جربة التونسية جزيرة الأحلام: تناغم فريد بين الطبيعة الخلابة وآثار حضارات متعاقبة

حجم الخط
1

جزيرة جربة ـ «القدس العربي»: تونس التي تعيش مخاضا عسيرا منذ ثورة كانون الثاني/يناير 2011 وخلع رئيسها السابق بن علي، وما سجلته من انفلات أمني هدد استقرار البلاد، تضيء (جزيرة جربة) في جنوبها مركز إشعاع بلجت أنواره في السديم الذي يعكر سماء الخضراء لتزرع الأمل بغد أفضل بما تختزنه في رصيدها من إرث تليد حافظ عليه سكانها وصانوه بتناغم مجموعاتهم المتآلفة.
وصلنا هذه الجزيرة الهادئة التي تستكين في الضفة الجنوبية لحوض الأبحر الأبيض المتوسط عبر مطارها الدولي الذي لا تتوقف حركته على مدار ساعات، مستقبلا رحلات من أصقاع الدنيا لسياح يأتون من كل فج عميق. لا يلتفت عشاق المدينة والمدمنون عليها كثيرا للتحذيرات التي أطلقتها السفارات الغربية بضرورة توخي الحذر من هذه الوجهة التي صنفت خطرة منذ الأعمال الإرهابية التي طالت مناطق عدة في العاصمة. وتحاول هذه اليابسة التي تلفها المياه من كل النواحي أن تصنع لنفسها نسقا مختلفا وتكمل مسيرة الاستقرار التي هي عنوان تميزها لتمنح زوارها جرعات من الهدوء والسكنية بما تخزنه لهم من مناظر تأسر قلوبهم.

جمال أعذر يسحر الزوار

قبل أن تغادر أرض المطار الذي تموج فيه مجموعات بشرية بسحنات مختلفة ومتباينة تكون الصورة تشكلت لدى الوافد عن الجو العام للجزيرة، حتى قبل أن يصل وجهته الرئيسية. يصعب على المسافر حينما يتنفس هواء جربة أن يستوعب سر الجمال الذي حوله والتناغم الفريد بين الطبيعة الخلابة وآثار قديمة خلفتها حضارات عدة تعاقبت على المكان رسمت لوحات فنية بديعة حمتها عبر السنين أجيال عدة. تتواصل الجزيرة التي تعد الأكبر في شمال أفريقيا وتبلغ مساحتها 500 كلم مربع مع شريط ساحلي يزيد عن 100 كلم باليابسة عبر طريق يمتد سبعة كيلومترات والذي شُيد منذ العهد الروماني ويصل إلى مدينة جرجيس. ويمكن العبور إليها من مدينة أجيم إلى الجرف من خلال (العبّارة) التي تنطلق من شاطئ قرية مزراية. يختزل الكثير من العرب اسم الجزيرة في حج اليهود إليها ليصبح الأمر شغلهم الشاغل سنويا وتحديدا مطلع شهر مايو /أيار من دون التطرق إلى ما تزخر به من إرث حضاري جذوره ممتدة في أعماق الأرض ولا يقتصر فقط على اليهود. يؤكد لي أحمد سائق سيارة الأجرة الذي أقلني من المطار أن البعض وتحديدا من الأشقاء يعتقدون ويروجون إلى أن جربة هي مدينة يهودية وهي حكر عليهم دون سواهم. ينفي الشاب المتخرج من الجامعة والذي اضطرته ظروفه الصعبة وانعدام فرص العمل في القطاعات الحكومية إلى قيادة سيارة الأجرة التي اشتراها له والده التاجر هذه الاعتقادات ويشير إلى أن عدد اليهود في الجزيرة التي يزيد سكانها عن المئة ألف نسمة لا يتجاوز الألف وخمسمئة شخص أو أقل بكثير. ويعتبر أن أكثرهم هاجروا مع تأسيس دولة الكيان الإسرائيلي إلى أرضهم وجلهم طالب اللجوء في أوروبا. يستعر سنويا جدل واسع في الإعلام المحلي وفي دوائر حزبية ضيقة حول زيارة اليهود إلى معبد الغريبة وتسلل بعض الإسرائيليين وسط الوفود حيث كان الأمر بمثابة الحدث الذي شغل الناس مطولا.

جزء من هيكل سليمان

حديث سائق السيارة عن هذا الموضوع الجدلي جعلني أطلب منه أن تكون وجهتي الأولى في رحلة اكتشاف الجزيرة الحي اليهودي لوضعي في صورة الوضع الحقيقي بعيدا عن المزايدات الإعلامية. يؤكد بيريز الطرابلسي أن الكنيس الذي يرأسه يعود تاريخه إلى ما يزيد عن 2500 عام، أقدم معبد في أفريقيا وربما من أقدمها في العالم خصوصا وأنه وفق الاعتقاد يضم حجارة من هيكل سليمان.

