«كطلاب تتعلمون العربية.. نحن بحاجة إلى مساعدتكم لافشال عملية وصلتنا عنها معلومات مؤكدة». هكذا يبدأ درس يقوم بتعليمه الجنود لطلاب المرحلة الاعدادية. هدف النشاط ـ جزء من شيء شمولي لسلاح الاستخبارات بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ـ ان يدفع الطلاب «تعلم وفهم اهمية اللغة العربية» والطريقة التي تم اختيارها هي مجموعة من التهديدات والتخويفات العملية الخيالية من المفترض ان تحدث في المدرسة التي يتعلم بها الطلاب. على ما يبدو من اجل تعظيم المغامرة «خلال سنوات ركز الجهاز التعليمي على تهيئة اللحم الاستخباراتي للجيش الاسرائيلي» يقول البروفيسور رؤوفن شنير، عميد كلية العلوم الانسانية في جامعة حيفا.
الدرس منذ آب 2014 يكتب من قبل مرشدي «الاستشراق» الذين يعملون في المدارس. الدرس مكون من اربعة مهام: الاولى هي الكشف عن مكان العملية عن طريق جدول، الثانية، هي الحصول على تفاصيل عن المخرب («لديه شارب ونظرة جدية وشعر اسود»)، الثالثة، تتصل بنقل ادوات حربية والرابعة هي الكشف عن وقت العملية.
اذا نجح الاولاد بترجمة «جملة باللغة العربية يمكن القول انه بسبب معرفتهم العربية قد انقذوا الكثير من الطلاب في المدرسة»، يقترح الدرس وينتهي بكلمات بارزة: «اللغة العربية هي لغة ضرورية للوجود والنقاش في دولة اسرائيل».
هذه الدروس هي نتيجة ضرورية لاخضاع تعليم اللغة العربية للحاجات العسكرية والعلاقة الغريبة بين جهاز التعليم وبين الجيش الاسرائيلي. في الصفوف الاعلى يستمر التركيز على تسلسل المخاطر، مع الاعتزاز بعمليات التصفية المعروفة وايضا القليل عن الكارثة. ويشمل البرنامج «درس مغامرة» حول تهديد الانفاق «وميراث معركة لافت» حول اغتيال ابو جهاد. طلاب الثاني الاعدادي يستطيعون اختيار درس حول تصفية يحيى عياش وفي الصف الثالث الاعدادي يتعلمون حول «تأثير المصادر الإسلامية القديمة على نمط عمل داعش وحماس اليوم». وفي الصف الاول ثانوي احتمالين: اغتيال زعيم حزب الله عباس موسوي او درس عن «الجهاد العنيف والاخذ بالازدياد في اوروبا».
كجزء من «حلم المسلمين لنشر دين الإسلام بارجاء العالم» درس آخر يمكن تعلمه في «شهر الكارثة فقط»: مساهمة الاستخبارات في القاء القبض على ادولف ايخمان.
التعايش العسكري التعليمي لم يبدأ في الاونة الاخيرة. بحث جديد للدكتور يوحنان مندل من معهد فان لير والجامعة العبرية في القدس يكشف من خلال مجموعة وثائق جذور التعاون بين الجهاز الامني وبين وزارة التربية والتعليم في تعليم العربية للطلاب اليهود.
هكذا كتب عام 1956 مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية شموئيل ديفون، لرئيس الاستخبارات العسكرية يهوشباط هركافي تحت عنوان «تجنيد من يتعلمون مادة الاستشراق في المرحلة الاعدادية»، انه «يجب الاهتمام بتطوير كوادر يستطيعون أداء مهام تتعلق بالشؤون العربية» الامر الذي يتطلب «ملائمة الجهاز التعليمي لهذه الحاجات الخاصة». بعد ذلك بثماني سنوات ابلغ سلاح الاستخبارات «اللجنة القطرية لمعلمي العربية» انه «على ضوء مطالب الجيش الاسرائيلي المتزايدة، بادر رئيس الاستخبارات العسكرية إلى عقد جلسة مع وزارة التربية التعليم من أجل تشجيع تعلم العربية». رسالة من تاريخ 1976 تتحدث عن لقاء تنسيق بين رئيس الاستخبارات العسكرية شلومو غازيت ووزير التربية والتعليم اهارون يادلين.
يتبين من البحث أن قسم «تيلم» أقيم بعد حرب يوم الغفران كجزء من قرارات تم اتخاذها في الجيش حول تعليم العربية. ليس مؤكدا أن الامور قد تغيرت كثيرا منذ ذلك الحين حتى وإن أصبح التدخل العسكري في السنوات الاخيرة من وراء الكواليس. «يتم اعطاء دروس «تيلم» من قبل جنود لطيفين، لكن الأجندة عسكرية تماما»، كما تقول معلمة قديمة للغة العربية. «يصلون بالزي العسكري فيُسحر الاولاد، ووزارة التربية والتعليم بدل أن تكافح ذلك تقوم باستدعائهم.
هناك اساتذة يعتقدون أن هذا تواصل طبيعي وهناك من يتشوشون من العسكرة لكنهم يحذرون الانتقاد. ربما يخافون في وزارة التربية والتعليم لأنه بدون الجيش لن يرغب أحد في تعلم العربية». أحد الخبراء في تعليم العربية يقول «بسبب الوطنية فان إيران والعراق وداعش تظهر بنفس الصورة. كان على وزارة التربية والتعليم عمل توازن في النظرة الامنية، لكن هذا لا يحدث تقريبا».
اضافة إلى الدروس في المدارس، يقوم قسم «تيلم» باجراء دورات لمدة اربعة ايام لتشجيع الطلاب على توسيع تعلم العربية. كما جاء في نشرة تم ارسالها قبل بضعة ايام لمعلمي العربية. فقد شارك في هذه الاطر في السنة الماضية 3388 طالبا من 128 مدرسة. القسم يقوم باجراء دورات «معرفة في الأفق» ويعقد اللقاءات والمؤتمرات ويشرف على لغز اللغة العربية القطرة الذي يستهدف طلاب الاعدادية، وهو يشارك في مؤتمرات الرقابة على تعلم العربية في وزارة التربية والتعليم.
يبدو أنهم في الوزارة يفضلون التقليل من شأن التعاون الوثيق مع الجيش. «هدف تعليم العربية في دولة اسرائيل هو معرفة الثقافة، اللغة، الارث والتاريخ للشعب العربي»، قالت المسؤولة عن اللغة العربية في وزارة التربية والتعليم، سيغليت شوشان، في نقاش جرى في لجنة التعليم التابعة للكنيست في السنة الماضية.
وعندما أشار رئيس اللجنة في حينه، عمرام متسناع، إلى أن تعليم العربية لا يجب أن يشكل فقط «تهيئة للجيش»، رد البروفيسور ابراهام شلوسبرغ من جامعة بار ايلان قائلا «لقد تجاوزنا منذ زمن مرحلة تهيئة الجيش». وقبل ذلك بأشهر انتقد البروفيسور شلوسبرغ قرار وزير التربية والتعليم السابق شاي بيرون الغاء التعليم الالزامي للعربية في الصف الثالث الاعدادي.
بحث د. مندل عن «العربية الامنية» ـ لغة خاصة لا يتم التحدث أو الكتابة بها، بل ترجمتها وسماعها من اجل الفصل وليس التواصل ـ البحث نشر باللغة الانجليزية في السنة الماضية وهو يعتمد على رسالة دكتوراة كتبت في جامعة كامبردج. وفي السنة القادمة سيتم نشر البحث ككتاب باللغة العبرية. وحسب قوله فان «الاستشراق» (خطة مكثفة أولية لتعليم العربية في المدارس اليهودية) أقيمت في بداية الخمسينيات بمبادرة مشتركة بين قسم التوجيه في الجيش وسلاح الاستخبارات والحكم العسكري مع مكتب رئيس الحكومة، وبالتحديد مكتب مستشار الشؤون العربية ووزارة الخارجية.
«كانت وزارة التربية والتعليم هي الجهة الأقل أهمية في وضع هذه المادة، فهي فقط ترد على الرسائل من مكتب مستشار الشؤون العربية». قال مندل، «هكذا بدأ التوجه الذي يعتبر العربي غريب، واعتُبر اعضاء سلاح الاستخبارات شركاء طبيعيين. هذا أحد الاسباب أنه في التعليم اليهودي لا يقوم العرب بتعليم العربية، وعلى مدى سنوات لم يكن أي عربي في اللجنة المهنية. هذا جهاز خريجي الاستخبارات وهو يقوم بتهيئة الطلاب للاستخبارات».
د. بسيليوس بفادي، الذي يُدرس في جامعة بار ايلان وكلية أودانيم، هو العربي الوحيد في اللجنة المهنية التي تتكون من 15 أكاديميا هم موظفون في وزارة التربية والتعليم ومعلمون قدماء. «أنا لست صهيونيا، لكنني لا أعارض ذهاب طلاب العربية إلى الاستخبارات لأن هذا سيخدم في نهاية المطاف أهداف اخرى»، قال ذلك بلغة دبلوماسية. وقد عقب على اقوال شلوسبرغ فقال «إن الحاق الضرر باللغة العربية هو ضرر للنسيج الاجتماعي بين الاقلية العربية والاغلبية اليهودية. لهذا فهو ضرر حقيقي لأمن الدولة».
وزارة التربية والتعليم تقوم بتشغيل 1317 معلما للغة العربية، فقط 167 منهم عرباً. هذا العدد لا يشمل المعلمين الذين يعملون بشكل مشترك مع جمعية «صندوق ابراهيم» التي تقوم بمشروع «يا سلام» بالعربية في نحو 190 مدرسة للمرحلة الاعدادية. «منذ عشرات السنين تفضل وزارة التربية والتعليم أن يقوم اليهود بتعليم العربية». قال أمنون باري سولتسيانو، وهو مدير شريك في الجمعية. «يصعب تفسير ذلك في دولة ليس فيها نقص للمعلمين. والسبب هو الدوافع العسكرية لتعليم العربية، لذلك فان المعلمين العرب لا يستطيعون التعايش مع لعبة كهذه».
في السنة الماضية تقدم 2487 طالبا يهوديا للامتحان في امتحان البغروت الموسع بالعربية. وقياسا بالسنوات الماضية حيث كان عدد الطلاب الذين تقدموا للامتحان 2200. صحيح أن الحديث يدور عن تحسن، ولكن بنظرة أوسع، فان الحديث عن أقلية قياسا بعدد الطلاب بشكل عام الذين تقدموا لامتحان البغروت. ومن خلال معطيات المقارنة قبل بضع سنوات يتبين أن العربية هي أحد المجالات الغير مطلوبة كثيرا في المرحلة المتوسطة. السؤال هو ليس عدد الطلاب الذين يتعلمون العربية بل ما هي المعارف التي يتعلمونها. وكشخص مطلع على الموضوع عن كثب فانه لا يتم تعلم الحديث بالعربية، وهذا غير مفاجيء، لأن اغلبية المعلمين لا يتحدثون العربية.
حسب اقوال مندل فان «السبب الاساسي لفشل تعليم العربية المتواصل هو الوضع الامني الذي شكل طريق تعليم العربية، الذي يقوم بتهيئة الموظفين للتعليم. إذا اعتقد الموظف أنه ليس هناك مشكلة في التعليم مع صور سلاح الاستخبارات على الجدران، فان الطالب ايضا سيقبل ذلك. واذا اعتقد أنه لا داعي لتعلم الحديث فان الطلاب سيقبلون ذلك ايضا».
مندل يقترح اجراء التغيير والبدء في تعليم العربية من خلال تغيير طريقة التعليم واخراج الاستخبارات من المدارس وتحويل العربية إلى لغة مدنية.
في وزارة التربية والتعليم يقولون إن الجيش لا يتدخل في وضع خطط التعليم بالعربية. وحسب مصادر مختلفة فان اعضاء لجنة المادة لا يلتقون مع ممثلي جهاز الامن. يمكن أن لقاءات رسمية كهذه ليست ضرورية كما كانت في السابق: «من الواضح أن هناك علاقات غير ظاهرة»، يقول أحد البارزين في جهاز التعليم، عن طريق «تيلم» مثلا أو من خلال معرفة سابقة. الجيش هو عامل لا يمكن تجاهله.
يقول البروفيسور مئير بار آشر من الجامعة العبرية إن هذا عاملا مهما، لكن لا يجب التركيز عليه فقط. لقد حاولت اجراء التغيير وأن يتعلموا العربية من خلال التركيز على الثقافة الواسعة، لكن هذا لم يرق للوزارة. وحسب البروفيسمر محمد أمارة، رئيس التعليم المتقدم في الكلية الاكاديمية بيت بيرل: «الجيش يسيطر على التعليم العربي مثل مجالات كثيرة في الحياة. وبدل التفكير بشكل مستقل فقد قررت الوزارة الالتصاق بالجيش».
«كنت في جهاز «إعرف عدوك» لعدة سنوات، وفي الاجهزة التي كانت تقول «إعرف جارك». قال البروفيسور شمير. «الاموال المستثمرة في الاول خيالية، والحكومة لا تريد تطوير الثاني. والعلاقة بين الاستخبارات وبين تعليم العربية ألحقت الضرر فقط. يبدو أننا تأخرنا: يصعب جدا تغيير اتجاه السفينة».
هآرتس 30/8/2015
أور كشتي