الخرطوم ـ «القدس العربي»: في عام 1945 صدر أول قانون لمنع الخفاض في السودان الذي كان محتلا من قبل الانكليز. وشهد شهر أيلول/سبتمبرعام 1946 أول تطبيق لهذا القانون بسبب ختان الطفلة ـ آنذاك ـ فايزة عمسيب والتي أصبحت ممثلة شهيرة فيما بعد ورائدة من رواد الدراما السودانية.
ثورة عكسية
سجنت السلطات فى مدينة رفاعة والدة الطفلة والمرأة التي أجرت عملية الختان، لكن الأهالي أشعلوا ثورة عارمة ضد المستعمر قادها المفكر محمود محمد طه الذي سجن لمدة عامين بعد أن أحرق الثوار مركزا للشرطة وعبروا النهر، مطاردين الانكليز، حتى مدينة الحصاحيصا بالضفة الغربية للنيل الأزرق، ولم تكن الثورة من أجل الختان، بقدر ما كانت لتحرير امرأتين سودانتين من سجون المستعمر.
المطالبة بتشريع قومي
ومنذ أربعينيات القرن الماضي يحارب السودانيون خفاض البنات ولنبدأ في قراءة هذه المحاولات بآخر منشط شهدته الخرطوم في يوم 24 ـ 6 ـ 2015 حين طالب مختصون قانونيون وناشطون اجتماعيون بضرورة تشريع قانون قومي واضح لمحاربة هذه الظاهرة مع تدريس مناهضة ختان الإناث ضمن مناهج التعليم العام.
الورشة التي انعقدت لإستعراض نتائج الدراسة الميدانية: «مراجعة الإطار القانوني لختان الإناث» نظمها مركز دراسات المجتمع (مدا) بالتعاون مع منظمة اليونيسيف، خرجت بتوصيات صريحة جدا تتعلق بضرورة تجريم ممارسة ختان الإناث، وزيادة القابلات القانونيات ومنع القابلات التقليديات من ممارسة الختان.
قانون2012
وطالبت الورشة بضرورة مراجعة المشروع القومي لختان الإناث لعام 2012 وضبط صياغته والعمل على إصداره كقانون قومي ودعت لتنفيذ العقوبات ـ في حال صدور القانون ـ أمام العامة لردع غير الملتزمين به وشددت على إنشاء وتفعيل آليات لتنفيذ القوانين في كل ولايات السودان.
مديرة مركز دراسات المجتمع أميرة الفاضل، قالت إن ختان الإناث من العادات السلبية المنتشرة في السودان مما نتج عنه أضرار نفسية وجسدية وصحية لكثير من الأمهات والأخوات، ودعت إلى ضرورة رفع الوعي بمخاطر ختان الإناث في المجتمع بكل فئاته وناشدت بضرورة سن قانون يمنع ذلك في السودان.
وطالبت أميرة ـ التي شغلت منصبا حكوميا من قبل له صلة مباشرة بالمجتمع ـ بالإسراع في دفع وعرض التشريع القانوني أمام المجلس الوطني مع القيام بحملات توعوية وتبصير المجتمع بأن الختان هو عادة فرعونية ضارة لاعلاقة لها بالدين الإسلامي.
وتبذل في السودان جهود كبيرة ـ على مستويات عديدة ـ للحد من هذه الظاهرة ووضع المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي خطة قومية للقضاء على ختان الإناث (2008 2018) تحت شعار (سودان خالٍ من ختان الإناث خلال جيل).
مضار صحية
لم يختلف أحد على أن ختان الإناث ليس له أي فوائد صحية وأن له مضاعفات منها النزيف المميت والاحتباس البولي الحاد وعدوى المسالك البولية وعدوى الجروح وتسمم الدم والتيتانوس وإمكانية انتقال الإلتهاب الكبدي والإيدز، إذا لم تكن الأدوات المستخدمة فيه معقمة. وتعاني المرأة التي تجرى لها هذه العملية من ندوب وقد يؤدي ذلك إلى تضييق أو إغلاق أو تشكيل ناسور بين المسالك البولية والتناسلية.
