الحاخام ابراهام اسحق هكوهين كوك مات وعمره 70 سنة، قبل 80 عاما في تاريخ 1 ايلول 1935. الصلوات التي أقيمت لشفائه من مرض السرطان لم تجدِ، ولا الاسم الذي أضيف له في اللحظة الاخيرة: «يحزقياهو». العزاء في اليشوف كان كبيرا. ليس في الطائفة الحريدية، وليس في مئه شعاريم في القدس وليس عند الساتمريين. حيث اعتادوا هناك أن يسموه «افيكوروس»، وحرق صورته في عيد «لاغ بعومر» بسبب انضمامه للصهاينة.
كان الحاخام كوك شخصية بارزة، ولم يرغب في أن يتم تصنيفه، وغير مواقفه مع الوقت (من الاعتدال الديني إلى المحافظة)، ولكن في كل مرحلة عكس المواقف بصوت عال بدون خوف. طلائع الاستيطان الجماعية الذين كانوا علمانيين حصلوا منه على مظلة غير متوقعة. يمكن أنه اعتبرهم «حمار المسيح» (لأنه اعتقد أن العودة إلى ارض إسرائيل هي جزء من العودة إلى اليهودية). لكن يتضح أن تأييده منحهم شيء من شبكة الأمان في وجه اليشوف القديم، وهم كانوا بحاجة إلى ذلك حتى لو لم يعترفوا بذلك.
كوك ولد في مقاطعة صغيرة في لاتفيا، وكان والده «معارضا»، وأمه جاءت من عائلة حباد. صوره وهو يلبس ملابس»شتريمل» تشير إلى أن جانب أمه هو الذي انتصر. الضربة العائلية الحقيقية التي سقطت عليه بعد زواجه بقليل، تزوج وهو في جيل 19 من ابنة رئيس المعهد في ليتا، وفي جيل 21 وجد نفسه أرملا مع ابنة. وبعد ذلك بسنة تزوج من ابنة عم زوجته المتوفاة. وفي العشرينيات من عمره كان حاخاما في مقاطعة زايمن والتهم الكتب الدينية والفلسفية. غرق في الكابلاه وقرأ كتب افلاطون وسبينوزا وهيغل وكانت وتأثر بهم جميعا. وقد خصص كتابه الاول لسؤال ما هو المكان المناسب للصلاة. الكتاب الذي كان الاكثر مبيعا عند اليهود بعد رحلة قام بها كوك لدى الجالية اليهودية في غنيتسه لتسويق كتابه.
أصبح اسمه معروفا، وأصبح حاخاما لجالية فويسك الكبيرة. وقد سمع رؤساء الجالية عن أنه يتعامل مع الدعوة إلى تحويله إلى الحاخام الاكبر على اعتبار أنها اهانة. يوئيل موشيه سلمون هو الذي استدعاه إلى المدينة التي كانت توجد منذ سنتين بدون حاخام وكانت تحتاج إلى علاج ديني جذري. حماه، الحاخام الياهو دافيد رابينوفيتش الذي هاجر إلى إسرائيل، ضغط عليه للقدوم؛ وحاخامات آخرين بارزين منهم يعبتش الذي انتقل إلى لندن، طلبوا منه عدم الانجرار وراء الاغراء وعدم الذهاب إلى ارض إسرائيل؛ أما أثرياء فويسك فقد قرروا أن يقترحوا عليه أجرا أعلى من الذي سيحصل عليه في يافا.
كوك قرر المجيء إلى إسرائيل، وأصبح الحاخام الاكبر ليافا. وحسب قناعاته فان من الواجب العيش في البلاد. أما الكفر الديني للطلائعيين اليهود ـ هو جزء من الثورة الدينية. سنواته الاولى في البلاد كانت سنوات الانطلاق بالنسبة له، حيث كان يواجه التوتر بين الدين والحداثة، ويزعم أن نظرية التطور البيولوجي تتلاءم مع التوراة، وأنه توجد لها رموز في الكابلاه. وقد أنشأ مدرسة، كانت المدرسة الوحيدة التي دمجت في ذلك الوقت بين التعليم في أيام العمل العادية وبين القداسة.
وتحول كوك بسرعة إلى محبوب الطلائعيين، وتسامح في الامور الدينية التي تتعلق بالزراعة. والصدع بين حركة المزراح الصهيونية وبين اغودات إسرائيل الغير صهيونية لم يرق له، وقد حاول جسر الهوة لكن بلا جدوى. في 1914 سافر إلى النمسا للمشاركة في مؤتمر دولي لـ اغودات إسرائيل، كي يؤثر على هذا الحزب للتقرب من الحركة الصهيونية. وقد فشل في كل محاولاته، لكن ثمن هذا السفر كان باهظا جدا ـ لقد علق في اوروبا مع بداية الحرب العالمية الاولى واضطر إلى البقاء فيها حتى نهاية الحرب (مثل آخرين منهم شاي عغنون). هو لم يضع الوقت، فقد كان حاخام في لندن وكان له تأثير على الحكومة البريطانية فيما يتعلق بوعد بلفور.
وعندما رجع إلى البلاد، خائب الأمل من الحزبين الدينيين اللذان لا يتعاونان، قرر اقامة حزب يخصه باسم «راية القدس»، الذي كان حركة حريدية صهيونية. وفي مرحلة معينة كان متفائلا جدا حول فرص الحركة الجديدة، وقد أرسل ابنه تسفي يهودا إلى الجاليات اليهودية في العالم لاقناعها بتأييده. ورغم الكلام المنمق الذي حظي به الابن، لم يتم تأييد الحزب الجديد بشكل كبير، فقام الحاخام كوك بالغاء هذا الحزب وركز جهوده على انشاء الحاخامية الرئيسة. وفي 1920 تم تعيينه حاخاما رئيس اشكنازي أول.
لقد كتب الكثير، ويمكن أن نلاحظ في كتاباته التعبير عن مواقف مختلفة: فضل حب الانسان على حب إسرائيل، طالب باحترام السكان العرب، وقال إنه خلال تعلم الطب يجب استخدام جثث من هم غير يهود لأن الجسم اليهودي مقدس، وقال ايضا إن الفرق بين الروح اليهودية وبين الروح غير اليهودية أكبر وأعمق من الفرق بين الانسان وبين البهيمة. وعارض بشدة تصويت النساء في انتخابات الكنيست. عندما أقام المؤتمر المركزي العالمي في 1923 الذي كان المؤتمر الاول في بلاد درست بالعبرية، صمم على أن تشمل خطة التدريس تعليم الفلسفة والتاريخ والعلوم. لكن عندما تبين أن المؤتمر يعلم الدين فقط فانه لم يناضل من اجل مبادئه، وأعلن أن «القديم سيتجدد والجديد سيتقدس». لكن بشكل فعلي، كلما كان تأثيره أكبر كلما كان حذرا من التغييرات الكبيرة.
كحاخام رئيس لعب دورا جماهيريا مهما ولم يخشى من انتقاد سلطة الانتداب. وبعد قتل ارلوزوروف خرج في حملة لمنع اعدام ابراهام ستابسكي الذي اتهم (خطأ) بقتله. اليسار الذي كان مقتنعا بأن القتل جاء من اليمين لم يحب هذه الخطوة من الحاخام المحبوب عليه.
كان كوك شخصا متفائلا، آمن بتقدم العالم نحو مستقبل افضل، وآمن بتحقيق حلم الانبياء والمؤمنين باصلاح العالم، وضرورة الجسر بين المختلفين. ولأنه مات قبل الكارثة بسنوات قليلة فانه لم يضطر إلى ملاءمة مواقفه مع الواقع السيء في اوروبا.
كثيرون، ومنهم ابنه، قالوا إنهم يستمرون على دربه، لكن أحدا لم يستمر بالفعل. القيادة الحريدية ابتعدت عن التعليم العام، والقيادة الدينية القومية توجهت إلى القومية المتطرفة، وبقي الحاخام كوك واحدا ووحيدا.
إسرائيل اليوم 28/8/2015
يوسي بيلين