رأى أنّ كثيرًا من شعراء السائد بلا رسالة… أحمد بنميمون: منجز جيل السبعينيات تَمثّل أساسًا في الوعي باللغة الشعرية

حجم الخط
0

حاوره: عبد اللطيف الوراري
أحمد بنميمون شاعر مغربي من شعراء جيل السبعينيات، الذي واصل سيرورة تحديث القصيدة الحديثة، الذي بدأه الجيل الذي قبله. بدت قصيدة أحمد بنميمون تنحو إلى الطول، وتتفتّق لغتها الشعرية عن وعي إيديولوجي رافض، يسنده إيقاع الذات في عبورها الأمكنة المرجعية والمتخيّلة. وسوف تتّخد هاته اللغة منحىً مغايراً في ارتفاعها بأشواق الذات إلى مصافّ «الرؤيا» ومدارجها، بدون أن تهجر شرطها الأرضي والتزامها، عبر الرموز والأقنعة التاريخية، بغناء العذاب الإنساني في محنه وسجلّاته المعاصرة. ذلك ما نكتشفه تدريجيّاً في دواوينه التالية: «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر» (1974)، «مباهج ممكنة» (2008)، «تأتي بقبض الجمر» (2012) ثُمّ «لؤلؤ وهباء» (2014). إنّه شاعر ذو رسالة. في الآونة الأخيرة، انتقل أحمد بنميمون إلى السرد، كما في مجموعته القصصية «حكايات ريف الأندلس» (2015)، كأنّه يعبر عن بعض سخط مما أصبحت تعرفه الساحة الشعرية من تسيب وفوضى، وعن رغبته في أن يكتنه الواقع بكيفية أخرى. في هذا الحوار، يحدثنا ابن ميمون عن تجربته الشعرية، وأهمية دور جيل السبعينيات الذي ينتمي إليه، وعلاقته بما قبله وما بعده، ويحذّر من «الارتداد» الذي صار ينحدر إليه السائد الشعري.

■ أنت من شعراء جيل السبعينيات الذي تمّم منجز الحداثة الذي بدأه الجيل الستيني، ما الذي بقي من هذا الجيل الريادي؟
□ لننطلق من اعتراف أو من إقرار بألا جيل استطاع أن يتمم منجز الحداثة، خاصة في مجال الشعر، حيث لا نزال إلى اليوم نشهد ما سماه عبد الله العروي بتزامن العصور الأدبية، وأن أكابر مبدعينا لم يتمموا مشروعًا، بل كانت جدارة مبدع مثل جبران، حسب ما انتهى إليه أدونيس في «الثابت والمتحول»، في ما أشار إليه وليس في ما أنجزه. وتكمن أهمية دور جيل السبعينات داخل الشعر المغربي في أنّه خاض في تربة كان الرياديون الستينيون قبله قد عبّدوها، ولكن معظمهم لم يكن يملك وعيًا شعريًّا عميقًا يدرك حقيقة ما يشير إليه، أي التغيير الذي يصيب وسائل التعبير الشعرية لغةً وشكلَ قصيدةٍ؛ وأن الكتابة الجديدة، أو ما عبر عنه محمد بنيس بـ(الشعر المعاصر)، إنما يختلف عن الشعر التقليدي من حيث اختلاف درجة تأمل اللغة، ومن هنا إصرار بنيس على اعتبار أحمد المجاطي شاعرًا تقليديًّا لما تبديه قصيدته من استحضار للتراث وتناصّ مع أشهر نصوص شعرائنا الأقدمين. قد يكون في هذا درجة من الصواب، لكن هل يجوز الحكم على المجاطي الذي كان يملك من الوعي الفني بالشكل الجديد للقصيدة درجة كانت تؤهله ليمضي نحو إنجاز أنضج، لو أنّه انتقل في تأمله للغة إلى مستوى الإحساس بأزمة علاقة، يفضح ارتياحه للغة التقليديين؟ لنقل إنّ قيمته في الشعر المغربي لا تتجاوز وصف أدونيس لجبران. أقول هذا لأوضح أن إضافة السبعينيين الفنية تقوم أساسًا فيما أكدوه في جانب الوعي باللغة الشعرية، وإقامة الدليل على أن الشعر لغة في اللغة. ونستطيع باستحضار لغات أهم الشعراء السبعينيين أن نميز بين أصواتهم التي تنافست في خلق هذا المنجز الذي يمكن أن ننسبه إليهم، ولا ندري مقدار ما أضافه اللاحقون إليه، خاصة أن دخول الثمانينيين «الشعري» لم يكن فنيًا بقدر ما كان دخولًا «عسكريًا» ذلك أنني كنت أسمع، وقد التحقت بشفشاون منسحبًا من الدار البيضاء، ما كانوا يتداولونه من منشورات، بعضها كان باسم «الغارة الشعرية»، فهل كان ذلك بغاية التخفيف من التوتر الذي شهدته قصيدة السبعينيين بسبب ارتفاع حدة السياسي الإيديولوجي في كتاباتهم، أم كان تمهيدًا لنقل الصراع إلى مستوى أعلى؟
لعلّنا لو استطعنا القيام بقراءة هادئة لإنتاج المرحلة الانتقالية بين السبعينيين والأجيال التي تلَتْهُم لاستخلصنا نتائج مهمة توضح لنا ما بقي من جيلنا وما سقط منه. إن ما عرفته سنة 1984 من صدمة ثقافية سجلها العنف الإداري بتوقيف كل المجلات الثقافية التي كانت تحمل أحلام الجيل السبعيني وأشواقهم فنًّا وفكرًا، شكلت انتقالًا عنيفًا أيضًا من جيل إلى آخر، أو لنقل من حساسية إلى أخرى، حيث ستنطلق الكتابة الشعرية الجديدة معتمدة كتابة الشعر بالنثر أو القصيدة الحرة أو ما يصر كثيرون على تسميته بـ»قصيدة النثر»، مع تأكيدي على أن معظم من يكتبون اليوم شعرًا بنثر، إنما لا يدركون أبعاد مغامرتهم الفنية، وإنما – أقولها بكل شجاعة – يكتبون لضعفٍ في معرفتهم الإيقاعية وثقافتهم اللغوية ووعيهم الشعري. فقد انتهت مع السبعينيات حساسية شعرية كانت قد دعمت منجزها بما تميزت به من تأمل للغة على مستويات عدة منها، بما فيها المستوى الإيقاعي خاصة.
■ يمثل ديوانك الأول «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر» أهمّ علامات هذه الحقبة الشعرية، ويعبر عن أصوات متمازجة بين الذات والجمعي؛ لكن يشعر قارئه أن أسلوب أحمد بنميمون وعقدته الإيقاعية انطلقا ابتداءً من هذا الديوان؟
□ كنت في مجموعتي الشعرية الأولى التي ذكرت، منشغلًا باللغة الشعرية أكثر من انشغالي بالإيقاع. ففي «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر»، تجد كتاباتي الشعرية تتوزع بين المنثورة والحرة، بل أن قصيدة التفعيلة انحصر حضورها في نماذج ليست بذات شأن. وأعتبر أن اجتهادي كان على مستوى القول الشعري عبر لغة تستبطن الذات، مما جعل ظهور المجموعة في ذلك التاريخ البعيد، حيث كان «على الجميع أن يدفع ضريبة الوعي بمن فيهم الشعراء» بتعبير الناقد عبد القادر الشاوي، صوتًا رومانسيًا يستمسك بالذات والوعي البرجوازي الصغير. وبهذا الاعتبار أقصيت مجموعتي الشعرية الأولى، وزادها حداثة سن صاحبها تأكيدًا لحكم الإقصاء. فلم ينظر النقد الإيديولوجي إلى أي اعتبارات فنية، مما احتجت معه إلى نشر مسرحية شعرية سياسية محضة هي «نار تحت الجلد» ليخفف ناقد هو إدريس الناقوري الحكم في «المصطلح المشترك» إلى نوع من العفو عن شاعر خرج من شرنقته الرومانسية الذاتية إلى معانقة الصوت الجماعي والانغمار في العام، الذي كانت القصيدة السبعينية تحاول الخروج عنه ويستميت النقد الأيديولوجي في الدفاع عنه: فهذا كان نضالي الشعري الذي تعرض لسوء فهم، وكان الشعراء وقتئذ يذهبون مع طبعهم إلى التعبير عن الذات، في حين يصر النقد الأيديولوجي على اعتبار ذلك خيانة للعام، ساكتًا عما يجب أن يخوض النقد الحقيقي فيه، رغم ما اتسم النقد البنيوي به من اعتبار النص بنية مغلقة لا علاقة لها بالتاريخ والمجتمع. لقد كانت محنتي استثنائية في وسط يغلي بالسياسي الذي كان تلاحقه عصا السلطة وهرواتها التي لكم فجرت من رؤوس وأخصت من انطلاقات، وأعادت توجيه أصحاب مواهب إلى غير ما كانوا يراهنون عليه من إنجازات فنية.
