جميل هو لبنان، جميل بطبيعته ومناخه، طبعا قبل تكوم أطنان القمامة في شوارعه بسبب انحطاط سياسييه. جميل بلقمته الطيبة التي لا تكاد تنافس، إن لم يطلها فساد المواد المسرطنة. جميل بنسائه اللائي أصبحن رمزا للأنوثة والجاذبية، وحلمه الخائب لأن يكون قطعة من الغرب. وجميل بأصوات مغنيه ومغنياته الكثر لمن يحب الفن، وإن كان الفن فيه قد أصبح سوقا مفتوحة لتبذل المتهتكين والمتهتكات دون رقيب أو حسيب.
عدا ذلك، لبنان مع الأسف الشديد يكتنفه القبح وتكلله البشاعة من كل صوب، فهو يعبر عن كيان طائفي مريض بغيض لا علاقة له بمفهوم الجمال أو التحضر من قريب أو بعيد. وما التحضر المزعوم لأهله، وتقليدهم لسكان باريس ونيويورك في أزيائهم وسلوكهم المظهري وتقعرهم بالحديث بالفرنسية والإنكليزية بمناسبة ودون مناسبة، إلا مجرد غطاء زائف هش مصطنع، كشفت حقيقته الرثة الحرب الأهلية البدائية المتوحشة التي تهيمن بروحها على البلد منذ عقود!
كثيرا ما أتساءل: ما المشكلة حقا في لبنان؟ ولماذا لا يستطيع ذلك البلد الصغير في حجمه وسكانه أن يتحول إلى دولة طبيعية، ذات نظام طبيعي متوازن، يأّخذ بالديمقراطية الفعلية وينبذ أسس المحاصصة القميئة، التي يعرف الجميع أنها قد حولته إلى نظام ممسوخ مثير للرثاء والازدراء، يعجز بالضرورة عن إكساب المنخرطين فيه الحد الأدنى من قيم المواطنة والإحساس بالأمان والتعايش الصحي!
المشكلة فيما أزعم، ودون تناسي المؤثرات الخارجية، تكمن أساسا في الزعامات التقليدية التي تكتم على أنفاس البلد مذ وجد، وتتعامل معه وكأنه مزرعة سائبة توارثوها، ومع سكانه وكأنهم قطيع عاجز جاهز للتحرك بمجرد الإشارة. تلك الزعامات التي كانت وما تزال على أتم الاستعداد للمبادرة ورفع السلاح للحفاظ على امتيازاتها المسروقة من عرق الناس، مهما رفعت من شعارات، لن تكون معنية أو راغبة، أو قادرة حتى، على إصلاح حال البلد، وانتشاله من المستنقع الذي أسقطته فيه.
تلك الزعامات العنترية التي ما تزال تعيش بعقلية عصور الإقطاع المتخلفة، ما تزال أصابعها تقطر بالدماء. ولو كانت هناك عدالة على هذه الأرض، لوجب أن يساقوا جميعهم إلى السجون حتى آخر لحظة في حياتهم. لا أن يظلوا في مواقعهم المتنفذة يتشدقون بالحديث الكاذب المتبجح الذي لا يؤمنون به ولا يفهمونه عن الديمقراطية والإصلاح والتقدم!
التعويل الوحيد اليوم هو على الشباب اللبناني، الذين لم تتلوث أيديهم بالدم. فهم بحاجة إلى ثورة حقيقية تُحدث قطيعة تامة مع تراث آبائهم المضرج بثقافة القتل والاغتيال والإقصاء. نعم، إن الشاب اللبناني يحتاج إلى أن يقتل أبيه، قتلا رمزيا بالطبع، كي يتحرر من كل العقد التي يراد له أن يرثها، التي ستحكم عليه إذا ما تجذرت في وجدانه بأن يعيش هو أيضاً ومنطق الغابة المستذئبة يحكم تفكيره.
كم هو رائع أن تتسع الانتفاضة المبشرة التي يقوم بها الشباب اللبناني اليوم ضد تراكم جبال القاذورات أفقيا وعموديا، وأن تمتد وتصّاعد حتى تضمن تكنيس البلد كله من المخلفات البشرية التي تدنسه. فهل يكون شباب لبنان هو الذي سيعيد للربيع العربي نضارته التي خبت بسبب حراس الزبالة من المحيط إلى الخليج!
د. خالد سليمان
أكاديمي عربي مقيم في كندا