وقد تحصل أضرار لمجرى البول وكذلك الالتهابات المتكررة للجهاز البولي وسلس البول وكذلك التهابات مهبلية والتهابات وألم في الحوض، وآلام متكررة خلال الدورة الشهرية وألم أثناء الجماع وقد يؤدي ذلك إلى العقم، أو على الأقل، إلى قلة الإحساس بالمتعة والشهوة الجنسية أثناء الجماع.
خفض النسبة
وتشير بعض التقارير إلى أن نسبة ختان الإناث في السودان انخفضت من 89٪ إلى 65٪ منذ بداية الألفية الثالثة، لكن الناشطين يرون أن بإمكانهم خفض هذه النسبة إلى النصف، والسودان لا يختلف كثيرا عن معظم الدول العربية والافريقية التي تتعرض فيها الفتيات لهذه العملية بدءا من أسبوع بعد الولادة.
وتشير تقارير اليونيسيف، إلى أن أغلب الإناث التي تجرى عليهن عملية الختان لم يتعدين الخامسة من العمر وأن عدد الإناث اللاتي أجريت لهم عملية الختان في العالم يتجاوز 125 مليون أنثى. وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت السادسَ من شباط/فبراير «يومًا عالميا لرفض ختان الإناث».
جهود مكثفة
وتشير سميرة أمين أحمد وهي اختصاصية حماية الطفولة تعمل مع اليونيسيف في السودان «إلى جهود مكثفة بذلت في مطلع الألفية» وتقول ومع حلول عام 2006، عندما أظهرت دراسة المسح الصحي أن حوالي 70 في المئة من الفتيات والنساء في شمال السودان تأثرن بهذه الممارسة، وبجهود عديدة، أصبح 42 مجتمعاً محلياً فى ست ولايات، وهي كسلا، القضارف، شمال كردفان، جنوب كردفان، شمال دارفور، جنوب دارفور، والخرطوم، منخرطين في حملة متنامية للتخلي عن ممارسة ختان الإناث.
وبناء على ذلك، اشترك حوالي 300،000 شخص في نشاطات رفع وتيرة الوعي والمعلومات العامة، التي قادها المجلس القومي لرعاية الطفولة بالسودان، والذى تلقَّى الدعم من اليونيسيف، والمنظمات غير الحكومية، وجماعات المجتمع المدني.
نسبة عالية
ويورد الباحث أبكر عباس الأمين نتائج دراسة أجريت وسط طالبات جامعة الخرطوم عام 2003 حيث أجابت 56 في المئة منهن بأنهن قد تم ختانهن. ويعتبر أن هذه نسبة عالية جداً لأن هذه الدراسة قد أُجريت وسط طالبات جامعة وفي الخرطوم، العاصمة وبؤرة الوعي.
ويتعرض عباس إلى الجدل الذي لازم القوانين المتعلقة بالخفاض حيث صنَّف قانون العقوبات السوداني لعامي 1925 و1974، الختان «غير المشروع» ضمن الجرائم الماسة بجسم الإنسان وعقوبتها قد تصل السجن لخمس سنوات. ويرى أنه أفضل من قانوني 1983 و1991 لأنهما لم يجرِّما الختان صراحة ونصا. ويشير إلى أن هذين القانونين شُرعا في الفترتين اللتين سيطر فيهما الإسلاميون على الحكم في السودان.
ويلاحظ أن البرلمان يهتم بتجريم الختان في العهود الديمقراطية ومن تلك الجهود توصية البرلمان في عهد الشراكة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني بعد اتفاقية السلام الشامل والتي ارتكزت على دستور ديمقراطي، حيث نص قرار المجلس الوطني رقم 29 بتاريخ 20/6/2007 على سن التشريعات اللازمة التي تمنع ختان الإناث وضرورة مكافحة كل العادات الضارة مع استنفار كل الجهات ذات العلاقة لدعم هذه الجهود.
وجاء في اتفاقية السلام الشامل المادة 32 من وثيقة الحقوق في الدستور السوداني «أن تعمل الدولة على محاربة العادات والتقاليد الضارة التي تقلل من كرامة المرأة ووضعيتها». لكن كل هذه المكاسب ذهبت أدراج الرياح بإنفصال الجنوب في عام 2011.
جدل المادة»13»
جدل القوانين تحول إلى المادة «13» من قانون الطفل لعام 2010 حيث رفض البرلمان ـ الذي يسيطر عليه الإسلاميون ـ إجازة هذه المادة التي تجرّم ختان الإناث صراحة، ودار جدل كثيف حول هذا الموضوع، لكن المثير هو أن يدافع رجل من الإسلاميين عن هذا القانون، حيث تصدى عبد الجليل النذير الكاروري لعضو البرلمان حسب الرسول دفع الله المشهور بتحيزه الواضح ضد النساء، بل أن الكاروري وهو عضو مجمع الفقه وأمام مسجد الشهيد في الخرطوم شارك بفعالية ضمن حملة «سليمة» المناهضة للختان.
التجمع النسائي الوطني الديمقراطي شارك ضد إلغاء المادة «13» وأصدر بيانا قال فيه «إن النساء السودانيات يعانين من واحد من أعلى معدلات وفيات الحوامل عند الولادة. فمتوسط الوفيات يعادل (905) أم سودانية من كل مئة ألف إمرأة يلقين حتفهن أثناء الولادة» وترجع الدراسات الطبية نسبة كبيرة من وفيات الأمهات للختان.
ورغم عدم سن قانون يجرّم الختام، فإن المجلس الطبي السوداني ـ وهو الجهة التي تحاسب الأطباء والعاملين في الحقل الصحي ـ أصدر عقوبات ضد كل قابلة تمارس عملية الختان وأصدر قراره رقم 366 استنادا إلى القاعدة الأصولية «لا ضرر ولا ضرار» وكانت التوصية الآتية:»لا يسمح للاطباء ممارسة أي عمل يضر بالإنسان أو فيه شبه ضرر ويشمل ذلك ختان الإناث بكل صوره».
حملة «سليمة»
الجهود المدنية لمناهضة الختان استمرت ولم تتوقف، حيث أقام الناشطون ندوات وورش عمل كثيرة في هذا الاتجاه إلى أن تبلور المشهد لموقف واضح وتم اطلاق حملة «سليمة» وهي حركة مجتمعية تهدف إلى تحفيز مناقشات جديدة حول ختان الإناث /البتر على مستوى الأسرة والمجتمع، وقد ظهر الشباب كشركاء حاسمين وعوامل للتغيير في مبادرة سليمة.
وسليمة هي البنت التي لم يجر لها أي نوع من أنواع بتر الأعضاء التناسلية الخارجية واستهدفت الحملة النساء في الريف والمدن وشارك فيها فنانون ونجوم مجتمع ورجال دين، منهم الفنان شرحبيل احمد والفنانة عبير علي والمذيعة نسرين النمر ونجمة الدراما سمية عبد اللطيف والشيخ الكاروري وتم الترويج لهذه الحملة من خلال أجهزة الإعلام والملصقات والافتات الضخمة في الكباري.
الدين والفن يتحدان
حملة «سليمة» لمناهضة ختان الإناث اتخذت أشكالا عديدة في السنوات الماضية وامتدت في ولايات السودان المختلفة وشهدت ولاية النيل الأزرق احتفالية كبرى بمشاركة القادة المحليين، وفي مدينة أمدرمان شهد أحد ميادينها الكبيرة نقلة نوعية تضامن فيها الفن مع الدين، شاركت فيها هيئة شؤون الأنصار «الجناح الديني لحزب الأمة القومي» إضافة لعدد من الفنانين والتشكيليين والمنظمات العاملة في هذا المجال والجهات ذات الصلة، والمؤيدين والداعمين لحملة سليمة. وأقامت جمعية «بابكر بدري» العلمية للدراسات النسوية بالتعاون مع يونيسيف احتفالية مفتوحة للإعلان والتوقيع الجماعي للتخلي عن ختان الإناث، واحتوت على العديد من الفقرات الغنائية الشعرية والمسرحية التي تؤكد خطورة هذه الممارسة وشاركت الأسر بفعالية في هذه الاحتفالية.
«سليمة» تمتد خارج السودان
الحملة جاءت متكاملة وشاركت فيها الحكومة والمجتمع المدني ولعل من أسباب نجاحها أنها استلهمت ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده، وهي تتخذ شعار أن «كل بنت تولد سليمة تترك وهي تنمو سليمة»، ولم تقتصر الحملة على السودان فحسب ، بل تطورت إلى الملتقي الاقليمي لسليمة الذي شهدته الخرطوم في تشرين الأول/اكتوبر عام 2014.
اكتسب الملتقى أهمية كبيرة من خلال مشاركة خمس دول فيه هي مصر، اليمن، اثيوبيا، الصومال، وجبوتي، إضافة للسودان الذي اتسمت مشاركته بتقديم الدعم السياسي للحملة ويرجع الفضل للمجلس القومي لرعاية الطفولة والشركاء من منظمات المجتمع المدنيوالدعم الدولي عبر منظمة يونيسيف.
شارك في الملتقى أكثر من 300 شخص في الجلسات التي استمرت على مدى ثلاثة أيام في مداولات الملتقى بما في ذلك مجموعات العمل الخاصة بالشباب والتي انتظمت خلال الأيام الثلاثة بالتوازي وتم دمج مخرجات عمل هذه المجموعة مع مداولات الملتقي .
الأهداف العامة للمنتدى الإقليمي لسليمة 2014 ارتكزت على ضرورة التخطيط لاستراتيجيات محددة للتواصل وتعزيز حركة واسعة النطاق للتخلي عن ختان الإناث / البتر في المنطقة، وتوفير مساحة للشباب الذين برزوا كشركاء حاسمين في مجال التنمية وكوكلاء للتغيير.
وخرج الملتقى بالعديد من التوصيات منها تعزيز الدور النشط للشباب بإنشاء تحالف بين الشباب وآليات التنسيق الوطنية في مختلف الدول عبر تكويين مجموعة إستشارية للشباب، وإستخدام المتاح من المساحات والتشبيك على مستوى الحكومة والمجتمع المدني لابراز الاعداد المتزايدة من الأفراد والمجتمعات التي تحتضن الحركات الاجتماعية للتخلي عن ختان الإناث مثل» سليمة».
وطالب الملتقى بإنشاء شبكة قوية بين الدول المجاورة لضمان التعاون عبر الحدود بينها، وناشد المشاركون والمشاركات في الملتقى الإقليمي لسليمة الحكومات والشركاء، وجميع الأطراف المعنية، دعم هذه الحملة والحملات المشابهة من خلال تقديم التسهيلات وإيلاء الأولويات لاسلوب المعالجة المتسق للتخلي عن ختان الإناث، وإقامة الحملات على أساس القيم الثقافية الايجابية حتي يتم توفير البيئة المواتية للتغيير على المستوى الفردي وعلى صعيد الأسرة والمجتمع والمؤسسات، مع ضرورة أن تتبلور الالتزامات الحكومية في دعم تنسيق تطوير السياسات التي تساهم في تطوير عملية التخلي عن ختام الإناث عبر تضمين الخدمات الصحية والخدمية في الموازنات وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لمقابلة إحتياجات المجتمع لاحداث التغيير.
النتيجة الآن!
ورغم الجهود التي بذلت فإن كثيرا من الناشطين يرون أن الدولة لا تلتزم بتعهداتها الوطنية والدولية. ووفقا لتقارير غير حكومية، فإن الظاهرة ما زالت منتشرة وتمارس على ما يفوق 80٪ من الإناث في السودان. ويقول ناشطون إن المعدلات التي تصدرها الحكومة غير صحيحة، خاصة بعد إنفصال الجنوب.
وصادقت الدولة على العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية والاقليمية التي تعمل على حماية حقوق الطفل ومنها، إعلان السودان للأمومة الآمنة 1999. وجاء في النص (أكدت الدراسات المتوفرة عن ممارسة العادات الضارة ان هنالك علاقة بين ختان الإناث ومضاعفات الحمل والولادة). وحددت السياسة القومية شيوع ختان الإناث كأحد أبرز التحديات التي تواجهها وأعتبرت إجتثاثها من أهدافها.
صلاح الدين مصطفى