من الطبيعي أن الافكار الصحيحة تعود وتظهر مرة تلو الاخرى. وهي تسبق زمنها، تختفي وتعود، إلى أن تحين اللحظة التاريخية الصحيحة، فتتحقق. مثل فكرة الاتحاد الاوروبي بعد مرور 100 عام عليها. آبا ايبان قال ذات مرة: «الحكومات والشعوب يفعلون دائما الامر الصحيح ـ بعد استنفاد جميع الاحتمالات».
والشيء نفسه فيما يتعلق بفكرة الدولتين المتداخلتين كونفيدراليا.
أورن يفتحئيل في مقال بعنوان «لماذا كونفيدرالية» في «هآرتس» بتاريخ 21/8، يرد على اقوال رئيس الدولة رؤوبين ريفلين حول الفيدرالية الاسرائيلية الفلسطينية بين النهر والبحر. يفتحئيل أشار إلى مبادرته الجديدة المسماة «دولتان ـ وطن واحد» التي تستند إلى فكرة مشابهة. لكن لا جديد تحت الشمس.
أثناء حرب سيناء في 1956 اتصل بي نتان يالين مور، زعيم الليحي السابق. وقد كنا غاضبين: يالين مور غضب من التحالف غير المقدس مع بريطانيا وفرنسا، دولتان كولونياليتان مندثرتان. وأنا غضبت من محاولة اسقاط نظام جمال عبد الناصر الذي اعتبرته حليفا محتملا لدولة اسرائيل. في أعقاب المحادثة قامت مجموعة تسمى «العمل الاسمي»، كانت تشمل اعضاء اضافة لنا نحن الاثنين، بوعز عبرون، عاموس كنان، رؤوبين يردور، بنيامين اسرائيلي وآخرين. وقد قررنا وضع خطة مفصلة لتغيير الدولة من الأساس في كل المجالات تقريبا.
اجتمعنا لمدة عامين اسبوعيا، وبين الجلسة والاخرى اجتمعت لجان ثانوية. وقد كنت اترأس اللجنة الثانوية التي اختصت بعلاقات اسرائيل مع الشعب الفلسطيني والعالم العربي ككل. النتيجة كانت وثيقة «البيان العبري»، نسخته الاولى نشرت في ايلول 1958 وفيها 82 مادة. ربما يستغرب يفتحئيل من التشابه بين فكرته وبين تلك الخطة.
تحت عنوان «اندماج في المكان» جاء في المادة 11: «اسرائيل جزء لا يتجزأ من ارض اسرائيل. وارض اسرائيل هي جزء لا يتجزأ من المكان السامي». وفي المادة 15 جاء: «ارض اسرائيل هي ارض واحدة ـ من البحر إلى الصحراء. اعادة توحيد ارض اسرائيل لن تتم إلا على أساس التعاون الحقيقي بين الأمة العبرية والأمة العربية في البلاد». يجب علينا تذكر أنه في تلك الايام كانت الضفة الغربية تحت السيطرة الاردنية، وقطاع غزة تحت السيطرة المصرية.
في المادة 21 جاء: «ارض اسرائيل الكاملة هي وطن أمتين ـ العبرية التي حققت استقلالها في اطار دولة اسرائيل، والعربية الفلسطينية التي لم تحظ بعد بالاستقلال. دولة اسرائيل ستساعد سياسيا وماديا حركة تحرير أبناء الأمة الفلسطينية في المملكة الاردنية وفي قطاع غزة ومخيمات اللاجئين الذين يطمحون لاقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون شريكة لدولة اسرائيل». وفي نفس السياق «يُقام اتحاد فيدرالي في أجزاء ارض اسرائيل مع الحفاظ على سيادة الدول المشاركة فيه». لقد تحدثوا عن الفيدرالية مرات عديدة.
يبدو أن هذه الخطة قد سبقت زمنها كثيرا، و»البيان العبري» نُسي. خلال حرب الايام الستة نشرت في الصحيفة اليومية التي اصدرتها في حينه والمسماة «صفحة»، وفي اسبوعية «هعولام هزيه»، خطة لاقامة دولة فلسطينية على الفور. وقد التقيت مع رئيس الحكومة ليفي اشكول في محادثة مطولة، واستمع لي باهتمام وقال: أوري، أي تاجر أنت؟ في المفاوضات يطلبون في البداية الحد الاقصى ويقترحون الحد الادنى من اجل التوصل إلى حل في نهاية المطاف. وأنت تريد اقتراح كل شيء مسبقا.
وأجبته: عند بيع حصان يكون هذا صحيحا. لكن هذا ليس صحيحا عند إحداث تغيير تاريخي.
خلال التسعينيات وبعد انتخاب اسحق رابين أقمنا حركة «غوش شالوم». وقمنا بتوزيع قمصان عليها الإعلام الاسرائيلية والفلسطينية وشعار «دولتان ـ مستقبل مشترك». الحركة تؤيد حل الدولتين على أن تكون الحدود مفتوحة والقدس عاصمة للدولتين.
فكرة الكونفيدرالية أو الفيدرالية للدولتين يتم طرحها مرة اخرى لأنها صحيحة. فهي تدمج أسس السلام وطموح الشعبين للاستقلال الوطني، كل شعب في دولته، وحب الشعبين لنفس الارض. لذلك ليس هناك بديل لهذا الحل.
فكرة الفصل السلبية بين الشعبين لن تنجح، وايضا فكرة تعايش الشعبين في دولة واحدة. والحرب الاهلية المتواصلة ستستمر في هذه الدولة منذ يومها الاول وحتى يومها الاخير.
الفرق بين الفيدرالية والكونفيدرالية غير ثابت. توجد للكلمتان معان كثيرة في اللغات المختلفة والدول المختلفة. المتعارف عليه هو أن الكونفيدرالية هي اتحاد أكثر ضعفا، أما الفيدرالية فهي أكثر قوة. الولايات المتحدة فيدرالية (عاشت حرب أهلية ضد المطالبين بالكونفيدرالية). المانيا فيدرالية، سويسرا كونفيدرالية. فما الفارق؟.
في جميع الاحوال يجب مباركة المبادرة الجديدة ليفتحئيل واصدقائه. يمكن أن تكون هذه الفكرة الآن تسبق زمنها ـ لكن زمنها سيأتي. ليس لأن هذا هو الحل الصحيح، بل لأنه الحل الوحيد.
هآرتس 31/8/2015
أوري أفنيري