سوريا تحولت إلى مقبرة لمصداقية الولايات المتحدة ولعنة عقيدة الرئيس الأمريكي تلاحق الأصدقاء والحلفاء في المنطقة

حجم الخط
5

لندن ـ «القدس العربي»: كتب مايكل غيرسون، المعلق في صحيفة «واشنطن بوست» عن غرق الطفل السوري إيلان الكردي (3 أعوام) قائلا «طفل صغير يرتدي قميصا أزرق، نائم على وجهه قبالة الشواطئ التركية ووفاته تمثل تراجيديا. وهناك أكثر من أكثر من 200.000 شخص قتلوا في سوريا و4 ملايين فروا من بلادهم و7.6 شردوا من بيوتهم هم في النهاية أرقام. لكنهم يمثلون فشلا جماعيا وعلى قاعدة ضخمة».
وذكر غيرسون الأرقام هذه كي يذكر القارئ بفشل إدارة الرئيس باراك أوباما التعامل مع الأزمة السورية.

مسرح إيمائي

ويقول الكاتب «قبل أربع سنوات انخرطت إدارة أوباما فيما أطلق عليه فردريك هوف، المستشار الخاص السابق للعملية الانتقالية في سوريا «مسرح إيمائي غاضب».
فبعد أربعة أعوام من الاحتجاجات اللفظية القوية واللقاءات العاجلة والدعوات للتفاوض فقد أصبحت الدراما كلها بديلا مثيرا للغثيان عن الفعل النافع. فالناس يتحدثون ويتحدثون من أجل إسكات صوت ضميرهم وتبادل اللوم».
ويضيف قائلا «في عام 2013 حاضر الرئيس باراك أوباما على مجلس الأمن الدولي واتهمه بعدم إظهار «أي ميل للتحرك» وهو ما يعني إسقاطا نفسيا على المسرح الدولي. ويعتقد الكاتب أن موقف أوباما نابع من «واقعيته المملة» والتي تقول «ليست وظيفة رئيس الولايات المتحدة حل كل مشكلة في الشرق الأوسط» و»علينا أن نكون متواضعين في اعتقادنا وأنه يمكننا علاج كل شر».
ويناقش الكاتب قائلا «لكننا لا نتعامل هنا مع كل مشكلة أو كل شر ولكن مع مجموعة من الظروف الاستثنائية المتميزة: فالفشل الإنساني الأكبر لعهد أوباما هو أيضا أكبر فشل استراتيجي له». ففي بعض الأحيان قد تعني كلمة «تواضع» التعود على مشاهدة المذابح. فمروحيات الرئيس السوري بشار الأسد تواصل رمي البراميل المتفجرة المحشوة بالمواد الحادة وغاز الكلور.
وفي هجوم أخير على بلدة مارع استخدم تنظيم «الدولة الإسلامية» غاز الخردل الذي يحرق البشرة واستخدم أكثر من 50 انتحاريا. كما شاهدنا حصارات التجويع والاختطافات وقطع الرؤوس وقتل أكثر من 1.000 طفل.
وفي الوقت الذي غيرت فيه المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قانون اللجوء في بلدها والترحيب بكل سوري يصل إلى ألمانيا. وهو ما دعا السوريين للثناء عليها وبدأوا يطلقون عليها «ماما ميركل، أم المنبوذين» «وأتساءل ماذا يطلقون على الرئيس الأمريكي».
ويعتقد الكاتب أن إدارة الرئيس أوباما كان بإمكانها خلال السنوات الأربع الماضية اتخاذ أفعال صغيرة نسبية للتقليل من مستوى الضحايا المدنيين في سوريا.
متسائلا أن عملية تدمير مروحية ترمي البراميل المتفجرة على الأحياء ليست صعبة. فقد كان بإمكان الإدارة التفكير بعدد من الخيارات التي خفضت من قدرة النظام على التدمير من دون التدخل المباشر في الحرب الأهلية. بل وكان بإمكانها تقوية وتعزيز قدرات الجماعات المقاتلة.

في قلب الشرق الأوسط

ويرى الكاتب أن الأزمة في سوريا ليست أزمة إنسانية بعيدة عن مركز المصالح الأمريكية. فهي أزمة تقع في قلب الشرق الأوسط وأدت لخلق فراغ في السيادة وهو ما أدى إلى جذب وتقوية أسوأ الخلق في العالم.
ويعتقد الكاتب إن عدم التحرك ظل قرارا اتخذ بوعي من جانب أوباما والبيت الأبيض. وذكر الكاتب هنا بالخطة التي تقدمت بها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون ووزير الدفاع السابق ليون بانيتا ومدير المخابرات السابق ديفيد بترايوس والذين دعوا إلى تسليح وتدريب قوة وكيلة عن أمريكا في سوريا. وناشدت الدول السنية الحليفة والصديقة للولايات المتحدة لعب دور قيادي وتم تجاهل مناشداتها.
وخلال كل هذا تحولت سوريا إلى «مقبرة لمصداقية الولايات المتحدة». فمن «الخط الأحمر» إلى «موجة الحرب تتراجع» و «لا ترتكب أفعالا حمقاء. وهي تصريحات أطلقها أوباما بشأن سوريا تماما مثل وصفه «تنظيم الدولة» بفريق كرة سلة من الهواة.
وإزاء كل هذا يبدو الهدف «إضعاف وتدمير تنظيم الدولة» غير قابل للتحقيق بناء على الإستراتيجية الحالية والمصادر المخصصة لها. وكان الرئيس أوباما قد قال في عام 2011 «حان الوقت لتنحي الأسد عن السلطة» لكن على ما يبدو سيظل الأسد في السلطة بعد خروج أوباما منها.
ويتساءل الكاتب عن السبب الذي يجعل أوباما متسامحا مع المذابح الجماعة والأزمة الإنسانية في سوريا.
ويجيب أن السبب هو إيران التي تدعم النظام الوكيل عنها في دمشق كل عام بمليارات الدولارات. ولأن أوباما حريص على توقيع الملف النووي مع طهران، فهو كما يقول هوف ظل «مترددا في إغضاب» الإيرانيين في هذا المسار الحرج».
وعليه فالتنازل عن سوريا للإيرانيين وجعلها مركزا لتأثيرهم هو الإرث الذي سيتركه الرئيس من تقاربه مع طهران. مع أن الاتفاق سيؤدي لرفد النظام السوري الذي يعاني من ضعف بمليارات الدولارات بعد رفع الحظر عن المال الإيراني المجمد.
وعلى الرغم من استفادة تنظيم «الدولة الإسلامية» من جرائم النظام في تجنيد المقاتلين وتعزيز قواته. كل هذا يعني توسع الحرب لنزاع لا يمكن لأحد الانتصار به وهو المسؤول عن غرق طفل بقميص أحمر على شاطئ بعيد.

مرشحة للتدهور

وهذا هو الرأي الذي يراه ديفيد روثكوف من «فورين بوليسي» حيث كتب عن «لعنة عقيدة أوباما».
ويرى أن كل أزمة في الشرق الأوسط ستزداد سوءا قبل أن تحل. ويقول الكاتب إن منطقة الشرق الأوسط هي التي قدمت لنا فكرة « المعروف المجهول والمجهول اللامعروف» حيث يؤدي تحليل مشاكله إلى غد خطير وغير مريح.
وهو ما يذكرنا أن الإحتفال داخل البيت الأبيض بالإتفاق النووي ليس سوى انتصارا واحدا سيتركه أوباما محاطا بالهزائم والنكسات والتداعيات السلبية. وفي قراءته للمعلوم المجهول يؤكد أن الاتفاق النووي سيتم تمريره وسيحصل أوباما على ما يريد من الكونغرس.
ولكن الصورة في الشرق الأوسط تشي أنه في أسوأ حالاته التي لم يشهدها في التاريخ الحديث. فسوريا والعراق وليبيا واليمن تعيش وسط صراعات قد تؤثر على وجودها كأمم وشعوب.
وتداعيات هذا على دول الجوار ستكون خطيرة خاصة الأردن وتركيا ولبنان. وبالنسبة للتسوية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين فهي تعيش حالة من الشلل. كما وستواجه مصر صراعا جديدا وتتورط دول الخليج شيئا فشيئا بهذه النزاعات. وستعيش أفغانستان القريبة من إيران وضعا أسوأ.
ويعتقد الكاتب أن الأوضاع في هذه المنطقة ستسوء بشكل أكبر. وهذا ليس رأيه بل رأي عدد من الخبراء الذين قالوا إن الأوضاع في هذه الدول لن تتحسن قريبا ولا على مدى الخمس سنوات المقبلة. فالشرق الأوسط كما يقول يعيش أزمة طويلة وحالة من عدم الاستقرار ونرى آثار كل هذا بمرور كل يوم.
فسوريا هي أكبر أزمة إنسانية يواجهها العالم اليوم واستمرارها سيزيد من مستوى المعاناة والتشرد.
وفي اليمن هناك حوالي 6 ملايين يواجهون مخاطر المجاعة. وفي ليبيا يركبون القوارب المطاطية والعبارات على أمل الوصول إلى أوروبا. وأصبحت مخيمات اللاجئين عبئا لا يمكن للبنان والأردن تحمل تبعاته.
فالاضطرابات تفرخ مشاكل جديدة. ونقل عن عسكري أمريكي قوله إن «تنظيم الدولة» بدأ يقلل من جهود التجنيد لأنه لم يعد بحاجة لمجندين جددا. وهو ما يقود إلى سؤال حول مستقبل التطرف في السنوات المقبلة وإنا كان سيتوسع في شمال أفريقيا وسيناء وأفغانستان وأثر تراجع أسعار النفط على كل هذا وكذلك ما هو أثر تدخلات إيران الخارجة من الحصار.

مسار خطير

ويعلق إن المسار الحالي لهذه الأزمات بدأ يمثل خطرا ماديا وتهديدا مهما على الولايات المتحدة ووحلفائها والقوى الكبرى في العالم. وهو لا يعني بالتهديدات هنا تلك القادمة من المتطوعين الأجانب في سوريا والعائدين إلى بلادهم في أوروبا وشمال أفريقيا، بل عن التداعيات الأخرى مثل أزمة اللاجئين الحالية التي تعتبر من أسوأ السيناريوهات.
فالدول التي تواجه موجات المهاجرين تقع في جنوب أوروبا وهي الأضعف اقتصاديا وستزداد ضعفا بفعل هذا. وستواجه أزمات داخلية تتعرض بتزايد حركات اليمين المتطرف. ويرى الكاتب أن أحد المستفيدين من كل هذا هو راعي اليمين في أوروبا وهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ومن هنا فأزمة اللاجئين في الشرق الأوسط ليست عامل تهديد وعبء على أوروبا فقط ولكنها تمثل تهديدا حلف الناتو وتعمل لصالح «المشاغب» بوتين.

إيران مستفيدة

ويعتقد أيضا أن تدهور الأوضاع في المنطقة سيدفع اللاعبين الأشرار ومثيري المشاكل والمتطرفين للبحث عن مناطق جديدة لتوسيع مناطق نفوذهم كما يفعلون الآن في شمال أفريقيا وجنوب شرقي آسيا.
وستستفيد إيران بالتأكيد من هذا الوضع. فعودة الأموال المجمدة ستعزز قوة الإيرانيين وكذا التنافس بين شركات الإستثمار للحصول على عقود وفرص في إيران ستدفع باتجاه تطبيع علاقة إيران مع العالم الخارجي.
فيما ستعتمد دول مثل الصين والهند على النفط الإيراني وهي معالم قوة للنظام الإسلامي في هذا البلد.
ومع اعتراف الكاتب بأن عوامل أخرى أثرت في نشوء الأزمات مثل غياب الحكم الرشيد والفساد والقمع إلا ان سياسات الرئيس أوباما مسؤولة بالضرورة. فمحاولة أوباما ومن حوله ولأسباب تتعلق بإرث جورج بوش الابتعاد عن الشرق الأوسط.
وناقش مسؤولو الإدارة أن مشاكل المنطقة يجب أن يترك حلها للآخرين وليس أمريكا وحدها. فمحاولة أوباما ومن معه توخي الحذر وعدم الوقوع في أخطاء الإدارة السابقة كانت وراء تبني سياسة خارجية حذرة.
ولا يوافق الكاتب على فكرة ترك الأمور للآخرين كي يتصدوا لها. وبهذه المثابة كانت سوريا امتحانا كبيرا لمدخل أوباما الحذر.
ويرى أن أوباما عندما فكر بالتحرك ضد نظام الأسد بعد استخدامه السلاح الكيميائي حاول البحث عن مبررات لعدم التحرك.
ولما واصل الأسد قتل شعبه ركزت الإدارة بحثها عن أعذار بدلا من التفكير بخطة عمل. ويقول إن حسابات الإدارة بعدم التحرك أو التحرك قليلا كان هو أنه لن يؤثر كثيرا على مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها وهو ما ثبت خطؤه.
وعليه فالمستقبل الذي يمكننا تخيله لسوريا اليوم سيكون أسوأ مما شاهدناه في السنوات الماضية.
وفي محاولة منه لتخطئة موقف الإدارة الحالية من أزمات الشرق الأوسط يتذكر الكاتب حوارا جرى بينه وبين الجنرال اندروا غودباستر الذي كان مساعدا للرئيس دوايت أيزنهاور أثناء الحرب العالمية الثانية وعندما أصبح أيزنهاور رئيسا.
وجرى الحديث عن المعلومات الاستخباراتية الكاذبة التي تم احتلال العراق بناء عليها عام 2003. واستبعد الجنرال الكلام قائلا إن أيزنهاور لم يكن ليتحلى بالصبر لأنه يعرف أن الاستخبارات عادة ما تخطئ.
وتجاهل أيزنهاور نصائح المخابرات في عام 1944 وهو ما قاد لمعركة مهمة. فلو اتسم بالحذر وافتقد الخيال لما فتح الباب أمام انتصارات كما يرى الكاتب.
ويضيف أن الاستمرار باتباع المدخل الحذر نفسه قد يقود لارتكاب اخطاء، كما حدث عندما قرر أوباما الانسحاب من العراق وهو ما خلق الظروف الجيدة لصعود تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام». وكما حدث عندما فشلت الولايات المتحدة بالتحرك بشكل فاعل أو قيادة تحالف في سوريا.
وعندما قررت الولايات المتحدة مواجهة تنظيم «الدولة» ذهبت لحربه متأخرة. فقد أثرت الفوضى في العراق وسوريا على لبنان وتركيا والأردن وفي كل مكان زرع تنظيم «الدولة» سمومه ويجب أن لا ننسى أن موقف امريكا هذا قد عزز من قوة إيران.
وفي هذا السياق فاتفاق حسن النية والمقصد مثل الاتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي قد يؤدي إلى آثار عميقة على المنطقة، خاصة عندما ينظر إليه في سياق الوضع الحالي في المنطقة.
وفي الوقت الذي يعترف فيه الكاتب بأن غزو العراق وعوامل عدة أخرى هي مسؤولة عن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم، لكن تخلي القوة العظمى في العالم عن دورها القيادي أسهم بخلق المأساة المعاصرة التي نشهدها.
وهو ما يعبد الطريق لمستقبل يطلب فيه من القيادة الأمريكية اتخاذ قرارات تحمل مخاطر أكثر من تلك التي حاول أوباما تجنبها.

qal

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية