ان ينزل مواطنون لبنانيون عاديون مع أطفالهم إلى تظاهرة للمطالبة باسقاط الحكومة وحل مشكلة النفايات، مع معرفة هؤلاء حجم الخطر الذي يتهدد أولادهم بسبب استخدام الشرطة اللبنانية العنف المفرط مع المتظاهرين، فهذا يعني أن اليأس لدى كثير من اللبنانيين وصل إلى درك لم يصله من قبل. هناك من وصل إلى نقطة اللاعودة. بالنسبة إلى عدد من المتظاهرين فإن الموت، من دون شكّ، بات أفضل من الخنوع في هذه البلاد تحت هذه السلطة الجائرة. ولهذا لم يترددوا في الوقوف في وجه القوى الأمنية المولجة حماية السرايا الحكومية من المتظاهرين، وتلقوا بصدورهم ووجوههم المكشوفة هراوات العــــســكــر ورصــاصهم المـطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع.
هذه المرة الأولى التي تشهد فيها بيروت في هذا النوع من التظاهرات، حضوراً كثيفاً لأطفال يرافقون ذويهم للمطالبة بمستقبل أفضل. بعض الأطفال صغار لا يعون شيئاً مما يحدث. لكن أهاليهم أصروا على إحضارهم، لكي يعلموهم الحرية منذ الصغر، ولكي يؤسّسوا شخصياتهم على رفض الظلم. إحدى السيدات أتت مع ابنتها التي تبلغ السادسة، وابنها البالغ تسع سنوات. تقول إنها لا تخشى الرصاص بقدر ما تخشى من المستقبل القاتم لأبنائها. لا تعرف ماذا ينتظرهم في بلاد لا تحترم الإنسان، ولا تؤمّن للأجيال طموحات لائقة بمستقبل أفضل. سيدة أخرى تقول إن ابنتها الصغيرة البالغة ثماني سنوات تطالبها بضرورة الهجرة من هذه البلاد. أن يفكر أطفال بعمر الورد بالهجرة، فهذا لا يعني إلا شيئاً واحداً، التربة في هذه البلاد مسمّمة. ولا عجب، فالنفايات، تطمر، كالجثث والتاريخ والأفكار والكتب والأحلام.
أحد المتظاهرين أحضر معه كلابه الثلاثة. لكنته العربية مكسّرة، لأنه عاش لأكثر من عشرين عاماً مهاجراً في كندا. وقرر العودة أخيراً، ليجد بلاده تغرق بالنفايات. قرر المشاركة في الانتفاضة ضد السلطة، لأنه لا يريد الإستسلام مجدداً للهجرة. يقول إنه أحضر كلابه الثلاثة لأن من الممكن ان يشكلوا نموذجاً تحتذي به الحكومة: «الكلب اذا اخطأ، يستحي بخطئه، يستدير ويختبئ، لكن حكومتنا تخطئ وتواجه شعبها بوقاحة، وتستمر بالخطأ».
أحد الأطفال يقول بوضوح، وقد جهّزته والدته بكمامة ونظارتين لحمايته من الغاز المسيل للدموع: «لا أريد أن أصير سياسياً في المستقبل كي لا أُشتم من شعبي». بالنسبة إلى جيل كامل، تتحول السياسة إلى عيب. ويتحول العمل السياسي بحد ذاته إلى شتيمة. ليس هناك مسؤولون سياسيون في لبنان لم يُشتموا من قبل الناس. منذ سنوات والطبقة السياسية برمتها تشتم من قبل الشعب اللبناني. صحيح أن كل فريق يشتم زعماء الفريق الآخر، لكن الجميع نالوا الشتائم التي يستحقونها. في هذا الحراك الأخير، والواعد، يبدو أن كثيرين توحدوا على شتم الجميع ونبذهم دفعة واحدة، بعدما تبين بوضوح، أن هذه الطبقة السياسية برمّتها، ورغم خلافاتها السياسية، تعمل بالتكافل والتضامن ضد مصلحة شعبها، مطمئنة إلى خدر الناس وانصــيــاعـهم إلــى شبكة المصالح التي تؤمنها للمستزلمين لديها.
التجمعات التي بدأت عفوية، ثم راحت تتخذ اشكالاً أكثر تنظيماً، ما كانت لتنطلق لولا أن رائحة مقرفة أزكمت الأنوف، بعدما تراكمت النفايات في الشوارع. وهذه التجمعات، المؤلفة من جماعات مختلفة، ميزتها، حتى الآن، أنها لا تفكر أو تتحرك بمنطق الجماعة. التنوع الفردي البارز بين هذه الجماعات، وحتى بعض الخلافات التي راحت تنشأ فيما بينها على مسائل تتعلق بالأسلوب والتنظيم والأهداف، لا يمكن وضعها إلا في خانة الإيجابيات. فالمشكلة الأساس في بلد مثل لبنان هو تحكم الزعماء السياسيين بالجماعات السياسية (والطائفية) اللبنانية. كل زعيم يتحكم بطائفته، بشكل شبه كامل، على القاعدة التي وضعها غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير»، والتي تقول باختلاف «نفسية الناس المنخرطين في الجمهور أساساً عن نفسيتهم الفردية»، فـ»الذكاء الفردي لا يلعب أي دور في هذا المجال، فدوره يتعطل عندما يصبح الإنسان منخرطاً في الجماعة. وحدها العواطف اللاواعية تلعب دوراً آنذاك».
من هنا يبدو ايجابياً جداً إنضمام الناس أفراداً إلى حراك ليس له حتى الآن أي إطار جماعي واضح، وهو ما يسمح للـ»ذكاء الفردي» أن يلعب أدواراً عديدة، لكن لا تغيب أيضاً العواطف اللاواعية التي تستقدمها الجماعات معها إلى الميدان. بهذا المعنى، يشكل خليط الأفراد مع الجماعات، مادة يغنيها الإختلاف بين الأفراد انفسهم، وبين الجماعات على اختلافها. من هنا يستمد الحراك حياته، على قاعدة مهدي عامل الشهيرة «الموت في التماثل والإختلاف حياة الزمن». لا يتشابه الناس في الشارع المنتفض ضد الحكومة اللبنانية. للمرة الأولى تكال اتهامات كثيرة متناقضة لتحرك ما. فهو «نخبوي ثقافي» بالنسبة إلى بعض المنتقدين، و»شعبوي» بالنسبة إلى بعضهم الآخر. هناك من قال إنه لم ير في التحرك إلا «ساعات الروليكس والثياب السينييه»، وهناك من لم ير فيه إلا الفقراء الغاضبين الآتين من الأحياء الشعبية. هذا يعني أنه حراك متلون وغني بالإختلاف والتناقضات. ولهذا لم يستطع أحد بعد اتهام فريق بتدبيره ضد فريق آخر، كما سبق أن حدث في تحركات سابقة طالبت باسقاط حكومات.
التاريخ اللبناني لم يشهد تظاهرة شعبية متنوعة ضد حكومة «وحدة وطنية» تناضل جميع الأحزاب المشاركة فيها من أجل صمودها واستمرارها، كضمانة لاستمرار النظام المهدد بالفراغ التام، بعد شغور كرسي رئاسة الجمهورية، وتمديد المجلس الـنيابي لنفسه بطريقة غير شرعية.
لم يتفق المنتفضون في الشارع على المطالب، ولا استطاعوا توحيد الهتافات، أو رسم سقف واضح للتحرك. الحراك تخطى مطلب التخلص من النفايات بأشواط. بالنسبة إلى كثيرين ليست هذه بمشكلة. التحرك يهدف إلى إسـقـاط أي شـيء يـمـكـن اسقاطه من مداميك النظام اللبناني القائم على الطــائفــية والوراثة السياسية والفساد. محاصرة الســلـطة في الســرايا الحكومية إنــجـاز بحد ذاته. إحراج القوى الــســيـــاسية على اختلافها، انجاز آخر. مشاركة وجوه وفئات جديدة في التحركات المطالبة بالتـغـيير تدفع للتفاؤل. أما حضور الأطفال، وبكثرة، فذلك هو الأمل.
رامي الأمين