ملايين الأطنان من اللبرلة لن تسدَّ جوع الناس للغذاء والدواء.. والعدالة، وكرامة المواطن غير المزورة، والمواطنة غير المختطفة لصالح الوطنية التي تمثل الوجه القبيح للدولة بسياساتها ومنهجيات حكمها وأدواتها في رعاية المصالح العامة، التي تحولت على يديها عبر عقود سوداء إلى مصالح عائلية وتنفيعات ومداراة وشراء ذمم وأصوات وطوابير مدافعين عنها في اللحظات الحرجة، ولا أظن الأمر سيدوم أكثر من هذا، سيكتشف الأردنيون أن الذين خلطوا لهم الأوراق، وقدموا لهم جزءاً من الشعب على أنهم أعداء ومغرضين وذوي أجندات خارجية ومصلحية، أرادوا أن يشغلوا الناس ببعضهم، وأنهم يهيئون لأنفسهم فرص الاختلاف بين الشعب وصولا إلى خلاف يأخذهم كل مأخذ، كي يتفرغوا هم لجمع غنائمهم من مغارمنا، وأن يبنوا قصورهم على أنقاض هزائمنا.. فإلى هذا الحد وصل الأمر في الأردن، منتصرون ومهزومون، وليس ثمة خاسر أو مهزوم غير الناس في معاشهم وقوت يومهم، ووظائفهم ومدارسهم وجامعاتهم التي طالتها يد العبث والتلوث فيخرج الآن من بيننا من يلوح بأن ثمة أيدي خفية تعبث بالوطن من داخل أكثر حصونه حساسية ضد العنف والتخريب والعبث.. وربما السؤال الافتراضي، من هم أصحاب الأيدي الخفية وكل شيء لدينا في الأردن يجري على الملأ وعلى رؤوس الأشهاد، بوقاحة لص وجرأة صاحب حاجة، وكثيرون هم أصحاب الحاجات المتربصون بنا وبالوطن.
لقد أصبح الأردنيون كالفارين من جنازتهم، لا يدرون أي الجهات أنجى لهم من الهاوية، وكل الجهات أمامهم، إما هاوية أو حاجز صد يغلق في وجوههم الأفق، حتى بات حليمهم حيران يسأل إلى أين يمضي الأردن.. وماذا يحاك في وضح النهار لهذا البلد الذي تجتاحه اللعنات من كل الجهات..؟ فهو في موقع لا يحسد عليه.. مملكة في الوسط.. بحسب ما وصفته مجلة ‘ذي أتلانتيك’ بقلم جيفري جولدبرغ، حيث الأطراف كل الأطراف – من العراق وسورية ولبنان وفلسطين والاحتلال الإسرائيلي، كرات لهب تتدحرج ببطء لتشتعل أكثر، إن نجا منها فبالتأكيد لن ينجو من تأثيراتها المحرقة، فاللهب إن لم يحرق، لفح وجوهنا، وأصابنا بالشحوب.
في جامعة الحسين بن طلال وفي مدينة معان، جنوب الأردن، عنف وتخريب واشتباكات، ومدرعات، واقتحام لحرم الجامعة، وقطع للطرق الحيوية، وأربع وفيات، وكثير من الإصابات، وقبلها في جامعة مؤتة لقي أحد الطلبة مصرعه على يد زميله، وفي اليرموك في إربد، محاولة للشغب والعنف، ومن يسأل عن خلفيات الحوادث سيجد لسؤاله إجابات متعددة، ومتغايرة، وكلها قد تفيد في براءة الدولة مما حدث ويحدث، في وقت يشاغب النسور أهل مدينة المزار الجنوبي في الكرك، فيسلك طريقا التفافيا للوصول إلى قرية الطيبة، بدون المرور بالمزار الذي رفعت الأحذية أمام موكبه، تعبيرا عن الرفض والسخط.
ولست أدري ما الذي سيقوله النسور في الكرك والطيبة أكثر مما قاله عبر الشاشات وأمام الميكروفونات..؟ فليست لغتك ولا مظهرك البهي خطاب تزكية لك وأنت تعلم أن ما قلته أنت بلسانك ذات يوم ليس ببعيد لرئيس الوزراء الأسبق معروف البخيت يقال لك اليوم وبالفم الملآن: يداك أوكتا وفوك نفخ.. تذكر هذا جيدا.
ما الذي فخخ جامعاتنا، وجعلها بيئة خصبة للعبث والتخريب وإثارة الشغب والعنف، بالتأكيد ليس هؤلاء الطلبة الذين سال دم بعضهم ، فيما الآخرون مفجوعون على ما يحدث لجامعاتهم، وفيما البعض الآخر ممن كان أداة لما حصل، سوف يخلو لنفسه ويلعن الحال الذي أوصله لهذا المآل، إنهم ليسوا هؤلاء، ولكنها بالتأكيد الحكومات والسياسات التي انتجتها، وبفعلها أغلقت أبواب التعبير عن الرأي، وصادرت آراء الطلبة، وبدل أن تجد لهم هذه الحكومات فرصة الانشغال بأنفسهم بالتعليم والثقافة وإنتاج الوعي، عن الممارسات الخاطئة والسلوكيات المرفوضة، وجد الطلبة أنفسهم أمام فرص من نوع آخر، وتعبير عن الرأي بطريقة مختلفة، وإن كانت هذه الفرص ذات النوع الآخر، والطرق المختلفة الأخرى خاطئة وخطيرة، فإن الخطأ الأكبر والأخطر، هي السياسات التي تنتج فرصا حقيقة لها كي تنمو في الوعي، وفي الثقافة وتتحرك في السلوك.
لقد قالها أحد أعلام النهضة والفكر، جمال الدين الأفغاني، (لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا تاريخ لهم، ولا تاريخ لقوم إذا لم يقم منهم أساطين يحمون ذخائر بلادهم)، كيف نريد لجيل تربى على مصادرة الفكر، وتحجيم الوعي، وإحلال ثقافة وطنية محرَّفة لصالح مصالح الحكم، محل ثقافة تستطيع أن تجعل من الوطنية قيمة عليا، واعتباراً ساميا، حين لا يرى هؤلاء الوطنيون المفترضون وطنهم نهباً لنخب رأسمالية، وغنيمة لعباقرة الشعارات الوطنية، ومحترفي السطو على مقدراتنا وحقوقنا.. كيف تستطيع الدولة أن تطلب من طلبة الجامعات أن يكونوا أمناء على جامعاتهم ووطنهم وعلى مستقبلهم، وأمام أعينهم يسير أولي الأمر بالدولة بجرأة وعن تخطيط ومكر ودهاء إلى المجهول أو إلى مستقبل لا يُفهم معناه في ظل حاضر يسير إليه بلا قدمين، وعلى رأي كارل فالنتين، حتى المستقبل كان أجمل في الماضي. فإلى أصحاب الحكم، أصحاب الدولة والمعالي والسعادة والعطوفة، وما في جعبة الدولة من ألقاب، إننا متورطون بسياسات غبية، تصنع هذا الحاضر المأزوم، وسنتورط حتما إن بقينا هكذا في مستقبل مهزوم.
‘ كاتب أردني