نساء المسلسل السوري «غداً نلتقي»… المرأة الخام

حجم الخط
0

حصد المسلسل السوري «غداً نلتقي»، الكثير من المقالات والآراء في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى درجة صار يصعب على أحدنا أن يتحدث عنه، إذ يُخشى من تكرار ما قيل.
ورغم كثرة ما قيل عن المسلسل، وأغلبها آراء تصب في صالحه إذ اتفقت غالبية الآراء على سويته الفنية وابتعاده عن المباشرة السياسية والشعاراتية، والإشادة بأداء الممثلين المتميّز، وبالنص والإخراج، إلاّ أن ثمة جزئية ربما لم تستوقف المعجبين والمنتقدين للعمل، وهي نساء المسلسل.
تخطر في البال مسلسلات سورية، تعمّدت التطرق لمواضيع المرأة، ولكنها انزاحت عن الطرح المتقدم لنماذج النساء، فوقعت في الكليشيه والتعميم، ولم تتمكن من ابتكار نموذج (نسائي) يليق بالنساء.
وحتى الأعمال الدرامية، السورية أو العربية عموماً، التي ركّزت على النساء، في تقديم أشكال إيجابية من النساء، وقعت دائماً في فخ النخبوية، كأن المرأة المتميزة، دائماً لها صفات مسبقة الصنع: فنانة ـ محامية ـ مدافعة عن قضية…
ربما لم يتقصّد صنّاع «غداً نلتقي» تقديم هذه النماذج النسائية الثرية، فنياً وإنسانياً، لكن مكانة المرأة ودورها تُعتبر من أهم النقاط التي طرحها العمل، إلى درجة يمكن اعتباره بمثابة العمل الأول، من وجهة نظرنا، الذي لم يتصنّع تقديم صورة مبهرة عن المرأة، تلك الأنيقة، التي تذهب إلى نوادي التجميل والرشاقة والاعتناء بشكلها الخارجي، المتحذلقة لغوياً، العنيفة والصدامية، اللعوب غالباً.
حتى أن أحدنا يستغرب تقديم هذا الثراء من نماذج نساء (عاديات) ينحني المرء أمام قوتهن وصرامتهن ورقّتهن، من قِبل كاتب ومخرج رجل، بينما فشلت نصوص نسائية ـ الحديث فقط عن الدراما ـ في منح المرأة حقها وقيمتها التي تستحق، لهذا، وإضافة للسوية الفنية للعمل في مجمله، فإنه يُضاف له، صورة المرأة ، السورية خاصة، التي تلفت النظر.
تعددت النماذج التي طرحها المسلسل، الذي ابتعد عن النُخب، ليقدم لنا نساء عاديات، متألقات، قويات وضعيفات، عاطفيات وشرسات، متآمرات وواضحات، نساء تعرف كل منهن ما تريد، وتسعى، ضمن سويتها الفكرية والثقافية، المحدودتين، لتحقيق خلاصها. فكأن المأزق السوري ( لنقل الثورة أو الحرب حسب وجهات النظر المتعددة) أظهر قوة المرأة الفردية أمام حالة: كل مين إيده إله. إذ وعبر الخيارات المتعددة، وجميعها قسري وانتحاري وعشوائي، ليس لأحد من يسنده، والمرأة ضحية ما يحدث، مثلها مثل الرجل. ولأن الثورة السورية ساوت بين المرأة والرجل، فكلاهما يلاقي المصير ذاته. وحالة التساوي في الضحية، أخرجت لدى النساء قوتهن، لتظهر نساء «غداً نلتقي» مستقلات في أداء حياتهن، غير معتمدات على الرجل، كما في أغلب أداء المرأة، سواء في الدراما، أو الحياة.
أم عبدو مثلاً (ضحى الدبس) تشتغل في تجهيز أكياس الورق مع ابنتها رباب، وتساهم في تأمين حصتها من المال الذي يحاول زوجها عبد الهادي الصباغ تأمينه من أجل رحلة اللجوء إلى السويد.
أم عبدو المرأة غير المتعلمة، التي استطاعت بحنكة ومهارة إنقاذ ابنتها، بمساعدة جاراتها، من القتل. حين وقعت رباب في عشق بسام، ورآها عمها وكاد والدها يذبحها بدافع الشرف أمام الجيران الذين اجتمعوا على نبأ فضيحتها.
رباب، الشابة العاشقة، تمكّنت من الزواج ممن تحب، وعادت به ليساعد أهلها ويقف معهم، حيث لم يؤثّم المسلسل، كما يحصل غالباً، هروب البنت مع حبيبها وزواجها دون موافقة أهلها.
كما أن خلود (نظلي الرواس) التي تعرف بعد زواجها من صديق زوجها، أن زوجها الجديد ، إيهاب (فادي صبيح) هو قاتل زوجها الذي كانت تحبه، وحيث تتزوج كنوع من الخلاص الوحيد المتاح أمامها في زمن الحرب والفوضى، لكنها تحتفظ بالسر الذي عرفته، وتحاول أن تخطط بهدوء ودم بارد، للإنتقام من قاتل زوجها ووالد ابنها.
فاتن شاهين التي سحرت المشاهدين بأدائها الصعب، وهي مشلولة طيلة المسلسل، تعبر فقط بعينين تتحركان بيأس، كأنها جثة، هي نموذج لنساء صامتات، يعرفن كل شيء، ولا يستطعن التدخل فيما يجري حولهن.
أما وردة، التي لم يخل مقال كُتب عن العمل، أو أي سطر دوّنه أحدهم على مواقع التواصل، من الإشارة إلى روعة أداء كاريس بشار، فهي الزبدة في النص.
وردة التي يلجأ إليها الكثيرون ويحسّون معها بالأمان، وإن هاجموها في العلن. وردة التلقائية، الصادقة، غير المفبركة، النموذج الخامّ، الإنساني الطازج، التي تعترف أنها لا تحب الشعر، لكنها تقع في غرام الشاعر، ومن أجل قصيدة تسمعها منه، تترك حفل زفافها وتركض صوبه لتُذهل الجميع معترفة له أنها تحبه.
نساء «غداً نلتقي» ينطبق عليهن وصف الجمعيات النسوية التي تناضل ضد تنميط صورة النساء، كما فعلت مثلاً جمعية (لا عاهرات ولا خاضعات) الفرنسية، لنعثر على نساء سوريات قويات وضعيفات معاً، نساء عاديات، لكنهن غير خاضعات، إلا ضمن الشرط الاجتماعي المُخضع للجميع، كرجال ونساء. نساء يحملن ألقهن ومرحهن وتفاصيلهن الصغيرة. يحتفين بالعروس، يرقصن، يتزيّن، ويقفن بالمرصاد في وجه من يعتدي عليهن: مثال الرجل الذي ضربته وردة بالمقلاية وأساحت دمه، حين حاول الاعتداء عليها.
ربما يكون هذا المسلسل من التجارب النادرة في الدراما السورية التي تطرقت للثورة السورية، محققة المعادلة الأصلية للنجاح: الجمع بين الشرطين الفني والأخلاقي. حيث تحرر العمل من ثقل الشعارات والتلفيق والابتزاز العاطفي التي وسمت أغلب الأعمال الدرامية في الآونة الأخيرة، وهي تحاول فقط استدرار الدموع على الوجع السوري.

كاتبة سورية

مها حسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية