استأنفت تالي يهلوم على ادعاء اوري افنيري أنه في الفترة ما قبل اقامة الدولة، وبالذات ايام اليشوف في ارض إسرائيل الانتدابية، كان السعي الاساسي للحركة الصهيونية كحركة قومية عصرية، هو تحويل اليهود إلى شعب جغرافي جديد، يترك وراءه الدين اليهودي كشيء لا لزوم له من ماضيه في الشتات. وحسب قولها («رغم ذلك، دولة يهودية»، «هآرتس» 18/8)، رغم الراديكاليين «من بين منكري الشتات» في اليشوف الإسرائيلي، الصهاينة الاشتراكيين من شرق اوروبا، فقد ترددوا في الانفصال عن الارث الديني اليهودي. وهي تعتبر أن بيرل كتسنلسون، مؤسس حركة العمل في ارض إسرائيل، والروح الحية للصهيونية الاشتراكية في البلاد، ممثلا واضحا لهذه الظاهرة، حيث عارض الانفصال الكامل للصهيونية عن المصادر اليهودية خوفا من ضعف روح حياة اليهود في البلاد.
هذا صحيح. رغم أنه كان المتحدث البارز للتمرد الصهيوني في الشتات في مجال الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ووضع نصب عينيه نموذج الشعب العبري الجديد، المنتج والمتجذر في ارضه، وتعامل مع الارث الديني الثقافي للشعب اليهودي بنوع من الخوف المقدس. لكن تجدر الاشارة إلى أنه ليس فقط الاعياد والمواعيد استحضرها كتسنلسون من الماضي إلى المستقبل الصهيوني، بل ايضا الاساس السياسي للوجود اليهودي في الشتات ـ الحكم الذاتي اليهودي.
مثل الكثيرين من زعماء الصهيونية في حينه بما في ذلك حاملي لواء الثورة الصهيونية الاشتراكية، لم يتخيل كتسنلسون اقامة الدولة على شاكلة دولة قومية مركزية من النوع الذي كان منتشرا في القرن العشرين، بل سعى إلى نموذج يختلف تماما ـ دولة فيها اغلبية يهودية، لكنها في نفس الوقت مبنية بواسطة دمج الكيبوتسات القومية المستقلة حيث يسيطر اليهود في اطارها على أنفسهم فقط دون سيادة سياسية على الجماعات غير اليهودية.
طرح هذا الحلم زعيم حركة العمل الصهيونية في خطابه في مؤتمر مباي في شباط 1931 حيث تحدث عن نموذج «دولة القوميات» ـ كل القوميات فيها متساوية في الحرية والاستقلال ومستوى السيطرة والتمثيل. وطرح طريقة السيطرة اليهودية الذاتية خلال فترة الشتات ورغب في تبنيها داخل دولة القوميات «في البلاد»: «الاستقلالية القومية ليست جديدة علينا وجذورها عميقة في التاريخ الإسرائيلي… في الصهيونية… وكانت تُسمع اصوات تقول إن الاستقلالية القومية ما هي إلا بقايا من المنفى… حركة العمال في البلاد، مع الشعور الجغرافي العميق لديها… لم تستخف في خلق الادوات للحياة اليهودية المستقلة، ولم تنظر إلى الاستقلال الذاتي القومي كامتياز يهودي بل كطريقة تنظيم وتوفير الحاجات القومية لكل مجموعة قومية في البلاد». رفض نموذج «الدولة القومية» في صالح فكرة الحكم الذاتي اليهودي كجزء من الدولة الفيدرالية متعددة القوميات، تلاءم مع اهتمام كتسنلسون لاستمرارية الثقافة الروحانية للحياة اليهودية في البلاد. مثل صهاينة كثيرين آخرين فقد ارتدع عن نموذج الدولة القومية وعن التفكير في السيادة اليهودية على البلاد التي يعيش فيها غير اليهود، لأن الامر يشبه الانفصال الحر وخلق شعب جغرافي جديد مختلف.
وفي مقابل كتسنلسون كان في اوساط الصهاينة من أيدوا نموذج الدولة القومية بدون تحفظ وبدون خوف من الانفصال عن الماضي. فبالنسبة لهم الدولة القومية التي ستقيمها الحركة الصهيونية ستكون دولة قومية مدنية خالية من الطابع العرقي الديني. ثيودور هرتسل كان الممثل الابرز لهذا الموقف. مع الاحترام الكبير الذي منحه للدين اليهودي، فقد كان الدين في الدولة التي حلم بها ـ أي دين ـ هو الشأن الخاص للمواطنين، الشركاء بفعل ارتباطهم بالوطن السياسي المشترك والسيادة في ارضهم.
هذان الاتجاهان في التفكير السياسي الصهيوني ـ ذلك الذي عبر عن الفيدرالية السياسية لكتسنلسون وذلك التابع لهرتسل وأيد الدولة القومية المدنية ـ كان بينهما قاسم مشترك بارز: مؤيدوهم لم يخطر ببالهم أنه يمكن تبني نموذج سياسي ثالث: الاستمرار في الاستيطان كطائفة عرقية دينية منغلقة مثل المنفى، وايضا السيطرة على مؤسسات الدولة التي يجلس فيها مواطنون يهود وغير يهود. هذا النموذج كان مقرونا بتخليد عدم المساواة المدنية بين اليهود وغير اليهود في الوقت الذي كان فيه معظم مؤسسو الصهيونية اصحاب مواقف سياسية ليبرالية مدنية.
ليس من الصعب رؤية أن الحقبة التي تعيشها الدولة الآن هي تعبير عن النموذج الثالث: نموذج الدولة القومية حيث تحظى مجموعة عرقية دينية واحدة بالسيطرة على كل ما يتعلق بتوزيع المصادر وتحديد البرنامج الحياتي للمواطنين. هذا ـ وليس حق الحفاظ على ارث الآباء ـ هو المغزى الحقيقي للدولة اليهودية التي يقف وراءها اليوم معظم مواطنو إسرائيل اليهود.
يمكن القول وبصدق إنه لا يوجد أكثر طبيعية من هذا ـ الحلم السياسي في جهة والواقع السياسي في جهة اخرى. في الحلم السياسي يتخيلون المساواة المدنية المطلقة، وفي الواقع السياسي فان مجموعة المواطنين القوية تحصل على حقوق زائدة ولا تتنازل عنها بسهولة. لكن لا يمكن أن تحظى بامتيازات في الحاضر وتبرر ذلك من خلال تشويه الماضي؛ الاحتفاظ بالسيادة والسلطة في الدولة من قبل مجموعة مدنية حسب انتمائها الديني والادعاء ايضا أن الآباء المؤسسين سعوا لذلك.
الحقيقة الواضحة هي أن دولة اليهود نموذج 2015 بعيدة جدا عن الصهيونية العصرية، حيث تُداس مبادئها المدنية والليبرالية كل يوم من جديد، من قبل الدولة اليهودية.
هآرتس 1/9/2015
دمتري شومسكي