال والبيت، من دون أن يكون لها أي حقوق, حتى العائلة ليس لها الحق في التدخل بينها وبين زوجها، اذا تعرضت إلى مظلمة. ونتيجة لمعاملة زوج ثريا (غربان علي ) السيئة، الضرب والإهانة هرمت قبل أوانها. وعلى المرأة أيضا في هذه الظروف أن تتحمل مسؤولية مجون وخيانة زوجها «وكان يترددعلى الألسن أنه مادام غربان علي يتسكع عوض البقاء في منزله قرب أهله فذلك يعني أن ثريا زوجة سيئة .»
وتتواصل هذه القوانين الجائرة فحين اتهمها زوجها بالخيانة والزنا كان عليها كامرأة أن تثبت براءتها «فعندما يتهم رجل امرأة عليها هي أن تثبت براءتها، إنه القانون. وفي المقابل إذا اتهمت امرأة زوجها فعليها هي أن تأتي بالأدلة .»
وهكذا عاشت ثريّا بلا صوت ولم تستطع أمام هذا الاتهام الجائر الذي تواطأ فيه كل رجال القرية، حتى أقرب الناس اليها كوالدها وابنيها أن تنبس بكلمة وأن تثبت براءتها أمام جنون قانون غير عادل. ويرى وليد سليمان في شخصية ثريا أنّها يمكن أن تكون «رمزا كونيا للمرأة المضطهدة في المجتمعات الشرقية، ترقى إلى مصاف الأيقونة مثلها مثل جان دارك، بالنسبة للأنظمة الثيوقراطية التي تتستر بالدين وتتخذه ذريعة لفرض أفكار معينة .»
ثورة الخميني: الاستبداد الديني وزيف رجال الدين:
يُصّدر فريدون روايته بقول للشاعر الفارسي حافظ الشيرازي: «لا تكن مثل المنافق الذّي يظنّ أنّه يخفي مكرها بترتيله القرآن عاليا». في هذا الصدد يرصد فريدون الاستبداد الديني للمجتمعات الإسلامية ومؤسسة النفاق، خاصة بعد ثورة الخميني وحريتهم المطلقة في إصدار الأحكام والتلاعب بالدين واستغلال البسطاء للسيطرة على عقولهم وأموالهم «اختفت كل صور الشاه.. وعُوّضت بصور لشخصيات عبوسة ذات لحى وعمم» وذلك عبر رصد لشخصية الملاّ حسن الذي كان من السوابق، حيث اتهم بالتزوير والاختلاس وإصدار صكوك من دون رصيد وكان شاذا جنسيا فكان يمثل خطرا على الأطفال الذين كان يدرسهم في إحدى القرى, ورغم ذلك تعاظم دوره ولعبت الظروف لصالحه، خاصة بعد ثورة الخميني .
وقد استغل حسن بساطة القرويين وجهلهم وعدم قدرتهم على القراءة للتوغل في القرى واستغلال القليل من معارفه الدينية وحفظه لبعض آيات القرآن أن ينصّب نفسه الناطق باسم الإمام « بدأت تظهر بوضوح هيمنة رجل الدين المزيف على العمدة وبدأ يملي عليه رغباته، «كان بارعا في التزلف والمراوغة».
وقد قدّمه فريدون بطريقة مقززة ومنفرة، فبالإضافة إلى أنّه مجرم، يعرض الملاّ حسن على ثريا أن تكون خليلته، من دون الخروج على تعاليم الدين الحنيف كيف ذلك؟ هذا ما لا يصعب على الملاّ حسن تطويع آيات القرآن لصالح أغراضه الدنيئة. وأمام رفضها هذا العرض وتشفيا فيها يتآمر الملاّ حسن مع الشيطان زوج ثريا ويثبتون عليها تهمة الزنا بشهود زور وتحت التهديد ويحكمون عليها بالرجم حتى القتل بمباركة من كل رجال القرية ونسائها أيضا .
النهاية الرمزية: الحياة مقابل الموت:
في نهاية رمزية ولا ندرى إن كانت مطابقة للواقع، وفي لحظة بداية رجم الرجال لثريا في الساحة العامة تأتي عربات السيرك إلى القرية لتقوم بعروضها هناك، وبين عربات الحيوانات ينزل المهرجون بملابسهم الملونة ووجوههم المزينة, وعوض رمي الحجر على ثريا كانوا يرمون قطع الحلوى على المتجمهرين حولها وكأنّ فريدون أراد أن يقول إنّه رغم مأساة ثريا إلاّ أن الحياة لا بد أن تستمر وأن الحياة أقوى من الموت، في حين ينسحب المهرجون على أثر تشنج أهل القرية ورغبتهم بسرعة تنفيذ حكمهم على ثريا.
تبدأ مراسم حفلة رجم ثريا حتى الموت بداية من حجرات والدها العجوز، حيث كان أول الراجمين إلى أن انقطعت أنفاسها وتُركت جثتها للكلاب لأنه يُمنع على الفاجرات الفاسدات مثلها أن تُقبر في مقبرة المسلمين.
ناقدة تونسية
ابتسام القشوري