شهد العالم العربي منذ منتصف القرن عددا كبيرا من أنظمة الحكم العسكرية، وقد استقبلت هذه الأنظمة استقبالا حسنا، لأنها بشرت الناس بمستويات أفضل من العيش صدقها الكثيرون، وكانت المؤسسة العسكرية مقبولة لدى أفراد الجمهور لأنها الأكثر تنظيما ولأنها بخروجها إلى الحكم وضعت حدا لكثير من الأنظمة التقليدية، لكن أنظمة الحكم هذه في معظم أحوالها لم تف بما وعدت به كونها لم تكن تمتلك الرؤية الصحيحة، وتلقائيا تحولت إلى مؤسسات أمنية لا تقبل الرأي الآخر.
ولم يكن السودان استثناء لكونه منذ أن نال استقلاله في عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين ظل يرزح تحت أنظمة حكم عسكرية مختلفة، لم تستطع أن تتبين موضع قدميها حتى الآن، ولا شك أن السودان يواجه في الوقت الحاضر ظروفا صعبة جدا بسبب اتساع دائرة الحروب الأهلية وعدم قدرة الكثيرين على معرفة أسبابها الحقيقية.
وكانت أول تلك الحروب حرب جنوب السودان التي انتهت بانفصال الجنوب، وظن الكثيرون أن هذا الانفصال سيريح البلاد من الصراع، وسيجعل السودان ينتقل إلى مجال جديد تنتفي فيه الصراعات، ولكن حرب الجنوب وما تمخضت عنه كانت حافزا لحركات تمرد أخرى تحمل المنطلقات ذاتها، كما هو الشأن في تمرد دارفور، وعلى الرغم من ذلك لم يقف الكثيرون لتبين هذا النوع من الصراع الذي لا تحركه دوافع الحكم وحدها، كما يظن الكثيرون، بل تحركه دوافع عنصرية، كون مجمل الصراع في السودان يدور حول فلكين عنصريين، أولهما أن الكثيرين في شمال السودان، أو في منطقة حوض النيل يعتقدون أنهم من سلالات عربية خالصة، تختلف عن السلالات الزنجية الموجودة في مناطق البلاد الأخرى، وقد كان هذا الأمر واضحا في التعامل مع الجنوب الذي تسكنه أغلبية زنجية ظاهرة، لكنه قد لا يكون بمثل هذا الوضوح في أماكن أخرى من البلاد، حتى في الشمال ذاته، ذلك أن الشماليين الذين ينسبون أنفسهم إلى العروبة لا يقفون للتساؤل لماذا كانوا مختلفين في سحنهم عن العرب في بلاد العالم العربي الأخرى، أليس ذلك بسبب الدماء الزنجية التي تجري في عروقهم؟
هذا هو اساس المشكلة في السودان، إذ يشعر الكثيرون أنهم مضطهدون بسبب أعراقهم وأنهم يريدون أن يعيدوا لأنفسهم مكانتها الحقيقية، ذلك سر الصراع في منطقة دارفور التي تسير في خط لا يمكن أن يكون بعده استقرار في السودان بأسره، كما سنوضح ذلك الآن.
جاء في بيان ما تطلق على نفسها المجموعة السودانية الديمقراطية، أنه بعد ساعات من انهيار المباحثات في أديس أبابا بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، شنت ما تطلق على نفسها الجبهة الثورية هجوما على المدن في شمال كردفان، وكان الهدف من ذلك إظهار ضعف الحكومة وعدم قدرتها على حماية المناطق التي تسيطر عليها، وهذا أيضا من أجل إضعاف الموقف التفاوضي للحكومة، والسؤال هو التفاوض من أجل ماذا؟ ولماذا يكون التفاوض أصلا مع الحكومة؟
يبدو من الغريب أن تنظر بعض الجهات إلى ما حدث بأنه لا يقف على قاعدة سياسية، بل على أسباب اجتماعية، كما يقول الشيخ المثير للجدل دفع الله حسب الرسول، الذي قال إن ما حدث في أم روابة في كردفان كان بسبب السماح للفتيات بلعب كرة القدم. غير أن ما يحدث من اضطرابات في السودان في الوقت الحاضر اثار خوف مصر التي أرسلت إلى السودان فريقا برئاسة الفريق صبحي صالح لبحث ملفات التعاون العسكري مع السودان، ذلك أن العلاقات المصرية السودانية في المرحلة القادمة لا تحتمل الهزات المتوقعة من جانب السودان، خاصة أن الصراعات في داخل السودان بدأت تأخذ طابعا عنصريا، وذلك ما جعل بعض الكتاب يرددون أقوالا قديمة فيها الكثير من النقد إلى مصر، ومن هؤلاء الكاتب عبدالله قسم السيد الذي كتب سلسلة من المقالات بعنوان ‘الحصاد المر في العلاقات السودانية المصرية’ التي قال فيها إن الدور المصري في السودان يهدف إلى تأمين المصالح الاقتصادية لمصر، وان هذا الأمر كان يمر في الماضي من جوانب عاطفية بسبب ما سماه وهم الثقافة العربية الاسلامية، من دون أن يتنبه الكاتب إلى حقيقة الوجود المصري إلى جانب السودان ولماذا لا تكون هناك علاقة مصالح مشتركة إذا كانت مصر هي هبة النيل وأن النيل يأتيها من الجنوب؟
ولا يستطيع السودان أن يدعي ملكية النيل كونه هو نفسه من دول الممر، والمشكلات التي تأتي الآن من دول المنبع سوف تؤثر على مصالح السودان، ما يستدعي تعاونا وثيقا بين مصر والسودان، ولكن بالطبع فإن التفكير العنصري الذي يحب الكثيرون تسميته بالتفكير الإثني هو الذي يحول دون رؤية الكثيرين إلى مصالحهم الحقيقية ويفضلون بدلا من ذلك الدخول في مرحلة الصراع الذي لن يحقق الفائدة لأحد.
وكما قلت في أكثر من مناسبة سابقة فإن الصراعات العرقية والعنصرية لن تحقق مصالح السودان، لأنه حتى لو تمكنت بعض الحركات العنصرية في دارفور أو غيرها من الوصول إلى الخرطوم والاستيلاء على الحكم، فإن ذلك لن يكون نهاية المطاف، إذ ستبدأ مرحلة جديدة من الصراع وأفضل من ذلك كله هو أن يجلس أهل السودان جميعهم من أجل أن يتفاهموا على كيفية الخروج الذي يحفظ للسودان وحدته.
ويخطئ الكثيرون إذا ظنوا أن الجلوس مع الحكومة والتفاوض معها هو الذي يوفر فرص الحل السياسي السلمي، ذلك أن الحكومة الحالية في السودان جاءت في مرحلة كانت فيها الأنظمة العسكرية مقبولة في كل مكان من العالم العربي أو المنطقة التي يقع فيها السودان، ولكن الآن فإن وجود الأنظمة العسكرية لم يعد مقبولا، كما نرى في سورية على سبيل المثال، وبالتالي فإن الجلوس مع نظام الحكم لا يعني سوى شيء واحد وهو قبول النظام ومد عمره، والأفضل من كل ذلك أن يدرك النظام أن المرحلة المقبلة هي مرحلة بناء الدولة الحديثة التي تتطلب تفاهما عليها من كل أبناء الشعب الذين يتحتم عليهم أن يجلسوا حول طاولة مستديرة ليتباحثوا كيف يمكن لهم أن يبنوا الدولة الحديثة بعيدا عن الصراعات العرقية والإثنية، من أجل أن يجنبوا بلادهم أخطار التفكك، وهذا بكل تأكيد موقف غائب في الوقت الحاضر، لأن الكثيرين يعتقدون أنهم بقوة السلاح يستطيعون تحقيق ما يريدون من دون أن يدركوا أن السلاح قد يحقق شيئا، ولكنه بكل تأكيد لن يكون الحل النهائي الذي تنتهي عنده الصراعات.
‘ كاتب من السودان