إجراءات أمنية مشددة

إجراءات مشددة وطوق أمني تفرضه السلطات باستمرار على هذه المنطقة الحساسة خصوصا مع الأحداث التي تسببت في مقتل سياح أجانب في الشمال كما أن السكان يستحضرون حتى الآن الذكرى السيئة للتفجير الذي قام به أحد الإرهابيين سنة 2002 بشاحنة نقل الغاز الطبيعي تخطت الحواجز الأمنية لتسبب في مقتل وإصابة العشرات. لم يفتر الحادث من عزيمة الحجاج اليهود والسياح إلى العودة إلى المكان كلما أتيحت لهم فرصة لذلك وحطوا رحالهم في حومة السوق والمدينة القديمة. وسنويا يزور آلاف اليهود الكنيس للتبرك بنسخة التوراة الموجودة فيه والتي تعتبر أيضا الأقدم في العالم، وهم يشاركون في طقوس دينية علنا وتنقلها وسائل الإعلام الدولية في تجربة لم تحدث في بلد عربي آخر. قبل الاقتراب من المعبد اليهودي لابد من المرور من مكتب للشرطة الذي يدون بيانات كل زائر ويصل مرات بعضهم إلى درجة إجراء تحقيق وأسئلة دقيقة عن سبب الزيارة والهدف منها ودوافعها. ارتسم أمامنا بوضوح حينما ولجنا إلى وسط الحي المبنى بهيكله الذي اصطبغت ألوانه بطابع عربي يميز العمران الفريد في الجزيرة. وتقول الروايات التي يتداولها السكان المحليون أن اسم «الغريبة» الذي اشتهر به المعبد يعود إلى علاقته بامرأة غريبة عن الجزيرة وفدت إليها حينما نجت بأعجوبة من حريق أتى على مناطق عدة. ومن يومها أصبح الناس يتبركون بهذه المرأة ويتوجهون إليها طلبا للشفاء من السقم والعلل التي تصيبهم ويعتقدون بقدراتها الخارقة في إشفاء من يفد إليها ويطرق بابها. ويحرص اليهود أثناء أدائهم لمناسك الحج على البقاء ثلاثة أيام بلياليها ويرتلون من كتابهم المقدس الذي يحتفظون بأحد أقدم نسخه. ومنذ أزيد من قرنين يحج اليهود إلى الغريبة لإقامة طقوس دينية واحتفالات «الهيلولة» التي تتمثل في إقامة صلوات وإشعال شموع داخل الكنيس والحصول على «بركة» حاخاماته وذبح قرابين (خرفان) والغناء في أجواء من الفرح وتناول نبيذ «البوخة» المستخرج من ثمار التين والذي يشتهر بصناعته يهود تونس دون سواهم.
ومن بين طقوس حج اليهود خلال زيارتهم السنوية إلى كنيس الغريبة أيضا كتابة الأماني الشخصية على قشرة بيضة واحدة مسلوقة أو أكثر ووضعها داخل المغارة الموجودة داخل الكنيس. وبحسب الأسطورة، فان كل الأماني التي يدونها الزوار على البيض الذي يضعونه في مغارة الكنيس تتحقق، وهو ما جعل بعضا من المسلمين وتحديدا سكان جربة يعتقدون في «بركة» كنيس الغريبة ويشاركون اليهود ممارسة هذا الطقس. وتتوج مراسم الحج بدفع «المنارة» وهي مصباح كبير مصنوع من الفضة ومثبت فوق عربة ذات عجلات يتنافس الزوار على دفعها والتنقل بها بين معابد يهودية أخرى قريبة قبل العودة بها إلى كنيس الغريبة. ويعلق الحجاج على المنارة أغطية رأس معقودة بعدد الأمنيات المعبر عنها في مجالات الصحة والسعادة والإنجاب وغيرها.

تعايش ديني وتناغم مذهبي

استعجلني سائق السيارة حينما نهلت مطولا من زيارة الحي اليهودي وحاولت الوقوف على تفاصيل هذه الطائفة التي تعيش في تناغم مع سكان البلد المسلمين من دون أي مضايقات تعترض سبيلهم وإن كان كل واحد منهما حافظ على حد فاصل مع الآخر حتى لو ساد بينهما الاحترام. كل من يزور مناطق التجمعات السكانية يلاحظ ذك التمازج بين المسلمين واليهود من دون تمييز ويتشارك كلاهما المناسبات ويتبادلون الزيارات لتذويب أي خلافات حتى أن الغريب لا يشعر بالفرق بينهما. وبالرغم من أن النسبة الغالبة من سكان الجزيرة بربر وهم تاريخيّا السّكان الأصليّون في كل إفريقيا الشّماليّة يتكلّمون الشلحة ويكتبونها إلا أنه لا تصادم بينهم والعرب الذي يشكلون الآن غالبية سكان تونس. مع دخول الإسلام إلى الجزيرة اعتنق جل سكان جربة المذهب الإباضي وهو مكون زاد من التناغم الذي تعرفه الجزيرة التي تتوائم فيها مختلف المجموعات من دون خلافات تفسد ودهم. هكذا سبق الإغريق غيرهم من الشّعوب في التّعايش مع سكّان جربة وهو ما جعلهم من أهم تجار البلد وأميزهم في شمال أفريقيا حيث شكل رصيدهم المتنوع مصدر ثراء لهم.

فرادة عمارتها

يبرز الكثيرون في حديثهم عن جربة جمالها وروعة مناظرها الأخاذة، لكن لا ينصفها إلا قلة بإبراز فرادة عمارتها التي تحتوي نمطا خاصا بها طوع من خلاله سكانها الطبيعة للتأقلم معها والحفاظ على خصوصيتها. تتكون أحياء الجزيرة العريقة من تجمعات منازل متشابهة إلى حد كبير في نمطها العمراني وهي في الغالب تتألف من مساحة خارجية يطلق عليها السكان (الحوش) يتميز بخلو سوره الخارجي من فتحات والاكتفاء بكوات صغيرة وهو في الغالب مطلي باللون الأبيض الممزوج بأزرق نيلي. وخلف المنازل تزرع أشجار النخيل والزيتون لتمنح الأسر فسحة جلوس خارجية في الهواء الطلق للسمر في الليالي الصيفية التي يكون طقسها معتدلا. ويعتبر العمران الجربي صديقا للبيئة وتستخدم في البناء غالبا الحجارة المطلية بالكلس لتمنح الدفء شتاء والبرد صيفا من دون استخدام المكيفات التي عرفها السكان مؤخرا فقط ولم تزر بيوتهم من قبل. ويسعى سكان الجزيرة إلى مواجهة رياح التغيير التي لم تؤثر على نمط حياتهم طويلا بالرغم من استقبالهم لسياح من كل مكان، ويحافظ الشباب حاليا في تشييد بيوتهم الجديدة على النمط العمراني الذي أورثه لهم أجدادهم.

مساجد وقلاع وحصون

حاول حكام الجزيرة منذ القدم تأمين المدينة من أي حملات خارجية وصونها بقلاع وحصون لا تزال بعضها قائمة حتى الآن. وبعد الفتح الإسلامي تركزت مساجد موزعة في المواقع العليا والتي يبلغ عددها نحو 300، وأخرى واقعة على الشواطئ لتلعب دور نقاط المراقبة والإنذار المبكر في جزيرة مفتوحة على كل الجهات، وأحجام هذه المعالم الدينية غالبا ما تكون محدودة. أما المساجد الواقعة على السواحل حسب الباحثين في تاريخ المدينة فتتميز بمتانة البناء وتوفر تجهيزات دفاعية، وهي لا تختلف عن المواقع العسكرية. والميزة الغالبة على مساجد المدينة التي أصر دليلي على ضرورة زيارة أبرزها روح البساطة الجلية عليها من أول نظرة تلقيها على معالمها مع وجود بعض الاستثناءات البسيطة.

شريان حياة الجزيرة

يعتمد سكان جربة في حياتهم اليومية، بشكل أساسي على السياحة مع توفر مرافق يفد إليها زوار من دول الشمال خصوصا في مواسم الثلوج والبرد عندهم حيث يعشقون دفئها وما تتيحه لهم من إمكانيات قضاء أوقات حميمة وممارسة هواياتهم التي توفرها المنتجعات الضخمة التي تقدم كل أنواع المتعة لزبائنها. وإلى جانب السياح الأجانب تنتعش الحركة التجارية في جربة مع قدوم المسافرين الليبيين الذين يتخذون من مطارها الدولي نقطة عبور مركزية يتنقلون إليها برا عبر معبر رأس جدير الذي لا يبعد عن الجزيرة سوى 170 كلم، وخلال فترة توقفهم بالجزيرة تمتلئ بهم الفنادق والمطاعم.
ونحن نتناول وجبة غذائنا في مطعم بحومة السوق اقترح دليلي أن نختتم الرحلة بزيارة حصن الغازي مصطفى أو البرج الكبير مثلما يسمى أيضا الحصن الإسباني الذي أمر ببناه نائب ملك صقلية ودوق مدينة سالم، خوان دي لا سيردا، عام 1560، قُبيل حدوث معركة جربة بين القوات العثمانية والتحالف المسيحي المتكون من إسبان وبندقيين وجنويين ونابوليين وصقليين وفرسان مالطة.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية