مستقبل الخريطة الحزبية في ظل الاستحقاقات الجماعية في المغرب

حجم الخط
0

ترتكز السلطة التشريعية بالمغرب على الثنائية البرلمانية، حيث ينتخب مجلس النواب (الغرفة الأولى) التي تضم 395 عضوا بصفة مباشرة من قبل المواطنين، وهو المحدد الأساسي في تشكيل الحكومة التي يترأسها الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات، الذي يتولى لهذه الغاية مهمة تأليف أغلبيتها البرلمانية. بينما ينتخب مجلس المستشارين (الغرفة الثانية) التي تضم 120 عضوا بالانتخاب غير المباشر، حيث يتم اختيار أعضائه من طرف تمثيلية أعضاء المجالس الجماعية والإقليمية، وتمثيلية من طرف المجالس الجهوية، وتمثيلية من قبل الغرف المهنية، ثم تمثيلية من طرف المنظمات المهنية، ثم تمثيلية من طرف ممثلي المأجورين.
فماهي أهم معالم النتائج التي ستفرزها الانتخابات الجماعية والجهوية؟ وماهي طبيعة التحالفات التي ستتمخض عنها هذه النتائج في تشكيل مجلس المستشارين؟ وهل سيتم الحفاظ على التركيبة الحالية للتحالفات أم أنها ستعرف تغيرات بها؟ وإلى أي حد سيحسم الحزب المشكل لمجلس المستشارين تركيبة الحكومة المقبلة؟
أولا: أية خريطة حزبية للانتخابات الجماعية والجهوية ستحسم أغلبية مجلس المستشارين: يعرف المغرب حاليا القيام بإجراءات وتدابير شاملة للتحضير لتنظيم الانتخابات الجماعية والجهوية الأولى لمرحلة ما بعد إصدار دستور 2011، بعدما ظهرت نتائج انتخابات الغرف المهنية المنظمة، والتي تصدر نتائجها حزب الأصالة والمعاصرة وتلاه حزب الاستقلال، في حين لم يحرز الحزب المتزعم للحكومة المغربية الحالية سوى على المرتبة الخامسة.
تمثل الانتخابات الحالية أولى لبنات الشروع في تفعيل توجه الجهوية المتقدمة، باعتبار هذه الفترة (ما بعد دستور 2011) بمثابة مرحلة تأسيسية لهذا التوجه، الذي تبناه المغرب كخيار مرحلي لتجاوز أزمة تدبير التراب وإكراهات النهوض بالتنمية المندمجة بمستوياتها الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والبيئية التي عرفت اختلالات جسيمة لاعتبارات يتداخل فيها الشق الصلاحياتي المخول للمجالس المنتخبة، والشق التمويلي، ثم العامل الأهم المرتبط بالعنصر البشري من خلال ضعف الهيئة المنتخبة، وذلك خلال المرحلة الماضية التي أخضعت لمقتضيات القانون 96/47 الخاص بالتنظيم الجهوي.
بإصدار القوانين التنظيمية المؤطرة لانتخابات الجماعات الترابية وتدبير شؤونها تنتهي المرحلة المرتبطة بالمسطرة القانونية، ويعمل حاليا على وضعها موضع التنفيذ.
وإن كانت ملامح المشهد الانتخابي لازلت تحكمها ضبابية، وغياب رؤية واضحة من شأنها الحسم في نتائجها قبل موعد تنظيمها، إلا أن العوامل الموضوعية المرتبطة أساسا بطبيعة المشهد السياسي وخريطة تفاعلاته، تنذر بتصدر نتائج مشهد الانتخابات الجماعية والجهوية من قبل حزب الأصالة والمعاصرة، يليه حزب الاستقلال، ومن ثم حزب التجمع الوطني للأحرار، في حين سيحافظ أو سيتراجع تصنيف حزب العدالة والتنمية عن مركزه الانتخابي مقارنة مع الانتخابات الجماعية لسنة 2009.
إن من شأن إفراز أغلبية غير متجانسة في غرفتي البرلمان، يمثل من جهة تمتين للدور الرقابي على الحكومة لأجل لتقوية أدائها بالتدابير المقدمة من قبل مجلس المستشارين، ومن جهة ثانية إضعافا لعمل الحكومة التي تجد صعوبة في تمرير قوانينها، وكذا الموافقة على توجهاتها وسياسياتها الاقتصادية والاجتماعية من دون موافقة أغلبية مجلس المستشارين، أو على الأقل الانخراط معها في مفاوضات بهدف تضمين وتطعيم التوجهات والتدابير الحكومية بمقترحات ورؤى أغلبية الغرفة الثانية. كل هذا يحيل إلى التأكيد بأن الانتخابات الجماعية والجهوية الحالية ستحافظ قدر الإمكان على نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية الماضية لسنة 2009، مما سيحسم تركيبة مجلس المستشارين لصالح حزب صالة والمعاصرة، الذي سيتحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار لتشكيل المكتب المسير المجلس، مع ضرورة الانفتاح على بعض الأحزاب التي تضمن لها أغلبية مريحة، بالرغم من وجوده (حزب التجمع الوطني للأحرار) كعضو في الحكومة الحالية برئاسة عبد الإله ابن كيران.
ثانيا: انتخابات مجلس النواب وطبيعة التركيبة الحكومية المقبلة: يشكل التنسيق بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة أحد المنافذ التي من شأنها أن تجعل هذا الأخير عضوا في الحكومة المقبلة بزعامة حزب العدالة والتنمية، ولكن بشروط التكتل الأول وضمانات التوازن في ممارسة الاختصاصات والتباهي بالانجازات. لاعتبار أساسي أنه من المرجح أن يتصدر نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية الحالية، وبالتالي أحقيته بتشكيل مكتب مجلس المستشارين عبر تحالفه مع الأحزاب التي تضمن له أغلبية مريحة.
ينضاف إلى ذلك أن الحكومة المقبلة برئاسة حزب العدالة والتنمية تعمل على خلق تنسيق مع أغلبية مجلس المستشارين لإقحامها في الحكومة، لأجل تجاوز المعارضة القوية والتضييق الذي تعرضت له حكومة ابن كيران خلال ولايتها الحالية، بعدما كانت أغلبية مجلس النواب في يد الحكومة بينما أغلبية مجلس المستشارين في يد المعارضة، وهو ما خلف أزمات وانتكاسات على أداء الحكومة وأدخلها في عدة صدامات مباشرة وغير مباشرة مع المعارضة. لأجل ذلك تسعى الحكومة المقبلة إلى ضمان الأغلبية المتجانسة بغرفتي البرلمان، حتى تعمل على تفعيل توجهاتها بعيدا من التجاذبات المؤثرة على قراراتها.
كما يمثل العامل الثالث السعي إلى خلق التوازن بين أغلبيتي مجلسي البرلمان وجعلهما يسيران في نفس التوجه، وتحكمها نفس الرؤى والمقاربات، بدل التقاطع والتجاذب، وذلك لاستفادة الحكومة المقبلة من أخطاء الحكومة الحالية التي تمثل سيرورة لها. من خلال الاستثمار الأمثل للزمن السياسي الذي أضاعت منه حكومة عبد الإله ابن كيران الكثير في الجدال العقيم والتجاذبات التي لا تخدم أحد، ولا نتيجة لها تذكر سوى اضاعة الوقت، وتعطيل العمل الحكومي، ثم تأجيل فترة تدبير الإصلاحات.
لأجل ذلك، فإن المشهد الانتخابي لن يعرف الكثير من التغيير وسيحافظ على معالمه البارزة، مع تغيير طفيف في انخفاض لمقاعد حزب التقدم والاشتراكية مقابل ارتفاع لمقاعد حزب الأصالة والمعاصرة مقارنة مع انتخابات 2011، نفس الشيء ينطبق على حزبي الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، حيث ستنخفض مقاعد الأول على حساب ارتفاع مقاعد الثاني. وهو ما يعني أن تشكيل حكومة بزعامة حزب العدالة والتنمية بتحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، مقابل اصطفاف حزب التقدم والاشتراكية في المعارضة مع حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، باعتباره المكان الطبيعي له بجانب أحزاب الكتلة.
تُستمد مشروعية فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات البرلمانية المقبلة من خلال:
أمام غياب برامج واضحة للأحزاب السياسية المتنافسة أو تشابهها على أبعد تقدير، سيفتح المجال لحزب العدالة والتنمية للجوء إلى إتباع سياسية الهروب إلى الأمام. من خلال تركيز حملته الانتخابية على أساس أن الفترة الحكومية الحالية كانت مرحلة التأسيس للإصلاح، وأن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة العمل الجاد على تفعيله (محاربة الفساد/ فتح الأوراش الكبرى/المواجهة مع التماسيح والعفاريت على حد تعبير عبد الإله ابن كيران).
تخلي حزب العدالة والتنمية عن العديد من مبادئ الحزب وقناعاته سواء السياسية ( التراجع عن تفعيل الالتزامات الحكومية لحكومة عباس الفاسي/عدم تنفيذ البرنامج الانتخابي للحزب/ ضرب القدرة الشرائية للمواطن، علما بأنه كان يدافع عن مصلحة المواطن وحقوقه الاجتماعية والاقتصادية زمن المعارضة/ غياب برامج لاحتواء معضلة البطالة/ التراجع عن محاربة الفساد والمفسدين لصالح شرعنته (عفا الله عما سلف)/التهافت المهول نحو الاقتراض الدولي مع العلم بأنه كان من أشد المعارضين له خلال الفترة السابقة لتحمله المسؤولية الحكومية…)، أو الأخلاقية (عدم وقف تنظيم مهرجان موازين)، مقابل ضمانة لاسترضاء بعض الحلفاء والخصوم السياسيين على التوالي، للانخراط في توجه من شأنه تشكيل حكومة «هجينة» تؤلف في تركيبتها بين خصوم الأمس حلفاء اليوم.
تمثل الإجراءات والتدابير التي انخرطت في اعتمادها الحكومة الحالية، برنامج استشرافي يحكم مستقبل الدولة المغربية، الشيء الذي يفرض المواكبة المستمرة لهذه التدابير، لأجل ذلك يشكل حِفْظُ رئاسة الحكومة المقبلة لحزب العدالة والتنمية الضمانة الحقيقة التي من شأنها أن تكفل تنزيل المراحل المتبقية من هذا «المسلسل الإصلاحي».
تعقد التدابير المعتمد من قبل الحكومة الحالية، وانتقادها الشديد من قبل الأحزاب المشكلة للمعارضة الحالية، سيجعلها بمنأى عن تولي مسؤولية رئاسة الحكومة المقبلة، والاكتفاء بالعضوية بها، مع احتفاظها غالبا بالحقائب الوزارية ذات العلاقة بالقطاعات السياسية والاقتصادية والصناعية والتجارية.
ضبابية وتوجس العديد من الفاعلين السياسيين من تدابير الحكومة الحالية، والعمل على التهرب من تحمل المسؤولية خلال مرحلة الانتداب الحكومي المقبل.

٭ كاتب من المغرب

العربي بجيجة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية