بيان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن) في نهاية الاسبوع الماضي في اثناء انعقاد اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف في رام الله، حول الاستقالة من منصبه طرح على الفور السؤال: هل هذه خطوة سياسية تستهدف تعزيز ابو مازن والسلطة، في خطوة تحدث لحماس أم هي تنظيف للاسطبلات بهدف تطهير اللجنة التنفيذية من خصوم ابو مازن؟
ان استقالة ابو مازن وتسعة من اعضاء اللجنة التنفيذية لن تدخل حيز التنفيذ الا عند انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في غضون شهر، وفيه تجرى انتخابات جديدة للجنة التنفيذية. وحسب التقديرات، فمن خلال هذه الخطوة يأمل ابو مازن بابعاد خصومه من قيادة م.ت.ف ـ وبينهم ياسر عبدربه، امين سر اللجنة السابق الذي اقاله ابو مازن من منصبه قبل نحو شهرين ـ واستبدالهم بالموالين له.
«مع استقالة رئيس اللجنة، رئيس السلطة ابو مازن وتسعة من اعضاء اللجنة نشأ فراغ قانوني»، قال عضو اللجنة التنفيذية واصف ابو يوسف بعد البيان، «وعليه يدعى المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد في جلسة استثنائية في غضون شهر لانتخاب لجنة تنفيذية للمنظمة. وتدخل هذه الاستقالة حيز التنفيذ مع انعقاد المجلس الوطني ـ الذي يعتبر برلمان م.ت.ف ـ لانه هو الذي انتخب الاعضاء المستقيلين»، اضاف ابو يوسف. «المجلس الوطني هو صاحب الصلاحيات القانونية لقبول الاستقالات وانتخاب لجنة تنفيذية جديدة». في ضوء حقيقة انه حسب الدستور الداخلي لـ م.ت.ف، فان المجلس الوطني وحده يمكنه ان يصادق على استقالة رئيس السلطة، تعتبر الاستقالة حاليا غير قانونية.
وفي اثناء هذه الجلسة الحاسمة عين ايضا صائب عريقات، من كبار رجالات السلطة الفلسطينية، امينا عاما للجنة التنفيذية ـ الهيئة العليا للمنظمة ـ باغلبية عشرة اصوات. وامتناع أربعة. وفي نهاية الجلسة، سارع عريقات إلى الوقوف امام الكاميرات لينقل رسالة تقول ان ليست الامور الشخصية هي ما يقلق القيادة الفلسطينية.
فضلا عن الاستقالة وانعقاد المجلس الوطني، اتهمت اللجنة حكومة إسرائيل بالمسؤولية عما وصفته «بجرائم المستوطنين ضد الشعب الفلسطيني والاحراق حتى الموت الرضيع علي دوابشة وابيه». اضافة إلى ذلك، اتهمت اللجنة إسرائيل بمواصلة مصادرة الاراضي الفلسطينية في منطقة بيت لحم، هدم المنازل، اقتلاع السكان من منازلهم و «سياسة الابرتهايد ولا سيما في شرقي القدس». كما اشارت اللجنة التنفيذية إلى الرغبة في الوصول إلى مصالحة فلسطينية داخلية وانهاء الانقسام وذلك «بهدف الوقوف في وجه مخططات إسرائيل الهادفة إلى تدمير المشروع الوطني الفلسطيني». وضمن امور اخرى دعت اللجنة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من أجل مواصلة اعادة بناء غزة ورفض كل المخططات التي تستهدف «فصل غزة عن الدولة الفلسطينية».
وأوضحت اللجنة بان إسرائيل مسؤولة عن حياة السجناء الفلسطينيين. وبالنسبة للاتفاق النووي مع إيران اشارت اللجنة التنفيذية إلى انه يجب «عمل كل شيء من اجل جعل منطقة الشرق الاوسط نقية من السلاح النووي واسلحة الدمار الشامل، التي توجد لدى إسرائيل».
كما أعلنت اللجنة عن نيتها مواصلة الاجراءات القانونية في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي ورفع قضية احراق ابناء عائلة دوابشة حتى الموت في قرية دوما. ودعت اللجنة إلى «حماية دولية لابناء الشعب الفلسطيني ـ في دولة فلسطين المحتلة في الضفة الغربية، شرقي القدس وقطاع غزة ـ وتطبيق قرارات جنيف في 1949».
كما قررت اللجنة تسريع تطبيق قرارها في اذار الماضي باعادة تعريف العلاقات السياسية، الاقتصادية والامنية مع إسرائيل بعد أن «تنكرت حكومة إسرائيل لكل التعهدات في الاتفاقات الموقعة».
«عملية جراحية»
لم ينعقد المجلس الوطني الفلسطيني منذ 19 سنة، الا «في جلسة خاصة لاستقبال الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلينتون» في 1996. وكان المجلس الوطني هو الذي انتخب اللجنة التنفيذية التي تتشكل من كل المنظمات الفلسطينية بما فيها فتح، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحزب الشعب الفلسطيني. وبينما تعتبر م.ت.ف في العالم العربي وفي الاسرة الدولية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، تعتبر اللجنة التنفيذية «حكومة» م.ت.ف التي بقراراتها تتقرر الامور وقد انتخبت كقيادة رئيسية من المجلس الوطني الفلسطيني.
وحسب الدستور الداخلي لـ م.ت.ف تتشكل اللجنة التنفيذية من 15 ـ 18 عضوا. إذا استقال ثلث اعضائها او كفوا عن القدرت على اداء مهامهم لاي سبب كان، فان على المجلس الوطني أن ينعقد في غضون 30 يوما كي يملأ الفراغ او ينتخب لجنة جديدة.
وأثار بيان ابو مازن جملة من ردود الفعل بين المنظمات الفلسطينية الاعضاء في اللجنة التنفيذية. بعضهم وضع شروطا لانعقاد المجلس الوطني. هكذا مثلا، دعا بسام ابو شريف، المستشار لرئيس السلطة السابق ياسر عرفات، الشعب الفلسطينية إلى الاصرار على حقه في انتخابات ديمقراطية لانتخاب مجلس وطني جديد ينتخب فيه ممثليه ولا يعتمد على الممثلين الحاليين في المجلس الوطني ليمثلوه. وقال ابو شريف انه «يجب اعادة انتخاب بنية وقيادة م.ت.ف. فانتخاب لجنة تنفيذية من مجلس وطني قديم سيجلب شيوخا لتمثيل الشعب الفلسطيني. يجب العودة إلى الشعب كي لا ينتخب اناس يمثلون منظمات لم تعد توجد بيننا. يجب أن يؤخذ بالحسبان أن يكون الممثلون الجدد مستعدين للتضحية من اجل تحرير الوطن، مكافحة الفساد وسلب اموال الشعب، وكذا الحرص على استقلال القضاء، بحيث أن احدا، بما في ذلك الرئيس، لا يكون فوق القانون.
كما شدد عضو المجلس الوطني الفلسطيني على انه «يجب اجراء عملية جراحة ملزمة لانقاذ الوضع الفلسطيني. لقد مل الشعب مواقف اعضاء اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني القائمين، وحان الوقت لان يأخذ الشعب على عاتقه قيادة الوضع.
ودعا حزب الشعب الفلسطيني هو الاخر إلى انتخاب اعضاء جدد في المجلس الوطني وللجنة التنفيذية بهدف انعاش الصفوف. ودعا الحزب إلى عقد جلسة عادية للمجلس الوطني وليس جلسة استثنائية، من اجل منح فرصة لكل واحد ان يعرض مواقفه.
ووصف مسؤول حماس الكبير موسى ابو مرزوق الاستقالة بانها «لعبة مسرحية» من رئيس السلطة ابو مازن. وسارع عضو في اللجنة التنفيذية إلى القول ردا على ابو مرزوق «حتى لو دعينا إلى اجتماع عادي للمجلس الوطني، فان موقف حماس لن يتغير».
«مواصلة ما هو قائم»
رغم أن الكثيرين يرون في اللجنة التنفيذية «مجموعة من الشيوخ وكبار السن»، لا يمكن تجاهل حقيقة أن اعضاء اللجنة نجحوا في نهاية الاسبوع في اعادة تفعيل مؤسسات المنظمة، ما اثار ردود الفعل والاهتمام الشديد في إسرائيل، ولعله اكثر حتى مما في الشارع الفلسطيني. غير أن محافل في إسرائيل تعتقد ان ابو مازن لن يستقيل جدا في نهاية المطاف. «يبدو ان هذا تهديد آخر من ابو مازن نحو إسرائيل»، يقول مصدر في إسرائيل. «لقد هدد ابو مازن مرات عديدة بالاستقالة، ولكنه في نهاية المطاف سيبقى في منصبه».
«ابو مازن يريد أن يبعد اناسا لا يحبهم، مثل ياسر عبد ربه، وان يدخل رجال اجهزته، إذ مع ذلك هذا هو المحفل الرئيس والاعلى من ناحية قانونية، يقول البروفيسور هيلل باريش، من مركز بيغن ـ السادات للدراسات الاستراتيجية. «اعتقد انه يريد ايضا ان يشبب رجال اللجنة، فالعمر المتوسط في اللجنة التنفيذية يقترب اليوم من 80. والمشكلة الكبرى هي ان الحديث يدور ظاهرا عن خرق اتفاقات الوحدة مع حماس والجهاد الإسلامي، والتي تقضي بوجوب عقد المجلس الوطني بشكل عادي (وليس اجباره على الانعقاد من خلال الاستقالة). وبالطبع، حماس لا ترى هذا بعين العطف ولا تستطيب ما فعله».
كيف ستؤثر الاستقالة على مكانة ابو مازن في المجتمع الفلسطيني؟
«ميزانية السلطة هي 3 مليار دولار، وهذا مال كثير جدا. 180 الف عائلة تتلقى رواتب مباشرة من ابو مازن، من 63 الف في غزة. عندما أنظر إلى المظاهرات من اجل السجناء، تشارك فيها عائلات قليلة فقط. عندما أنظر إلى الاعتقالات، 1.500 معتقل تقريبا لدى السلطة من رجال حماس والجهاد الإسلامي ـ قلة جدا من الاعتقالات تنتهي بعنف الشارع. بتعبير آخر، المجتمع الفلسطيني لا يتجند ضد ابو مازن. توجد لابو مازن اجهزة الامن، والكثير جدا من الناس ممن يتلقون التقاعدات، والامر يتسلل إلى الداخل. وضعه بالتأكيد معقول. انا لا ارى أي خطر على مكانة ابو مازن. كان خطر على مكانته من ناحية الربيع العربي ولكنه لم يتحقق. هناك امر واحد يتمتع به، مثل الملك عبدالله. نحن لا نعرف إذا كان الملك الاردني شعبيا، ولكننا نعرف بان اغلبية الاردنيين، إذا ما نظرنا شمالا بعض الشيء وشرقا بعض الشيء، فاننا نرى العراق وسوريا، وعندها يقال: «نحن نعيش في الجنة. الفلسطينيون هم اناس مثقفون وهم يعرفون بان عباس يقدم لهم الامن، وكذا شبكة اقتصادية واجتماعية دنيا، ومن سيأتي بعده ـ من يدري كيف سيكون؟ كل الاخبار من العالم العربي، باستثناء تونس، غير مشجعة، ولهذا فانهم سيفضلون المواصلة مع ما هو قائم».
«ما يحاول ابو مازن عمله، بسبب عمره، وبسبب الوضعية التي نشأت له، هو ان يبقي رجاله في المواقع الاساس»، يقول اللواء احتياط يعقوب عميدرور، رئيس قيادة الأمن القومي سابقا، رئيس دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات والسكرتير العسكري لوزير الدفاع. «لقد اطاح بياسر عبد ربه ويريد اناسا موالين له، ويريد ان يبقى الموالون له بعده ايضا. هذا امر لا يرتبط بنا، ولكن هذا زمن مريح لاجراء هذه التغييرات، في الوقت الذي لا توجد فيه مفاوضات مع إسرائيل، ولمحاولة ادخال اناس موالين له وابقاء ارث، إذ بالاجمال ينهي ابو مازن، والكل سيسأل ـ ذهب عرفات وذهب ابو عرفات، فماذا تغير».
وعلى حد قول عميدرور، فان ابو مازن معني بان يبقي رجاله بعده ويضمن الا يدخل اناس مثل ياسر عبد ربه، محمد دحلان وسلام فياض، والذين على حد قوله «يعرضون بديلا لبناء جدي لمؤسسات الحكم مع فساد اقل».
ما الذي دفع ابو مازن لاتخاذ هذه الخطوة؟
«ابو مازن يشعب بان لديه مشكلة ولهذا اطاح بعبد ربه. انت لا تفعل امورا كهذه إذا لم تشعر باحساس الاهتزاز. لنا وللفلسطينيين توجد مصلحة مشتركة. احد منا لا يريد ان يرى يهودا والسامرة تنفجر مثلما انفجرت مناطق في الشرق الاوسط. هذا هو اساس التعاون الحالي بين الاجهزة الإسرائيلية والاجهزة الفلسطينية. في الماضي كان أمل في أن يجلب هذا التعاون تطورا سياسيا. ولكن ابو مازن اتخذ قرارا استراتيجيا في الا يكون مثل هذا التطور».
ياسر عقبي
معاريف 25/8/2015
صحف عبرية