■ في دواوينك التالية: «مباهج ممكنة» (2008 )، «تأتي بقبض الجمر» (2012) و«لؤلؤ وهباء»، ثمة الثابت الذي حافظت عليه إيقاعًا ولغة، وثمة المتحول الذي سعيت إليه رؤيةً وبناءً. كيف تدبّر ذات الكتابة التوافق بينهما بشكل يحرص على ديمومة التجربة وغناها الشعري؟
□ كتبت في جميع الأشكال، وإني لأعارض كل من يقول بعدم إمكانية كتابة القصيدة إلا في شكل واحد، وبأن الأشكال الأخرى ماتت، مع ما في ذلك من أصولية بل وإرهاب أيضًا. وفيما يخص لغة القصيدة، فإنني أعتبر أن ذلك انبنى عندي على أساس إدراك فني مبكّر كنت معه أميز في الكلمة بين ما هو شعري يوحي ولا يشرح، ويشير ولا يفسر. وقد كنت دائمًا أدرك ما أفرق به بين التخييل الذي مجاله الفن وبين الأفكار العقلية التي يعبر عنها بالتماس أشكال حجاجية أو علمية. فمنذ البدء كنت أدرك أن الشعر يكتب بالكلمات المجنحة الجميلة التي لا ينبغي أن تكتفي بذاتها، وإنما يجب أن يتخذها الشاعر للتعبير عما يثبت به وجوده، أو ليحقق به توازن ذاته في هذا العالم.
■ تتابع المشهد الشعري المغربي باهتمام، وتبدي آراءك فيه بين الحين والآخر. هل يعكس المشهد في نظرك تطوّرًا واستمرارًا لمشروع التحديث الشعري الذي استثمرتموه؟ أم ثمّة علامات ارتداد ونكوص؟
□ أنا على المستوى الفني لا أضع حدًّا لمغامرة الكتابة والتجريب، لكن ما يثيرني هو أن يذهب «التطرف» بكثيرين إلى إلغاء أي أصول تراثية للقصيدة العربية في المغرب، مستغلين فوضى المرحلة على مستوى الهوية. فلن أكون عروبيًّا إذا قلت إنني أتمسك بكل مكونات اللغة العربية بيانيًا وعروضيًا ونحويًا، وأي تفريط في هذا الثالوث يؤدي إلى انهيار لغتنا العربية من القواعد، كما أنني لا أخون مشروعي الحداثي وأنا أدعو إلى التمسك بهذا، وليس فيه من ثَمّ أي نكوص أو ارتداد. الحداثة في حقيقتها هي الانتماء العميق إلى العصر، ورفض الحلول السلفية التقليدانية.
إن أيّ جيل لا ينطلق من إنجازات سابقيه، لأنه يجهلها، فلا يجب أن نتوقع إلا التراجع في أحسن الأحوال، أو البلادة كسمة تطبع الذوق الفني، في سياق نقد سطحي وإخواني يعتمد على أسس من خارج النقد والأدب والفن. وهذا الواقع أخذ يستفحل بدعوى أن القصيدة أصبحت منجزًا سهلًا، والكتابة الشعرية أصبحت بغير أساس، حيث تطبعها الأخطاء اللغوية والإملائية بالجملة. ومن جهة أخرى، باتت المطابع بدافعٍ تجاريٍّ مفتوحة أمام الجميع، ولم يعد هناك لجان للقراءة لا في اتحاد كتاب المغرب ولا في وزارة الثقافة.
■ في الآونة الأخيرة، أقبلت على السرد وأصدرت مجموعتك القصصية الأولى «حكايات ريف الأندلس» التي لقيت استحسان القراء. ما سرّ عبورك من الشعر إلى السرد؟ هل هو تأفُّف من قيود الشعر وإكراهاته الشكلية؟ أم بالأحرى رغبة في تجريب شكل للكتابة يكون قادرًا أكثر من سواه على التعبير عن المحكي والواقع المعيش؟
□ منذ السبعينيات، في مدينة الدار البيضاء وقبلها في فاس، كان لي حظ صداقة كثير من الكتاب الذين كانوا يتقاطرون على كلية الآداب فيها، ممن كانوا يكتبون القصة القصيرة. وفي الحي الجامعي كنا نأتلف ضمن مجموعة واسعة من كتاب المغرب (بالقوة) آنذاك ونسمع لبعضنا بعضا في جلسات شعرية وقصصية. وبين مقاهي فاس تعززت صداقتي بالكاتب محمد عز الدين التازي الذي كان يقرأ قصائدي وأقرأ قصصه، وبشعراء مغاربة كثيرين مثل عبد الله راجع، محمد بنيس ومحمد بنطلحة، إذن، فإقبالي على السرد ليس حديثًا، ولن يتعجب أصدقائي من كتاب القصة من اتجاهي إلى نشر ما توافر لدي من نصوص سردية؛ بل إنني رأيت معظمهم يرحب بنصوصي هذه ويثني عليها.
لكن ما سميته «عبورًا» مني إلى السرد فيه أيضًا ما يعبر عن بعض سخط مما أصبحت تعرفه الساحة الشعرية من تسيب وفوضى كان من نتائجه عزوف الناس عن قراءة الشعر، وهم على حقٍّ في ذلك.
ومن ناحية أخرى، فإن للسرد متعته الفنية، ورهاناته التجريبية، من حيث أنه يفسح للكاتب المجال في أن يكتنه الواقع ويقول العالم بشكل لا يكاد يختلف كثيرًا عن الشعر.
■ هل تشعر في هذه الفترة من العمر بـ(قلق الكتابة) أصلاً؟
□ يمكن أن أعتبر عبوري إلى السرد نوعًا من التعبير عن قلق، أو نوعًا من البحث عن إمكانيات فنية أو أساليب تعبيرية جديدة.
■ ما الذي تدين به لشفشاون مسقط رأسك؟
□ هل أعترف لك بشيء كنت أدركه منذ سنوات السبعينيات، ولا أجد سبيلًا إلى تحقيقه؟ ذلك أنني كنت أغبط أصدقائي ممن عرفوا تجربة الاعتقال السياسي، وأمضوا سنوات طويلة في السجن، رغم ما كل ما يحيط بتجربة الاعتقال من مرارة وعذاب لا ينكران، إلا أنها مع ذلك كانت تجربة مثمرة ألزمت أصحابها على القراءة، وهيّأت لهم حتى بعد صدور الأحكام القاسية وانتقالهم إلى أحياء سجنية ظروف تعميق تكوينهم الثقافي والمعرفي. وقد كانت تجربة انتقالي إلى شفشاون قريبة الشبه بذلك، فبعد اجتيازي مرحلة الخيبة من علاقات، هيأت لي مدينتي الفرصة لأن أعمق قراءتي وثقافتي، وأن أحفظ بعض مكتسباتي الفنية بالنسبة إلى تطوير تجربتي الشعرية.
■ إذا عاد بك الزمان إلى الوراء، وخيّرك بين أن تكون شاعرًا بلا رسالة، أو أن تكون بحّارًا يجمع المحار. ماذا كنت تختار؟
□ إن قصيدة لا تقول شيئًا على جميع المستويات، أو تكرر لغة سابقيها وصورهم، هي قصيدة لشاعر ميت يرفض أن يقول كلمته التي تثبت أنه عاش بين ناس مرحلة ما. وأنا منذ البدء راهنت على أن أقول كلمتي، حتى لو جاءت بسيطة هادئة، وعليَّ بعد ذلك أن أجتهد في تجميلها بجهدي، حتى ترضي ذوقي ورغبتي في خلق أفق فنّي وجماليٍّ. أجل، ما أقبح أن تكون شاعرًا بلا رسالة، يأخذ نصوصه على ألا علاقة لها بما حوله. لكن ما أتعس قصائد شعراء مرحلتنا هذه التي تتعرض إلى عزوف الناس عنها، ربما لأن كثيرين من «شعرائها» فضلوا أن يكونوا بلا رسالة، لذلك فـ«شعرهم» سيُلْقى إلى الريح التي ستحملها إلى حيث يندثر ويزول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية