الهجرة من أرض الثورة

حجم الخط
6

ما الذي يدفع آلاف الأوروبيين والإسلاميين الجهاديين  المقيمين في أوروبا للقدوم لأرض الحرب والموت في الرقة والموصل، بينما يتسابق الآلاف من سكان العراق وسوريا للهجرة لأوروبا، وإن كلفهم ذلك الغرق في البحار؟
وما الذي يدفع آلاف اللبنانيين والايرانيين من الجهاديين الشيعة، وكذلك الجهاديين السنة العرب للقدوم للقتال في العراق وسوريا بينما يمتلئ لبنان والكثير من دول العرب باللاجئين من البلدين؟  
إنها العقيدة بلا شك ، والانتماء لهوية جامعة ما، ومن دونها تصبح الأرض مجرد جماد لا روح له ولا رابط يجمع سكانه. صحيح أن الهجرة من مناطق النزاعات هي سنة بشرية، لكن الصحيح أيضا أن للبقاء في الأرض ثمن لا بد ان تدفعه الشعوب والأقوام، وإلا جاء مكانها من هو الأكثر استعدادا للتضحية .
 وجرت تقاليد الاقوام المنتمية لأرضها، أنها حين تتعرض لغزو فإنها تخرج النساء والاطفال والعجزة، ويبقى معظم الرجال للقتال، خصوصا في حالات الحروب الاهلية، حيث يكون لكل مجموعة أو طائفة ظهيرا من الأراضي والمعاقل داخل بلاده التي تبقى أكثر أمنا، وفي أسوأ الحالات هناك أراض آمنة في أطراف البلاد أو على ثغورها. ففي حالة حرب سوريا والعراق فإن تركيا وفرت ملاذات آمنة للاجئين وساوتهم بمواطنيها بالخدمات الاساسية، وهو أمر يندر أن حصل عليه أي شعب لاجئ في النزاعات التي وقعت في المنطقة، وآخرها الصراع العربي الاسرائيلي. 
هنا قد يكون من المفيد تذكر ما قاله الرئيس السوري الأسد في خطابه الاخير، عن ان سوريا لمن يدافع عنها، هو محق بلا شك بما يقول، بل أن سوريا والعراق وسائر البلدان لم تكن بشكلها الحالي كبلدان عربية مسلمة لو أن سكانها وحكامها السابقين نجحوا في الدفاع عنها أمام العرب المسلمين قبل قرون، بل أن الأسد وطائفته العلوية لم تكن في دمشق اليوم تحكمها لولا التضحيات الكبيرة التي قدمها الآلاف من شباب ابناء القرى في جبال اللاذقية.. فبالنسبة لعدد السكان فإن العلويين هم اكثر من قدم قتلى على مذبح قصر الرئاسة في دمشق، مقارنة ببقية الطوائف. ثلاثون ألف شاب بمتوسط التقديرات في طائفة لا تتجاوز المليون ونصف المليون، هناك تقديرات بأضعاف هذا الرقم، لكن إحصائيات القتلى الصادرة من مراكز عربية غير دقيقة عموما وتميل للمبالغات لاسباب سياسية.
صحيح أن جميع القتلى العلويين تقريبا هم من المقاتلين الذين يقاتلون خارج مناطقهم العلوية وهم ليسوا مدنيين، على عكس السنة الذين يتعرضون للقتل، وهم في حالة دفاع عن قراهم  مقاتلين ومدنيين.. لكن الصحيح أيضا أنه، على الرغم من عدد القتلى الكبير نسبيا في الطائفة العلوية، إلا انها ما زالت مؤيدة لنظام الاسد، تمده بآلاف المقاتلين من ابنائها، في المقابل فإن نسبة الهجرة من ابنائها في الأربع سنوات التي تلت الثورة تعتبر قليلة إذا قارنتها بباقي الطوائف ..
طبعا لا بد هنا من التأكيد على أن السبب الأساسي الذي يدفع الناس للهجرة هو فقدان الأمن في مناطق سكناهم، أكثر حتى من تعرض ابنائهم للقتل في جبهات الحروب، وهذا ما ينطبق على السنة في العراق وسوريا، الذين تعرضت مدنهم للتدمير والإبادة والتطهير السكاني الممنهج من قبل أنظمة بغداد ودمشق على مدى سنوات الحرب الاهلية في البلدين، على عكس المناطق الشيعية والعلوية ومناطق الأقليات التي ظلت أكثر أمنا نسبيا وبفارق كبير.
وتبقى تساؤلات تدور في الأفق عن مدى العواقب التاريخية التي تقع على الأقوام التي تهاجر أفواجا من بلادها، وقت تطلبهم في معارك المصير، بل برغبة تصل لقطع الأواصر نهائيا بالبلد الأم.. وليس «الهجرة بالقضية» بانتظار العودة التي قد تطول لعقود.. خصوصا أن السبب الذي يسكن أعماق كل مهاجر هو الرغبة في «الاستقرار»، الاستقرار الأمني والنفسي والاقتصادي.. أي البحث عن حضن وطن جديد ..
وتبقى كثير من  التفسيرات والتبريرات محقة عندما نتحدث عن تعرض شعب ثائر أعزل لمجازر إبادة غير مسبوقة على مدى القرون الأخيرة.. بعد أن أوهمهم بعض قادتهم أن الثورات تمضي بسلاسة وأن حركات التغيير الكبرى تقع بلا تضحيات، وأن  الهتاف الذي رددوه بالمظاهرات «بالروح بالدم نفديك يا وطن»  هو مجرد شعار ثوري جميل.

٭كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية