على هامش الحرب الباردة في الشرق العربي

حجم الخط
0

بعد مضي نحو خمس سنوات على بزوغ فجر الربيع العربي، عادت بعض بلدانه إلى السلطوية الشمولية، والبعض الآخر تفككت فيه الدولة بالكامل، أو دخلت في حروب أهلية طاحنة، باختصار، انتقلنا من سيئ نعرفه إلى أسوأ مجهول، لكن في حين يبدو هذا التشخيص قاتما أكثر من اللازم، يبقى الاستياء عميقا حيال النخب الحاكمة على امتداد العالم العربي، استياء قد يكون بمثابة الزناد لتعبئة شعبية جديدة.
لا ننسى أن الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، التي طالب بها المحتجون منذ خمس سنوات تبقى مسائل عالقة يمكن أن تؤدي إلى موجة ثورية ثانية وربما ثالثة، إن لم يكن ذلك حتميا. لكن أي محاولة جديدة للنهوض بأعباء استحقاق التغيير السياسي في الشرق الأوسط لن تحدث ولن ترى النور عمليا، إلا بعد أن تضع أوزارها الحرب الاقليمية الباردة بامتداداتها الدولية الجارية أحداثها في أعلى مستوياتها التدميرية في منطقة الشرق العربي، والتي آثرت القوى المعادية للتغيير إشعالها على أن تواجه ما يتطلبه ذلك الاستحقاق في التغيير من تحديات تاريخية، تتطلب تقديم تنازلات حقيقية لصالح آليات التغيير في المجتمع والدولة، والاعتراف بقواهما التقدمية الدافعة لا القضاء عليها واقتلاعها من جذورها، متذرعة تارة بمؤامرات كونية خارجية، وتارة أخرى بحرب خادعة ضد ما يسمى بالارهاب، ولنا في التجربة اليمنية مثال، حيث ينبثق السؤال حول مصير الحرب ضد تنظيم «القاعدة» هناك، التي ظلت مستمرة لسنوات دامية طويلة ودفع الشعب اليمني أثمانا باهظة لها، قبل أن تختفي فجأة مع تفعيل دور ذراع إيران الضاربة هناك متمثلة في تحالف الحوثيين مع فلول نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، الذي سيطر على كامل التراب الوطني بين ليلة وضحاها مثلما سيطر تنظيم «الدولة الاسلامية»، وخلال زمن قياسي مماثل على مناطق شاسعة من العراق وسوريا. على المقلب الآخر، لا بد من التوقف عند ظاهرة غريبة من نوعها ساهمت بدورها في قتامة هذا التشخيص، ولم تتجل في عدم تقدير قوة معسكر أعداء التغيير كما هي في الواقع فحسب، بل في الاستهانة بتلك القوة وفي الابقاء على دور فاعل لها في صيرورة عملية التغيير الفاشلة، واعتبارها من ضمن معسكر التغيير بوصفها تحمل عقيدة وطنية على غرار المؤسسة العسكرية في مصر المتصدرة للمشهد السياسي الأسود في هذا البلد العربي منذ خمسينيات القرن الماضي، التي تعمل ضمن منظومة اقليمية ودولية معروفة للقاصي والداني، وتظللها مظلة واحدة يعمل الجميع تحت سقفها، بما في ذلك القوتان الرئيسيتان اللتان أشعلتا فتيل تلك الحرب الباردة: إيران والسعودية، اللتان يتحرك صراعهما على أرضيتين، الأولى جيوسياسية تتعلق بمحاولة بسط النفوذ، والثانية أيديولوجية دينية، لكن من دون أن تصل حدة ذلك الصراع حد التناحر أو يقود ذلك إلى مواجهة مباشرة في أي حال من الأحوال.
صحيح أن طرفي الحرب الباردة تلك يفترقان ويتناقضان عند هذا المستوى الجيوسياسي والأيديولوجي، الا أنهما يلتقيان بقوة عند مستوى العداء لأي نوع من التغيير الداخلي في نظامي الحكم السائدين في كل منهما وفي بقية النظم الحاكمة الدائرة في فلكيهما، وهكذا يلتقيان أيضا بوصفهما أبرز القوى الإقليمية المضادة للثورة، بالتزامن والتوافق مع ثورة مضادة على المستوى الدولي تتزعمها الولايات المتحدة، التي تتجلى سياساتها حيال ثورات الربيع العربي في مواقف رمادية فاترة، تُعتبر شرارة الحرب الباردة في منطقة الشرق الأوسط ، التي أصبحت العنوان الأبرز وربما الوحيد لمجمل الحراك السياسي فيها.
حاصل جمع هذه المعطيات، أي السقف الأمريكي للحرب الاقليمية الدائرة في الشرق الأوسط والعداء المستشري للتغيير الديمقراطي في أنظمة الحكم الرجعية، يشي بحالة فريدة من نوعها من حالات الصراع التي شهدتها خريطة العلاقات السياسية الدولية على مر التاريخ لجهة قدرة القوى المعادية للتغيير الديمقراطي على تشكيل تحالفات عريضة وغرف عمليات مشتركة، بينما يحرم على قوى التغيير أو تحرم نفسها من نقطة ارتكاز استراتيجية بهذا الحجم، عندما تلزم حراكها السياسي ضمن أطر قطرية ضيقة، خشية وسمها بالارهاب أو بأنها تدور في فلك مؤامرة خارجية، وكأن ما تتلقاه أنظمة عربية معادية لها من دعم خارجي ليس ارهابا ولا علاقة له بالتدخل الخارجي.
والأدهى من كل ذلك أن تتحرك حتى القوى السياسية الحالمة بذلك التغيير المشروع تحت السقف السياسي ذاته، وضمن الدائرة الحلزونية ذاتها، متخلية بذلك عن دورها الوطني في التغيير السياسي، وفي الحفاظ على جغرافيات بلدانها لصالح مشروع السيطرة الخارجية وتقاسم النفوذ الاقليمي في المنطقة، متحولة بذلك إلى أطراف هامشية يمكن توظيفها في مجريات الحرب الباردة في الشرق الاوسط، وبذلك أيضا تعمق الفجوة الشاسعة التي باتت تفصلها عن منطلقاتها الثورية، عندما كان شعارها الناظم: «الشعب يريد اسقاط النظام»، بحيث أصبح السقف السياسي لأي تسوية مطروحة لحل المعضلة السورية، على سبيل المثال، لا يعلو عن سقف توليفات سياسية شيطانية لا تستثني نظاما شموليا أذاق الشعب السوري الويلات.
ربما يتبادر للذهن أن ما جرى ويجري حتى اللحظة على جبهة الربيع العربي والمآلات التي صار اليها، وكل ما شهده من انحرافات مفتعلة وواقعية عن مساره المنشود، لا يعدو كونه مجرد مرحلة من مراحل التغيير الجذري وباتجاهه، وأن عمر الثورات لا يحسب بوحدة قياس الزمن، وهذا صحيح، لكن هذه الرؤية، على صحتها، إن تمادت قوى التغيير في التماهي معها، فإنها ستشكل بالضرورة أحد الأسباب الرئيسية في توقف المواجهة وتنكيس راية التغيير والدخول في حالة من الوهن الثوري على مدى غير منظور، فاسحة بذلك المجال لأعداء التغيير بالتغول في دم الضحية وإخماد صوتها، ما يستدعي وقفة تحليلية على أوسع نطاق تعيد الحسابات باتجاه جعل مسيرة التغيير على مراحل مع تبيان طبيعة برنامج كل مرحلة من تلك المراحل وأهدافها ومنجزاتها على المستويين القطري والاقليمي، ومع اظهار مدى الترابط بينهما، ذلك الترابط الذي لا نغالي إن قلنا إنه شكل عصب نجاح الأنظمة الشمولية في الوقوف بوجه ثورات الربيع العربي في بقعة جغرافية من العالم لا فصل بين ملفات بلدانها المترابطة على مر التاريخ.
بينما تعج أدبيات ثورات الربيع العربي بتحديدات نظرية وعملية هائلة لا تخلو من مفارقات واختلافات حادة لمعسكر الثورة وأصحاب الاستحقاق والمصلحة في المشاركة فيها وجني ثمارها، تنحسر قراءة معسكر الثورة المضادة فيها، وتطغى لغة المجاملات والعلاقات العامة ويختلط العدو بالصديق وتضيع البوصلة في مشهد يجعل من مهمة رسم هذه الخريطة السياسية المعقدة أولى أولويات القوى الساعية للتغيير.

٭ كاتب فلسطيني

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية