مأزق لافروف

حجم الخط
2

ساد الإرتباك على السياسة الروسيّة مع إنطلاق الربيع العربي. فبعد تجاهل ثورة تونس تماما، ومع إنتقال الإحتجاجات إلى مصر وقفت روسيا مع مبارك رغم العلاقات غير المميّزة بينهما، لكنّ مشاهد مئات آلاف المحتّجين على الديكتاتوريّة في الشوارع أثار المخاوف عند القيادة الروسيّة من إنتقال العدوى لشوارع موسكو خصوصا أن الثورة المصرية ترافقت مع مسرحيّة تبادل المناصب بين بوتين ومديفيديف مما يعني 11 عاماً جديداً من حكم بوتين بالإحتيال على الدستور حتّى أنّ وفدا روسيّا أتى للقاهرة قبل يومين فقط من تنحّي مبارك لإظهار التضامن معه.
في ليبيا إضطرّ الروس لعدم عرقلة قرار التدخّل الدولي في مجلس الأمن نتيجة الإجماع الإقليمي والدولي على رفض القذّافي الّذي لم يترك له صديقا بطول العالم وعرضه، ومع ذلك فيما بعد، وضع بوتين اللوم على ميديفيديف لعدم إستخدام حق الفيتو على القرار وكأنّ مديفيديف هو صاحب القرار الأخير في روسيا!!.
ومع إنتقال الموضوع إلى سوريا إتّخذت روسيا موقفا واضحا بالوقوف خلف النظام السوري وسلّم بوتين القضيّة السوريّة والّتي أصبحت «ملفّاً» لوزير خارجيّته المزمن سيرغي لافروف. ترافق ذلك مع وجود إدارة أمريكيّة ترى أن أمريكا ليست شرطي العالم وأنّ عليها أن تتفهّم المصالح الإستراتيجيّة للدول الأخرى. وإعتُبرت سوريا من مناطق الإهتمام والنفوذ الروسي لعلاقتها التاريخيّة معها، حيث مرفأ طرطوس السوري هو النقطة الوحيدة في البحر المتوسّط لصيانة الأسطول الروسي، فإعتبرت الإدارة الأمريكيّة أنّ على روسيا البحث عن مخرج للموضوع السوري وبذلك أصبح لافروف موكّلا بالملف السوري من قبل بوتين والإدارة الأمريكيّة معا!.
في بداية الثورة السوريّة كانت النصائح الروسيّة تدور حول سيناريو غروزني، أي إستخدام كل الوسائل العسكريّة لتدمير الخصم وخصوصا عند زيارة رئيس المخابرات الروسيّة لدمشق في عام 2011.
وكان التعبير المستخدم لوصف المظاهرات الّتي تعم سوريا «التمرّد» والعلاج بالتالي هو القضاء على التمرّد. وكان الإنطباع السائد لدى الروس حينها أنّ الجيش السوري من القوّة بحيث أنّه ليس بإمكان قوى داخليّة مجابهته.
سرعان ما أدركوا خطأ توقّعاتهم مع إتّساع الإنشقاقات والإنهيارات لقوّات النظام الّتي كشفت ضعف وفساد المؤسّسة العسكريّة السوريّة ممّا دفع روسيا في حزيران/يونيو 2012 للموافقة على إعلان جنيف الّذي ينصّ على تشكيل هيئة الحكم الإنتقالي. لكن مع وصول الدعم الإيراني والطائفي وتدريب الميليشيات المحليّة إستطاع النظام وحلفاؤه تحقيق عدّة إنتصارات بجبهات مختلفة ممّا ترتّب عليه في 2013-2014 أن يتنكّر الروس والنظام السوري لإتّفاق جنيف وردّدوا في أكثر من مناسبة بأنّ هذا الإتّفاق قد أصبح خلفنا. وبدأ لافروف بإستخدام مصطلحات أخرى مثل الإصلاحات، وحكومة شراكة وطنيّة ممّا يترجم سياسته من اليوم الأوّل للثورة: الأسد أو لا أحد.
وبدأت موسكو بترتيب مؤتمرات وإجتماعات «لمعارضين» على طريقتها بعضهم أشد عداء للثورة من النظام نفسه. كان الإنطباع السائد أنّ الأمور تسير كما يريد الروس والنظام السوري، حتّى قيل أنّه في أحد الاجتماعات مع الوفد السوري التابع للنظام إقترح بوغدانوف: ألا تستطيعون شراء هيثم منّاع ليقوم بدور رئيس حكومة «وحدة وطنيّة؟» فتلقّى محاضرة من الوفد السوري بأنّ من لا تدفعه وطنيّته للوقوف مع بلده أثناء (المؤامرات) فلا فائدة من الحديث معه!!. فتذكّر بوغدانوف أن كل أعضاء هذا الوفد جواسيس على بعضهم وأنّ عائلاتهم في سوريا ليسوا إلا رهائن وأنّ صلاحيّاتهم ليست أكثر من صلاحيّات الوزراء في كوريا الشماليّة .
في بداية عام 2015 ومع التغيّرات في العائلة المالكة السعوديّة وإتّضاح أنّ إنتظار موقف أمريكي حازم من التمدّد الإيراني لم يعد خيارا مناسبا.. بدأت الدول الإقليمية بالدفاع عن مصالحها بنفسها، وتلقّى النظام على أثرها سلسلة من الهزائم الكبيرة والّتي أوضحت إستحالة تحقيق النصر العسكري على الثورة. كما لم تفلح المناورات الروسيّة بدفع العالم لإعتبار أنّ الأولويّة الآن لمكافحة الإرهاب ولنؤجّل الحلول السياسيّة إلى مرحلة لاحقة، وأصبح واضحا أنّ فرص بقاء حكم عائلة الأسد في السلطة باتت معدومة: رفض أغلبيّة الشعب السوري وأغلب دول الإقليم والإحراج الدولي من جرائم النظام.
فبعد أن راهن لافروف طوال السنوات الماضية على إنتصار النظام وقطع خطوط الإتّصال مع أغلبيّة الشعب السوري وعامل ممثّلي المعارضة بمنـــتهى قلّة الإحترام، فإنّ أي سلطة مقبلة، مهما كانت، إن كانت ممثّلة لأغلبيّة الشعب السوري لن تكـــــون ممتنّة للسياسة الروسيّة طوال السنوات الماضية وسيكون مــــن الصعب ترميم الشرخ في العلاقــــات، خصوصاً وقد بات الشعب السوري يعتبر السلطة الروسية شريكة كاملة ومتواطئة مع أغلب جرائم النظام، مما يعني أنه لن تكون هناك أي خيارات جيدة لروسيا في سوريا المستقبل. إنّه مأزق لافروف.

٭ كاتب سوري

د. عماد بوظو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية