في الذكرى الأولى لإبادة الإزيديين غصين توثق حكاياتهن المرّة: الحروب تصيب النساء في الصميم وجروح السبي يدفعهن للانتحار بعد تحريرهن

حجم الخط
0

بيروت ـ«القدس العربي»: في الذكرى السنوية الأولى للإبادة التي نفّذها تنظيم الدولة الإسلامية على الإيزيديين في العراق بتاريخ 3ـ 8ـ 2014، عُرض في مترو المدينة في بيروت فيلم وثائقي نفذته الصحافية اللبنانية الشابة نبيلة غُصين حمل عنوان «إزيديو العراق: الإبادة رقم 73؟»، وتبني عرضه من قبل نادي «لكل الناس» استقطب حضوراً مضاعفاً عن حجم المكان، واهتماماً بالغاً. شريط حمل إلى جانب المآسي الإنسانية المؤثرة جداً، جهداً توثيقياً، تجلى في التعريف بديانة هذه الفئة من البشر المعروفين بالإيزيديين. عباداتهم لا تزال قائمة لبعض مكونات الطبيعة. وهذا ما ترك من يرون في ذاتهم سلطة محاكمة هذا وذاك من الناس بناء على معتقداته يرتكبون بحقهم الإبادة تلو الأخرى.
إبادة القرن الواحد والعشرون ضد الإيزيديين تختلف عن كل سابقاتها والتي تعد بالعشرات. ارتكبها أكثر التنظيمات إرهاباً. إبادة موثقة بالصوت والصورة. وبعضها في بث مباشر على شاشات التلفزيون. جميعنا تأثر بعذابات هذه الفئة من البشر. بموت أطفالهم جوعاً وعطشاً، أو موتهم بالمساعدات الإنسانية العراقية والدولية التي كانت تنزل عليهم مباشرة فتودي بهم، أو تؤدي لشلل لدى بعضهم.
نبيلة غصين صحافية تحلت بالشجاعة، سارعت إلى هدفها خلال زمن قياسي. تمكنت من تضمين عملها شهادات مؤثرة. لكنها كانت «لجوجة» جداً في حوارها مع صبية تحررت من السبي بعد أشهر من المهانة والعذاب. مهما كانت حشرية الصحافي كبيرة، فثمة حدود دونه ودون الضحية، بحيث لا يعيدها إلى أزمة كبرى تحاول طمرها، إن قُدر لها. ففي ذلك جلد جديد. عمل نبيلة غُصين تميز بالجهد والجدية. وفريقها المساعد بخاصة التصوير أثبت احترافه. ولا بد من الإشارة أن الفيلم في جانب منه أظهر انحيازاً نسوياً عبّرت عنه المقاتلات الكرديات. قد يكون انحيازاً غير مقصود أو وصل مبتوراً.
مع نبيلة غُصين كان هذا الحوار:
○ هل صرخة النائبة العراقية فيّان الدخيل هي التي حمستك لإنجاز فيلم «إيزيديو العراق: الإبادة رقم 73؟»
• لا شك ان صرختها هي التي جعلتني أتخذ القرار المباشر والسريع بالتحرك، وهي التي عرفتني على وجود جماعة تدعى الإيزيدية. واعتبرت انه لا يمكن أن أعيش في الحقبة الزمنية نفسها مع شعب ما زال يعبد القوى الطبيعية وأن لا أتعرف إليه. لذا لم انتظر أحداً فقط حملت كاميرتي وسافرت.
○الاطلاع على تقاليد وعبادات تلك الديانة كانت أكثر جذباً لك من مشاهد تلك المجازر البشعة التي طالعتنا على مدى أيام؟
• كلا الإطلاع على التقاليد والعبادات شأن شخصي وهام بلا شك ، إلا أني أعتبر اني لم أقف عند كل معتقداتهم نظرا لضيق الوقت. بل ربما تمكنت من إيصال الرسالة، وما حدث في ذلك اليوم. الوصول إلى جبل سنجار كان هدفي الأكبر لأكون متواجدة على أرض الواقع. تمضية نهار كامل مع المقاتلات الكرديات والوقوف على أفكارهم وآرائهم، كان من الأهداف المهمة، إضافة إلى مقابلة نساء مغتصبات تمّ تحريرهن من تنظبم الدولة.
○ نقل الفيلم مشاهد قاسية جداً لمعاناة تلك الفئة من العراقيين. هل كانت اللقاءات على الأرض أصعب؟
• أكثر الصعوبات كانت في إجراء لقاءات مع المقاتلات نظرا لكوننا لم نملك الإذن بتصويرهن. ما اضطرنا للانتقال من نقطة عسكرية إلى أخرى للحصول على الإذن. وجدنا صعوبة بإقناع الفتيات الناجيات من تنظيم الدولة بالتحدث للكاميرا. رغبت بتوثيق إعترافاتهن وأنهن تعرضن للإغتصاب، فجميعهن كن ينكرن ذلك. وفي الساعات القليلة المتبقية لي في المكان اقنعت احداهن بالحديث دون ظهور وجهها، ومغادرة الغرفة من قبل الجميع. بقينا معاً. ربما شعرت بالحاجة لأن تشكو همها لأنثى مثلها.
○لقاؤك مع مترجمك هل كان صدفة؟ وهل زرت جبل سنجار للقاء الشجرة التي حمته وعائلته من الموت؟
• نعم اللقاء بالمترجم كان صدفة، وعندما علمت بقصته المشوقة قررت أن أجعل منه بطل قصتي، طبعا كانت المسألة أسهل لوجستيا كونه يرافقني على مدى أيام عملي. قصته كانت دافعا إضافيا لزيارة الجبل ورؤية شجرة التين التي عاش تحتها لمدة أسبوعين مع عائلته. كان يأكل فقط التين ويشرب من بئر صغير بقربه.
○هل فعلاً شعرت بقوة جبل سنجار؟ وهل هو من حمى الناجين من الإيزيديين؟
• نعم شعرت بقوته، تقول الاسطورة الإيزيدية ان جبل سنجار لم ينحن حتى لطوفان نوح، أي لم تغرق قمة الجبل بل رست عندها السفينة. وعلى مر التاريخ يعتقد الإيزيديون ان الجبل حمى أجدادهم من الإبادات السابقة، جبل طبيعته وعرة وجافة وأوديته متعرجة.
○ في جانب منه الفيلم نسوي، تركيز على الوجود العسكري للمرأة الكردية. النساء العسكريات يرفضن الزواج. يصرحن برفضهن خدمة الرجال. هل هذا تفصيل أم أساسي في الفيلم؟
• بالنسبة لي الأساسي كان بتسليط الضوء على معاناة الشعب وما تعرض له في 3 ـ 8 ـ 2014، الشق النسوي كان لا بد منه نظرا لكوني أمضيت نهارا كاملا برفقتهن. وعلمت أن هناك إيزيديات قررن الالتحاق بالجبهة للدفاع عن شرفهن. وتحرير المسبيات لدى تنظيم الدولة. حاولت إظهار الوجه الآخر للنساء على الجبهة، لهذا صورتهن داخل خيمهن. ووقفت على نمط حياتهن على الجبهة. حاولت إظهار الجانب الأنثوي لديهن، لكنهن رفضن. قناعاتهن وأفكارهن فرضت نفسها حتى على سير الوثائقي.
○ بحسب معلوماتك ما هو مصير النساء الإيزيديات اللواتي تمّ تحريرهن بعد السبي؟
• جمعيات عدة ونشطاء يعملون لتحرير العديد من النساء السبايا. وقد تمكنوا إلى اليوم من تحرير 900 امرأة. السكان العرب في الموصل يقومون بمساعدتهم مقابل بدل مادي، ولكن هناك العديد من النساء اللواتي أصبحن حوامل ويرفضن العودة. كما يعمل تنظيم الدولة لأخذ الأطفال والأولاد إلى دورات عسكرية وغسيل دماغ. وهؤلاء الأطفال يرفضون العودة إلى الديار. لذا تفضل النساء عدم ترك أطفالهن. كثيرات ممن تمكنّ الهرب يتم تسفيرهن إلى الخارج خاصة المانيا للعلاج النفسي. ومنهن من انتحرن بعد عودتهن لعجزهن عن عيش الحياة بصورة طبيعية.
○ وهل يُطبق ما وعد به المرجع الديني بحماية «أي امرأة تعود بعيوننا» كما شاهدنا في الفيلم؟
• الحماية محدودة. المنظمات الإنسانية تساعد النساء. وقد بات المجتمع أكثر تقبلا لهنّ، طبعا مع وجود استثناء.
○ ماذا قرأت في عيون هدى التي عادت من السبي؟
• شاهدت من خلال عينيها كيف تموت الروح. روح هدى ماتت. هي تعيش فقط لتربية ابنة أخيها التي حملتها لحظة اعتقالها وبقيت معها. قرأت معنى الإنكسار في صوتها. كل ما تطلبه أن تسافر من حيث هي، لكنها لا تملك أوراقاً ثبوتية.
○ لماذا الاصرار من قبلك لمعرفة تفاصيل اغتصاب تلك الفتاة؟
• هو ليس اصراراً بقدر ما هو اثبات. في المادة المصورة لا بد من وجود الدليل. والدليل موجود في اعترافها. حاولت منحها شعوراً بالارتياح فلم اكن لجوجة بالسؤال بل كنت اتحايل على الكلمات كي أنال ما أريده. لم أسالها هل اغتصبك؟ بل سألتها كم مرة نام معك؟
○ أليس سؤال تلك الفتاة كم مرة نام معك اغتصاباً جديداً؟
• أعتقد ان السؤال لم يكن محرجاً لها خاصة انه جاء في سياق معين وبعد مضي حوالي 30 دقيقة على بدء الحوار، كذلك كما ذكرت المهم هو ايصال الرسالة، الألم الذي تعرضت له لا يوازي المها من سؤال، ولكن ايصال الرسالة بصوتها سيكون بالنسبة لي أكثر فائدة من صمتها.
○ ما هي المصاعب التي واجهتك أثناء المهمة؟
• هو عامل الوقت. فقط كان لدي ثلاثة أيام لتغطية كافة الجوانب وأعتقد اني نجحت، لأني وقفت عند كل ما يتعلق بالإيزيديين، إضافة إلى اقناع الفتيات المغتصبات بالحديث معي. الوصول إلى جبل سنجار بحد ذاته شكل مخاطرة، فعناصر تنظيم الدولة كانوا لا يزالون في الأودية. والكمائن الليلية واردة، خاصة وأنني أمضيت الليل في مركز عسكري.
○ لصالح من تمّ تصوير الفيلم؟
• صورت الفيلم لصالحي الشخصي، أنا المعدة والمخرجة والممولة. مبدئا ستكون العروض متنقلة وفي نشاطات خاصة.
○ كم تأثرت إنسانياً وهل واكبت الدموع بعض محطات عملك؟
• تأثرت بما سمعت وشاهدت. حكايات عن أطفال ماتوا عطشاً. أمهات اضطررن لترك طفل من أطفالهن في الأودية لأنهن لم يتمكن من حمل الاثنين معاً، وكنّ أمام معضلة انقاذ طفل واحد. أبناء حملوا أمهاتهم وآبائهم مسافات طويلة في الأودية والجبال. ناجون ماتوا جراء وقوع المساعدات الإنسانية من الجو على رؤوسهم، في حين كانوا ينتظرون الفرج. أكثر ما تأثرت بحكاية محررة من السبي، وكيف تعرضت للإغتصاب والبيع أكثر من مرة.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية