■ قد لا تكون الديمقراطية حلا سحريا لمشاكل بلدان المنطقة، فالعراق يطبق منذ عشر سنوات نظاما ديمقراطيا، وقبله بعقود لبنان، واليوم تبدو المشكلة الكردية في تركيا مثالا جديدا على المعضلات التي تواجهها الديمقراطية في حل النزاعات الداخلية في بلدان الشرق الأوسط، وهي نزاعات تكاد تعصف بمنظومة الدولة تماما.
قد يقول أحدهم ان الديمقراطية ليست فقط انتخابات، لكنها في الحقيقة تبريرات لفشل أهم مقومات الدولة الحديثة الغربية المنشأ في حل مشاكل منطقتنا المستعصية، فالانتخابات واختيار السلطة التنفيذية من خلال الشعب هو جوهر قيام الدولة الديمقراطية.. ولكن ما يمكن التساؤل حوله هنا في مفهوم الديمقراطية، هو ان كانت تصلح لان تطبق في دولة تضم ثلاثة شعوب بدلا من دولة بشعب واحد!
فالمفترض مبدئيا ان الدولة تضم شعبا أو مجموعات سكانية أقرت فيما بينها عقدا اجتماعيا وتشترك في منظومة ثقافية وتاريخية منسجمة تجعلها تقبل بخيار الأغلبية.
فهل يرى سنة لبنان ان السلطة التي حصلوا عليها من خلال الديمقراطية حمت كبار قادتهم من القتل؟ أو حصنتهم من سطوة حزب الله الشيعي على البلاد رغم انه لا يملك رأس السلطة التنفيذية؟!
وهل يقبل الأكراد بسلطة الأغلبية الشيعية في العراق لتمارس سلطة حقيقية في مناطق كردستان العراق؟! وهل يقبل سنة العراق بأي من خيارات الشيعة التي لا تخرج عن الأحزاب الدينية لتمارس سلطة في مناطقهم؟! أعتقد ان سنوات الديمقراطية كانت كفيلة بالاجابة .. وإذا قال أحدهم اننا نريد تغيــــير خيارات الشيعة بالعراق مثلا لتصبح أكثر أعتدالا بحيث تكون مقبولة من الأكراد والسنة، فان الإجابة ببساطة تكون هو ان السنوات اللازمة لتغير خيارات متشنجة لطائفة ما، قد تتسبب بممارستها لمظالم هائلة على الآخرين تصل لدرجة انهم يختارون الهجرة وسط المحيطات للعيش في بلدان أخرى و»دول أخرى» في قارة أخرى ربما .. يا لها من نتيجة واقعية لخيار الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة!
تركيا قد تكون آخر المنضمين لنادي الدول الديمقراطية الفاشلة بالشرق الأوسط ، والمشكلة ذاتها، شعب كردي وطائفة علوية لا يثقون بخيار الأغلبية في تركيا وهم من الأتراك السنة .. ديمقراطية بين ثلاثة شعوب في دولة واحدة!
مسألة الديمقراطية تعيد طرح تساؤلات حول الدولة الحديثة في الشرق الأوسط الذي تسوده روابط بدائية من القبيلة والعرق حتى الطائفة، ولعل التساؤل يجب ان يكون ليس حول فكرة الديمقراطية بحد ذاتها، بل حول الدولة وحدودها، وما تضمه هذه الحدود من شعب أو مجموعة سكانية تجمعها قواسم مشتركة ..لتقبل بخيار مشترك لسلطة منتخبة ديمقراطيا.
٭كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام