لا يزال في لبنان أناس لا يتظاهرون. مهما بلغ الوضع المعيشي من بؤس، لن يتظاهروا. لا يزال هناك من يمر عبر مظاهرة، ليطل برأسه من سيارته ويدوس برجله ببطء على زناد «الفريم» كي تتسنى له رؤية المحتجين وقراءة بعض لافتاتهم، قبل ان ينطلق عند أول ”زمور” يستعجله.
لا يزال هناك من يتعامل مع المظاهرات على أنها مهرجان شعبي يلعب فيه دور المتفرج، ويطلق فيه ابتسامات خجولة ونظرات فضولية، ثم يعود ويكمل طريقه إلى البيت. لا يزال هناك من يتعامل مع المظاهرات على أنها انفجارات موقوتة، كذاك الذي يتجنب السير على خط مظاهرة ويأخذ طريقا فرعيا أو جانبيا، وكأن رصاصاً سينهال عليه وحده دون غيره. ولا يزال هناك من يردد لأولاده السمفونية ذاتها: ”يا بابا شو بدنا فيهن نحن، هني يصطفلوا”، أو ”شو بدك بها القصص يا بنتي، من ايمتى كنتي تهتمي بهيك أمور، ركزيلي على درسك هلق”. ولا يزال هناك من يصنف نفسه على أنه خارج الحراك الشعبي، أي حراك شعبي، لأنه لم يسبق له أن شارك في مظاهرة، مع العلم أنه يشارك المتظاهرين المشاكل نفسها والوضع المعيشي البائس نفسه، والمصير نفسه.
هناك من لا يعرف أنه اتخذ قراراً أبدياً بعدم التظاهر لأنه لم يسأل نفسه يوما لماذا لا ينزل، هو الآخر، إلى الشارع. هؤلاء الناس، وهم كثر، يعتبرون أن هناك دائماً من يقوم بهذه المهمة عنهم، كأن الشارع يأتي مجهزا بناسه. ليس هذا كل شيء. هناك بعد من يبرر عدم ضرورة نزوله إلى الشارع بالحكم على هذه الاحتجاجات بالفشل المسبق. وموقفه هذا، بالمناسبة، موقف دائم لا يتغير مهما تطورت الأحداث، لا بل يأتي مدعوماً بالتحاليل السياسية التي هي أصل البلاء. يقول إنه، هو وحده، لن يساهم في تغيير هذا المصير، لن يقدم ولن يؤخر. هذه هي الجملة الشهيرة!
منذ أن بدأ الشباب اللبناني يتظاهرون في وسط بيروت للمطالبة بإسقاط النظام والمناداة بثورة تطيح بكل المسؤولين من دون استثناء، تميزت شوارع وسط بيروت بوجوه جديدة انتفضت على هذا الواقع. ظهر، مثلاً، شاب اسمه علي من بين المتظاهرين وقال حينها للكاميرا أجمل ما قيل في الحراك الشعبي الذي بدأ نهاية الإسبوع الماضي: ”أنا جاي اتظاهر هون، ما معي ألف ليرة بجزداني، وصلوني رفقاتي، بيي قللي مشي معي عالضيعة، قلتلو لا بديش، بدي اجي اتظاهر”. كان هذا نموذجا جميلا عمن ضاقت بهم السبل ووجدوا أخيراً في ثقافة التظاهر الوسيلة الأمثل لمحاولة تحقيق تغيير ما.
يعيدني مشهد هذا الشاب، إلى موقف مشابه. ذات مرة، حاولت التأثير على إحدى صديقاتي للخروج معي إلى مظاهرة. كانت هذه هي المرة الاولى التي تشارك فيها في نشاط من هذا النوع. في وسط المظاهرة، كنت أراقب حنين عن كثب.. عيناها تتحركان في كل الاتجاهات، تطلق ضحكات خجولة كل ما علا صوت الهتافات، وتغطي وجهها بكفيها أحيانا، خجلا لا خوفاً، ذلك الخجل الذي يميز التجربة الأولى. قالت حنين لي عند نهاية اليوم، إنها سعيدة بما قامت به، وأنها ستشارك في مظاهرات مماثلة من ذلك اليوم فصاعدا. كانت تبدو وكأنها اكتشفت إحدى مهاراتها أو إمكاناتها التي اعتقدت، لسبب تجهله، أنها لا تجيدها. اكتشفت حنين أن المتظاهرين أشخاص عاديون مثلها، وأنها باستطاعتها القيام بما يقومون به، وأن ليس عليها أن تكون ناشطة في المجتمع المدني، أو طالبة، أو صحافية كي تملك الحق في التظاهر. كان هذا كل ما تطلبه انضمام حنين إلى المتظاهرين، أن تنزل إلى الشارع وتسير في أرجائه، أن تختبر علو صوتها فيه لأول مرة.
بيروت بحاجة اليوم إلى المزيد من الناس الصادقين كعلي، الخجولين كحنين. الشارع بحاجة إلى من لم يختبر قوته ومتعته بعد. وإلى كل من لايزال يشاهد المظاهرات من خلف شاشته الصغيرة، ألا تخنقكم النفايات أنتم أيضاً؟ ألا تنقطع الكهرباء في بيوتكم؟ ألا تعانون من غلاء المعيشة وفساد الدولة، أنتم أيضاً؟ هذه فرصة جدية لبيروت وشبابها، فرصة قد لا تتكرر، فلينزل الجميع إلى الشارع. الشارع بحاجة لكم جميعاً.
٭ اعلامية لبنانية
ريما شري