لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، هي آية قرآنية وحكمة ربانية تحمل بين طياتها الكثير من الدلالات والمعاني، التي تربط العلاقات الدنية والسياسية بين المسلمين وغير معتنقيه من باقي الديانات السماوية الأخرى، وبإسقاطها على المدلولين الأخيرين (أي المجال الديني والسياسي باعتبارهما مترابطين، وإن كان البعض يعمل على الفصل بينهما)، فإن طبيعة العلاقات التي تحكم المجريات الدينية والسياسية وتفاعلاتها الظاهرية منها والخفية، تبرز أنها محكومة بهذه القاعدة من طرف» الشياطين الحمر» في تعاملاتهم مع العرب والمسلمين، بمحاولاتهم المتكررة وأساليبهم المكِرة التي تعمد لجعلهم مجرد قطيع نعاج تابع، وفاقد للأهلية وخاضع للوصاية. هي بذلك قاعدة إلهية أمَدَّن الله بها قبل خمسة عشر قرنا مضت، كمنهج يوضح المنطق والطبيعة السيكولوجية والعقائدية التي تحكم وتوجه بعض معتنقي الديانات السماوية (التي تعرضت للتحريف) للمسلمين، باعتبارهم من رواد إيديولوجية الإخضاع، وتنبيهنا وانذارنا بعقيدتهم الأصلية ومقصد غايتهم. فهل استوعبنا مكنونها؟ والى أي حد نستحضرها في تعاملاتنا سواء السياسية منها أو الدينية مع غير معتنقي الإسلام، أو مع «المتأسلمين» الذين لا يحملون من الإسلام سوى النعت غير المتصل بالمنعوت؟ وماهي إسقاطاتها على واقع هذه العلاقات؟
إذا كانت العلاقات السياسية تمثل الأداة الأساسية المتحكمة في تحريك كافة مرتكزات الدولة، والفاعلة في تغذية «عصب أجهزتها ومفاعلاتها، فإن الروابط بين الغرب والشرق أصبحت تشكل فيها اليوم القنوات الدبلوماسية والمبادلات التجارية والعلاقات السياسية، أحد الأسس الهامة التي من شأنها المساهمة في خلق تواصل بين الحضارات، تذكيها المصالح المشتركة بين هاته الدولة أو تلك. خصوصا أن الغرب «بشياطينه الحمر والزرق»، يعملون على الابتداع في أساليب اختراق الهوية الثقافية والعقائدية للمسلمين، عبر مجموعة من الأدوات الضبطية، التي يمثل ظاهرها مدخلا للتوافق والسعي لتكريس مظاهر الانفتاح الاقتصادي والتعاون التجاري والانفراج السياسي، وفي باطنها تغيير لمقومات المجتمع والهوية المحافظة التي تميزه، وإخضاعها لمثيلتها بالغرب سعيا لتكريس تمظهرات الإيديولوجية القطبية المعادية لثوابت الأمة الإسلامية وعقيدتها السماوية.
إن استحضار هذه الحكمة في العلاقة مع الغرب وشركائه بالمنطقة، من شأنه إضعاف مخططاته والتأثير النوعي على مخرجاتها وتطبيقاتها، التي يعملون من خلالها على توظيف بعض النعرات والتجاذبات التي تؤدي إلى التفرقة بين الأمة الإسلامية، كي تفسح لهم المجال للتدخل بين جمع المسلمين وتغذية مناهج التفرقة والخلاف بدل توفير مدخلات التوافق.
ولعل أهم مدخلات الصراع الديني تلك التي برزت بشكل جلي إبان القرنين الأخيرين بين السعي لتغليب النزعة «الشيعية على السنية» والعكس صحيح، مع العلم أن الصراع الديني مثّل عبر تاريخ البشرية، أطروحة جدلية لا غالب فيها ولا منتصر إلا بالعودة للأصل والشُرعة التي تحكم التوجهين، وإن كان التوجهان (السني والشيعي) ينهلان من معين واحد، وتحكمها ضوابط ربانية وقرآنية لا خلاف عليها.
لقد تطورت التجاذبات العقائدية بين التوجهين، لتصبح ورقة سياسية يتم توظيفها بين القطبين (المملكة العربية السعودية/ الجمهورية الإسلامية الإيرانية)، من طرف الغرب لضمان تكريس نزعة الخلافات وتعميق فجوتها، حتى تضمن مصالحه باللعب على وتر التناقضات، تارة في هذا الجانب وتارة في الآخر. حيث اعتمد في مرحلة أولى تغليب وإبراز «الطرف السعودي» لاعتبارات تتعلق أساسا بموارد الطاقة وللمصالح الاقتصادية والتجارية والعسكرية، وقد أدخل ذلك المنطقة في دوامة من التناقضات البيّنة، أما المرحلة الراهنة فترتكز على السعي لتغليب «الطرف الإيراني» الذي يحمل في عمقه دلالتين، إحداهما ايجابية تتجسد بإعادة النظر في موازين القوى، والعمل على تغيير إحداثيات معالم خارطة التوازنات، والآخر سلبي يسعى لتغليب الإيديولوجية العقائدية والدينية التي تحكم أطرف التجاذبات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وامتداداتها في ربوع الخريطة السياسية عبر العالم.
وإن كان المنتصر في الأخير ليس سوى الغرب بمعتقداته الخبيثة ورهاناته الاستئصالية، لضرب الإسلام والمسلمين، وتدمير حضارتهم ونسف تاريخهم وتحوير عقيدتهم التي تنبي على السلم والسلام، إلى مقاربة تغذي العنف وتولد الإرهاب، وإن تعددت المناهج التي يتبعها الغرب لتكريس تمظهراته وترسيخ توصيفاته المشينة للإسلام باعتباره (الغرب) المتحكم الأساسي في آليات التوجيه والإدارة، ولعل أبرز الأساليب المعتمدة خلال هذا العصر هي «لعبة الإعلام» التي أصبحت في هذه الفترة التي تمر بها المنطقة بالذات أقوى من أسلحة الدمار الشامل و وأفتك من القنابل النووية.
وذلك بالعمل على خلق الصراع بين طوائف المسلمين وشِيَّعِهِم، من خلال العمل على تغليب إحداها على الأخرى في فترة معينة، تليها فترة تبادل الأدوار على مستوى تغيير موازين القوى لصالح الطرف أو الأطراف الأخرى، فتخور قوى الطرفين أو الأطراف المتصارعة والمتقاتلة دون تسجيل انتصار لأحدهما على الآخر، بل تنهار مقوماتهم وتفلس عقيدتهم، وتنعدم شرعيتهم أمام تدخل الطرف الغربي (دعاة التشرذم والتمزيق)، الذي لا يساند سوى من يقبل بالخضوع لأوامره ونزواته، وإتباع منهجه، وبالتالي التخلي عن العقيدة السمحاء لصالح ملّتهم المحرفة.
فبعد الاختراق المكاني للحدود والتحكم في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وتوجيه العمل السياسي والدبلوماسي بما يتوافق مع مقاصد الغرب، ثم استهداف ماهو ثقافي وحضاري، يعمل الغرب مذ مدة على اختراق المجال الديني بالتركيز في مرحلة أولى على تشويه العقيدة ومن ثم نسفها. لأجل ذلك فمعرفة فكر الآخر وتوجهه وغايته، تمثل أولى الخطوات للتصدي له ومن ثم مواجهته. وإلى حين استقرار مقومات هذا التوجه، يبقى فكرنا وخياراتنا معلقة على مدارج هذه المقولة: «موتوا بغيظكم أيها المبطلون».
٭ كاتب من المغرب
العربي بجيجة